ربع شباب المغرب بلا عمل، ونصف العمال بلا شهادات. *تقرير حكومي مغربي

منذ عامٍ واحدٍ فقط، وتحديدًا في فبراير (شباط) الماضي، كشف تقرير للمندوبية السامية للتخطيط بالمغرب عن ارتفاع نسبة البطالة إلى 10.2% مقابل 9.9% من العام السابق؛ إذ يعني هذا أن حوالي ربع شباب المغرب بلا عمل.

وتعد أزمة البطالة إحدى أهم الأزمات في المغرب، إن لم تكن أهمهم على الإطلاق خلال السنوات الأخيرة، ولذلك عملت دولة المغرب على عدد من الاستراتيجيات والخطوات، التي أسهمت في تقليل نسبة البطالة خلال العام الحالي مقارنةً بالعام الماضي، إذ وصلت النسبة الحالية إلى 9.9%، بدلًا من 10.2% من الوقت نفسه العام الماضي، بحسب إحصائيات «البنك الدولي»، و«منظمة العمل الدولية»، وذلك بعد توفير 122 ألف فرصة عمل جديدة خلال العام المنصرم.

يحظى بثقة الملك.. هل ينجح بنشعبون في تجنيب المغرب الأزمة الاقتصادية؟

وفي هذا التقرير، يقدم «ساسة بوست» دراسة للحالة المغربية في تقليص نسبة البطالة، والتي تعد بمثابة «روشتة» لمختلف الدول العربية من أجل اتباعها، وتقليل معدلات ونسب البطالة في العالم العربي.

المخطط الوطني للنهوض بالتشغيل

عملت الحكومة المغربية على إقامة وإنشاء «المخطط الوطني للنهوض بالتشغيل»، والذي تشرف عليه اللجنة الوزارية للتشغيل، والتي تتضمن عددًا من الوزارات المختلفة من الحكومة المغربية. وقد اعتُمد هذا المخطط في أغسطس (آب) من عام 2017، إلا أنه لم يجر البدء في تطبيقه إلا من منتصف عام 2018.

الجدير بالذكر أن المخطط الوطني للنهوض بالتشغيل يمتد بين عامي 2018 و2021، ويهدف إلى تقليص نسبة البطالة إلى 8.5% بدلًا من النسبة الحالية التي تبلغ 9.9%. ويشتمل المخطط على خمسة محاور رئيسية؛ تتضمن أكثر من 40 تدبيرًا وخطة في مختلف المحاور، وذلك من أجل الوصول إلى الهدف الأكبر وتحقيقه، وهو تقليص نسبة البطالة إلى 8.5%.

ويشارك في المخطط حوالي 40 جهة مختلفة؛ من ضمنهم حوالي 20 وزارة، بالإضافة إلى 14 قطاعًا حكوميًّا آخرين؛ فضلًا عن المجتمع المدني والجهات الفاعلة الأخرى؛ وذلك من أجل ضمان التكامل، بحسب التصريحات الرسمية.

المساءلة للجميع.. إقالة المتسببين وفصلهم

تعد أولى الخطوات التي اتخذتها المغرب من أجل تقليص نسبة البطالة في البلاد هي إقالة المتسببين في تفشي الأزمة وانتشارها؛ إذ أعلن العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إقالة وزير الاقتصاد والمالية، محمد بوسعيد، من منصبه في بداية شهر أغسطس العام الماضي، وذلك بعد دعوة الملك للحكومة وحثهم على العمل من أجل معالجة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، بحسب وكالة «رويترز» للأنباء.

يدُ الملِك.. تعرّف إلى رحلة إدريس جطّو من صانع أحذية إلى صانع قرارات في المغرب

وكانت وكالة الأنباء المغربية قد ذكرت أن هذا القرار جاء بعد تشاور الملك مع رئيس الوزراء المغربي، سعد الدين العثماني؛ مشيرةً إلى أن القرار الملكي جاء جزءًا من تطبيق مبدأ المساءلة، والتي يحرص على ممارستها على جميع المسؤولين؛ بغض النظر عن رتبهم أو انتماءاتهم. الجدير بالذكر أن نسبة البطالة في وقت إقالة بوسعيد كانت قد ارتفعت من 10.4% إلى 10.6% مقارنة بالوقت نفسه من العام السابق.

يأتي ذلك في الوقت الذي يعد فيه الوزير السابق، محمد بوسعيد، أحد أعضاء حزب التجمع الوطني للأحرار الليبرالي الموالي للملك المغربي، والشريك في الائتلاف الحاكم، لذلك جاءت تصريحات الملك بأن مبدأ المساءلة سيجري تطبيقه على الجميع، بغض النظر عن انتماءاتهم. وكان بوسعيد قد ظل في منصبه وزيرًا للاقتصاد والمالية منذ عام 2013 وحتى إقالته.

من جانبه، أكد محمد مصباح، رئيس المعهد المغربي لتحليل السياسات أن الملك طلب تقارير عن الأداء الاقتصادي والمالي؛ وحصل بالفعل على تقريرين من المصرف المركزي المغربي، والمجلس الأعلى المغربي للحسابات، تسببا في الأخير بإقالة بوسعيد.

جدير بالذكر أن القرار الملكي جاء بعد بضعة أشهر من حملات إلكترونية أطلقها عدد من الناشطين للاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية والبطالة في البلاد، والتي على إثرها طالب الناشطون بمقاطعة عدد من العلامات التجارية الخاصة بوزير الفلاحة عزيز أخنوش؛ وكان بوسعيد قد وصف القائمين على هذه الحملات بأنهم مخدوعون، مما دفع عددًا من الناشطين للتوقيع على عريضة إلكترونية من أجل إقالته.

Embed from Getty Images

إقالة المتسببين في انتشار البطالة لم تكن من نصيب وزير الاقتصاد والمالية فقط؛ بل إنه الوزير الرابع الذي أُقيل في هذه الحكومة، وذلك بعد إقالة وزراء التعليم والتخطيط، والإسكان، والصحة، في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2017، بسبب فشلهم في تحسين الوضع الاقتصادي.

البداية من الجذور: دعم توفير فرص العمل وتحسين ظروف العمل

تعد الخطوة الثانية التي اتخذتها الحكومة المغربية في إطار المخطط الوطني للنهوض بالتشغيل، بعد فصل ومحاسبة المتسببين في وصول الوضع الاقتصادي إلى مستوى متدني هي دعم خلق مناصب الشغل؛ إذ يتعلق الأمر هنا بإجراءات تهدف إلى دعم الاستثمارات المختلفة؛ سواء كانت من مستثمرين محليين أم أجانب؛ إذ عملت المغرب على دعم هذه الاستثمارات كميًّا ونوعيًّا.

Embed from Getty Images

تظاهرات في المغرب

ليس هذا فقط، بل عملت دولة المغرب على تقييم القوانين، والسياسات، والاستراتيجيات والمخططات المختلفة المتعلقة بالعمل، والتي تنظم العمل وساعاته وإجازاته، وحقوق العمال وأصحاب العمل؛ إذ إن هذه الاستراتيجية تهدف إلى دعم الحفاظ على فرص العمل الموجودة بالفعل، من أجل تجنب أي زيادة في معدلات البطالة ونسبها؛ واتخذت هذه الاستراتيجية تدبيرًا متعلقًا بإعداد قانون للنقابات، وقانون لتنظيم حق الإضراب عن العمل.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى تطوير آليات سوق العمل؛ واعتماد أنماط مختلفة من العمل مثل العمل عن بعد، أو العمل بتوقيت جزئي، فضلًا عن تفعيل دور «مفتشية الشغل»، وهي الجهة التي تشرف على إجراءات السلامة في أماكن العمل، وتحكم في شكاوى العمال من أصحاب أعمالهم.

وبالإضافة إلى هذا وذاك، تهدف هذه الاستراتيجية أيضًا إلى تعزيز الحماية الاجتماعية بالمعاشات والتعويضات عن حوادث العمل، والأمراض المهنية، فضلًا عن دعم خلق فرص العمل عبر تلبية الحاجة المتزايدة للخدمات ذات المنفعة الاجتماعية والنفع العام، وبالتالي فإنها لذلك تدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي عادةً ما تقدم خدمات من أجل سد حاجات اجتماعية متزايدة.

الأجور في المغرب.. قصة صراع الحكومة والنقابات التي لا تنتهي

وكان رئيس الوزراء المغربي، سعد الدين العثماني، قد أكد في يوليو (تمّوز) العام الماضي، أن المصدر الأول والرئيسي لخلق فرص العمل هو تحريك عجلة الاقتصاد ودعم الاستثمارات، ولذلك فإن هذه الاستراتيجية تهدف إلى تحسين مناخ الأعمال والاستثمارات في البلاد.

التعليم والعمل وجهان لعملة واحدة.. ملاءمة التعليم لمتطلبات سوق العمل

لطالما كانت الفجوة بين التعليم وسوق العمل هي أحد أكبر الأزمات التي تؤثر على تصنيف مستويات التعليم في الدول العربية، وهي أيضًا إحدى أهم الأزمات التي تؤثر في مستوى سوق العمل بشكلٍ عامٍ؛ ولذلك نرى الكثيرين ممن يضطرون إلى العمل في غير مجال دراستهم، وذلك بسبب أن مجال دراستهم لم يؤهلهم للعمل فيه.

أين يقع المغرب في أبرز المؤشرات العالمية لعام 2018؟

وقد وضعت المغرب الفجوة بين التعليم وسوق العمل في اعتبارها، وعملت على استرايجية من أجل ملاءمة التعليم مع متطلبات سوق العمل، وذلك في إطار المخطط الوطني للنهوض بالتشغيل 2018-2021.

وتهدف هذه الاستراتيجية إلى اتخاذ عدد من التدابير من أجل تحقيق ذلك؛ وكان أبرز هذه التدابير دعم تدريس اللغات المختلفة في المدارس، وتطوير وتعزيز فكرة ريادة الأعمال وحب المبادرة في مراحل التعليم المختلفة، فضلًا عن إضافة برامج وعمل وحدات تعمل على تعزيز مهارات الطلاب، والتعريف بسوق العمل، وتقنيات البحث عن العمل بعد التخرُّج.

وبالإضافة إلى ذلك، تهدف هذه الاستراتيجية أيضًا إلى اكتساب الخبرات العملية والتجارب المهنية في مراحل التعليم المختلفة، بالإضافة إلى بحث تعيين وتوظيف خريجي المدارس والجامعات في المؤسسات التعليمية المختلفة. فضلًا عن تعزيز التعليم المهني، والعمل على التقليص التدريجي لأعداد الطلاب الذين يغادرون النظام التعليمي بدون تأهيل.

نتعلم بالفصحى أم بالدارجة؟ جدل لا يتوقف حول مناهج التعليم في المغرب

ريادة الأعمال هي الحل

الخطوة الأخيرة التي اتخذتها دولة المغرب في اعتبارها من أجل العمل على تقليص نسبة البطالة في البلاد كانت ريادة الأعمال، أو ما يُعرف في المغرب باسم استراتيجية «التشغيل الذاتي»، وذلك عبر دعم وتطوير جيل جديد من البرامج النشيطة للتشغيل بالاعتماد على آليات التمويل القائم على النتائج.

وتعد استراتيجية التشغيل الذاتي ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة أحد أشكال ريادة الأعمال؛ إذ يعمل الشباب أو غيرهم على التفكير في أفكار لمشروعات تقدم خدمات معينة لفئات معينة، وما عليهم إلا أن يقوموا بتقديم نموذج بفكرة المشروع بالتفصيل، متضمنة أساليب المتابعة، والتقييم، والأهداف، والاستراتيجيات، والرؤية والرسالة، وكيفية الربح، ثم يتقدمون به إلى وزارة الشغل والإدماج المهني بالمغرب، ويحصلون على التمويل اللازم لإقامة هذا المشروع، أو نسبة منه.

Embed from Getty Images

وتقوم فكرة المغرب في العمل على هذه الاستراتيجية، عبر تبني منهج تشاركي يتضمن جميع الفاعلين المعنيين، خاصة وزارة الاقتصاد والمالية، ووزارة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، ومنظمات المجتمع المدني المختلفة.

وتقدم الوزارة أشكالًا مختلفة من الدعم لأصحاب الأفكار ورواد الأعمال في المغرب في إطار تنشيطها واتباعها لاستراتيجية التشغيل الذاتي؛ إذ يشمل هذا الدعم، تصميم وتنزيل برنامج جديد للتشغيل يستهدف الأشخاص الذين يواجهون صعوبة في الإدماج المهني، وذلك من أجل دمجهم وجمعهم مع أصحاب الكفاءات، ومقدمي الخدمات الآخرين، ومنظمات المجتمع المدني.

كما يتضمن هذا الدعم تقديم مساعدات تقنية، ومتخصصة، وليس فقط الدعم المتمثل في التمويل المالي أو المادي؛ إذ تهدف المساعدة التقنية إلى تعزيز قدرات الشباب وشركاتهم الجديدة الناشئة، وتحسين آليات تدبيرها وتقييمها ومتابعتها، وذلك في إطار تنفيذ برنامج «التكوين التأهيلي الموجه لحاملي الشهادات».

وتتضمن استراتيجية المغرب للتشغيل الذاتي عددًا كبيرًا من المشروعات المختلفة؛ مثل مشروع «إدماج»، ومشروع «تأهيل»، ومشروع «مقاولتي»، فضلًا عن آخر المشروعات ضمن هذه الاستراتيجية وهو مشروع «ممكن»، والذي بدأته الحكومة المغربية منذ منتصف العام الماضي 2018، والذي يستهدف توفير 1.2 مليون فرصة عمل حتى عام 2021، بحسب التصريحات الرسمية.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد