اليابان، بلاد الساموراي، التي يشتهر شعبها بالحفاظ على الكثير من التقاليد والأعراق القديمة، من رياضات الدفاع عن النفس إلى عادات السلام بالانحناء، وشرب الشاي الياباني، كل هذه عادات مترسخة، ولها جذور في تاريخ هذا الشعب، ولا يسهل تغييرها أبدًا، ما الحل إذًا لو أردنا إدخال عادة جديدة إلى تلك العادات القديمة؟ أو بالتحديد ماذا لو أرادت شركة للمواطن الياباني أن يشرب القهوة في الصباح بدلًا عن الشاي الذي اعتاد عليه طيلة حياته لتحقق المزيد من الأرباح؟

لا تبِع لي سلعة بل اجعلني محتاجًا إليها

«إذا أردت أن تبيع شيئًا لشخص لا يحتاجه، فعليك أن تجعله يحتاجه»

نظرية شهيرة في علم التسويق، تقوم في أساسها على أنه في الأسواق التي تتزايد فيها المنافسة والتحديات أمام صاحب السلعة، فإن الهدف يكون خلق الاحتياج لسلعته هذه ثم تلبيته، وأكبر محرك ودافع للشراء هو العادة أو العاطفة، لذلك فإن استطاع أحد أن يخلق احتياجًا أمام المستهلك مرتبطُ بالعادة أو العاطفة، فإن نجاح المنتج قد يصبح مضمونًا.

النظرية السابقة، طبقتها إحدى الشركات العالمية في اليابان وكان نجاحها مذهلًا، وهي نظرية جعلتها تتحول من شركة ليس لها وجود على الخريطة الاقتصادية في اليابان وخريطة المبيعات في السوق إلى إحدى أنجح الشركات الموجودة في اليابان حاليًا.

Japan Tea Japanese - Free photo on Pixabay

هذة الشركة هي شركة «نستله» الشركة العالمية متعددة الجنسيات والتي قُدر حجم مبيعاتها فقط في عام 2019 بحوالي 92.6 مليار فرانك سويسري، الأمر الذي جعلها قوة اقتصادية عملاقة تنتشر منتجاتها ومصانعها في جميع أنحاء العالم.

ولكن التحدي الذي واجهته شركة نستله في اليابان كان تحدي من نوع جديد غير مسبوق بالنسبة لفريق التسويق الخاص بها، فكيف تمكنوا من بيع المنتج الرئيس للشركة وهو القهوة والنسكافيه، إلى بلد لم يعرف هذا المنتج سابقًا، بل وأيضًا معروف بحبه الشديد للشاي؟ 

القهوة في اليابان.. ضيف نادر الزيارة إلى بيوتها

عرف اليابانيون القهوة منذ القرن الثامن عشر، وذلك حينما أحضرها التجار الهولنديون على متن سفنهم التجارية، لكن وعلى عكس بلدان أخرى لم يُحبذ الشعب الياباني مشروب القهوة بشدة فور تعرفهم عليه، فهم لم يرفضوه، ولكن أيضًا لم يلق من النجاح، أو الرواج ما يلاقيه اليوم، ولم يبدأ مشروب القهوة خطواته الأولى في النجاح في اليابان، إلا بعد أن بدأ تقديمه في المقاهي اليابانية الشعبية، حيث ساهم ذلك في تقريب الشعب الياباني من القهوة بشكل كبير.

ولعل ذلك يرجع إلى أن الشعب الياباني شعب شديد التمسك بعاداته وطباعه، فليس من السهل إدخال عادة أو شيء جديد إلى الثقافة اليابانية، أضف إلى ذلك حب اليابانيين الشديد للشاي، فالشاي بالنسبة للشعب الياباني أكثر من مجرد مشروب، فهو يحمل قيمة ثقافية كبيرة وتاريخية للشعب الياباني.

وحفلة الشاي هي طقس من الطقوس الراسخة لدى اليابنيين والتي عرفوها منذ القرن السادس كجزء مهم من التقاليد أو الأشياء المساعدة، في عملية التأمل والتي تُعد أساس الديانة البوذية، والتي بدورها إحدى أهم ديانتين في اليابان مع ديانة الشينتو.

Japan,tea,traditional,ceremony,culture - free image from needpix.com

غرفة شرب الشاي في البيوت اليابانية

وليس أدل على ما يحوزه مشروب الشاي من قيمة روحانية وثقافية لدى الشعب الياباني، من وجود غرفة في البيوت اليابانية يسمونها «تشاشيتسو» وهي غرفة تبنى خصيصًا لمراسم حفل الشاي، تحتوي على منطقة انتظار، وأرضيات من حصير التاتامي، وسقف منخفض، وشاشات، وقبة للمخطوطات، وموقد مدمج في الأرض، والعديد من المداخل للضيوف والمضيفين.

وبهذا فإن اليابان ولأكثر من سبب لم تكن أرضًا ممهدة أمام «نستله»، أو أمام ما تقدمه من منتجات، فدخولها إلى السوق اليابانية، كان يمثل تحدي ومخاطرة حقيقية، حيث إن القهوة أو النسكافيه الذي هو عبارة عن قهوة معالجة، تعتبر أحد أهم المنتجات التي تقدمها شركة «نستله»، ومن هنا كانت المعضلة كيف تبيع «نسله» منتجها الأشهر في بيئة تسويقية بهذه المواصفات.

نستلة.. الغزو الثقافي في حباية بونبوني

الآن المعضلة الموجودة أمام «نستله»، عناصرها مكونة من شعب شديد التمسك بعاداته، ومنتج غريب عن ثقافة هذا الشعب، وأيضًا مشروب آخر يعد منافسًا قويًا لمنتجهم الرئيس لما يتمتع به من قيمة ثقافية، وما يمثلة كجزء من عادات هذا الشعب، ولحل تلك المعضلة قامت الشركة بتوظيف عالم النفس وخبير التسويق كلوتير رابيل، صاحب الكتاب الشهير «شفرة الثقافة»، وبالطبع وجد رابيل أن السوق الياباني غير مهتم بالقهوة، أو النسكافيه، وأنهما منتجان لن يحالفهما النجاح في الأسواق اليابانية.

دولي

منذ 3 شهور
هذه الدول ركعت في الخفاء أمام التهديد الأمريكي

ما قامت به شركة «نستله» كان أنها وببساطة استهدفت الفئة الأهم والقاعدة الاستهلاكية الأعرض في أي مجتمع، وهم الأطفال والمراهقون، وكان ذلك عن طريق طرح حلوى بطعم القهوة والنسكافيه في الأسواق اليابانية، وقد كانت قطع الحلوى تلك بمثابة حصان طروادة أو الثغرة التي استطاعت من خلالها شركة «نستله» أن تخترق أسوار الثقافة اليابانية وتغير عادات الشعب الياباني، حيث اعتاد الأطفال والمراهقون مذاق تلك الحلوى بطعم القهوة، وألفوها منذ الصغر؛ مما جعلهم بالطبع أكثر انفتاحًا وقبولًا لمشروب القهوة أو النسكافيه. 

Nestled 1080P, 2K, 4K, 5K HD wallpapers free download | Wallpaper ...

حبيبات بونبوني لشركة «نستله»

على الرغم من بساطة الفكرة، إلا أنها وبدون شك كان لها أثر بالغ الأهمية في وضع شركة «نستلة» اليوم كأحد أهم وأكبر شركات انتاج الغذاء في اليابان، تلك القطعة من الحلوى كانت حجر الأساس الذي بنت عليه شركة «نستله» اليوم إمبراطوريتها الاقتصادية، والصناعية داخل اليابان، وحققت من خلاله الملايين من الأرباح. 

لم يقتصر تأثير ذلك على منتج القهوة أو النسكافية فقط، بل امتد أثره لجميع منتجات الشركة؛ إذ ساهم في خلق ثقة بين المستهلك الياباني وبين العلامة التجارية «نستله»، فشركة تنتج القهوة أو النسكافية الذي أحتسية يوميًا هي بالطبع شركة جديرة بالثقة في جميع ما تقدمه من منتجات والنتيجة؟ بإجمالي واردات من القهوة يقدر بقيمة 1.2 بليون دولار، أي ما يمثل 4.1% من إجمالي استيراد القهوة في العالم، احتلت اليابان في عام 2019 المركز الرابع من بين أكثر الدول استيرادًا للقهوة في العالم والفضل في ذلك يعود لقطعة حلوى.

فن البقاء على القمة بعد النجاح 

ما سبق لم يكن نهاية قصة نجاح شركة «نستله» في اليابان، بل إنه لم يكن أكثر من البداية للمزيد من النجاحات فبفضل تلك القاعدة من المستهلكين المحبين للعلامة التجارية «نستله»، والذين تربى بداخلهم منذ الصغر إحساس بالثقة، وارتباط بالعلامة التجارية التي تكونت في المقام الأول بسبب حبهم منذ الطفولة للحلوى بطعم القهوى، تنتج اليوم شركة نستله اليابان عشرات المنتجات المختلفة الموجودة في الأسواق اليابانية، ولها مصنع عملاق موجود في اليابان.

Ảnh: Nestle KitKat ご当地アソート 西日本 Western Japan Assort(ネスレ通販限定アソート)2

على سبيل المثال تنتج شركة نستله أكثر من 200 نكهة مختلفة من شيكولاتة «كيت كات» في اليابان، أضف إلى ذلك عشرات المنتجات وسلاسل المحلات، وماكينات بيع القهوة المنتشرة في جميع أنحاء البلاد، واليوم وصل حجم مبيعات شركة «نستله» في اليابان إلى 1816 مليون فرانك سويسري في عام 2019 فقط.  

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد