هل سبق وأن تساءلت من قبل عن السبب وراء هذا الكم الهائل والمتزايد من اللغات رغم أن بداية البشر واحدة؟ نحن لا نتحدث هنا عن نشأة اللغة في البداية لأول مرة، بل نتحدث عن نشأة اللغات الجديدة وانبثاقها من لغات أقدم. فعلى سبيل المثال، لماذا تطورت ونشأت لغات مثل الفرنسية والإيطالية والإسبانية والبرتغالية وغيرها من رحم اللغة اللاتينية؟ ولماذا لم يظل البشر يتحدثون اللغة نفسها؟

اللغة ترفض البقاء في مكانها!

هل تشعر بالضيق إذا وجدت كاتبًا ما يكتب رواية باللغة العامية لا العربية الفصحى؟ يرفض الكثيرون أن يستخدم الناس لغاتهم العامية في الكتابة بدلًا من استخدام اللغة العربية الفصحى، كأن يقول المصريون «معلش» بدلًا من «لا بأس»، أو أن يقول الخليجيون «ابخص» بدلًا من «أعلم»، أو أن يقول المغاربة «دابا» بدلًا من «الآن».

Embed from Getty Images

حتى إن الأجيال الأكبر سنًّا تتحسر على الشباب ولغتهم العامية ومصطلحاتهم الجديدة. لكن ما قد لا يعرفه الأجيال الأكبر سنًّا أنهم لا يستخدمون أيضًا اللغة العربية الفصحى! بل لغة عامية أخرى. الأمر نفسه ينطبق على اللغة الإنجليزية، فبالرغم من أن كبار السن يأخذون على الشباب لغتهم العامية، فإنهم لا يتحدثون الإنجليزية الأصلية أيضًا.

في النهاية، التغيير أمر طبيعي، والحقيقة هي أن اللغة ترفض البقاء في مكانها. ولأن اللغة تتغير، فإنها ستصل في لحظة ما إلى إنتاج لغة جديدة مختلفة. والسؤال هنا: كيف يحدث تطور اللغات حتى تنسلخ لغة جديدة من لغة أقدم؟

أسباب وآليات تغير اللغة

عملية التكلم والتحدث هي عملية ديناميكية تدخل فيها الكثير من العوامل، مثل الثقافة، والحاجات، والنطاق الجغرافي، وطبيعة الناس وغيرها. لذلك، فإن كيفية نشأة لغة جديدة لا تسير في طريق واحد فقط، بل لها عدة طرق وآليات يمكن أن تتبع إحداها أو أكثر من طريق منها.

1. الانجراف اللغوي.. نظرية دارون تنطبق على الكلمات!

هل تتخيل أن اللغات تتطور وفقًا لنظرية الانتقاء الطبيعي، أي تنطبق نظرية داروين على الكلمات كما تنطبق على الجينات؟ قد تبدو الفكرة غريبة، أليس كذلك؟ حسنًا، طبق أستاذ علم الأحياء بجامعة بنسلفانيا، جوشوا بلوتكين، مؤخرًا مبادئ علم الأحياء التطوري في دراسة علم اللغة، ليتمكن من تقديم سبب جديد لتطور اللغة ونشأتها، يشبه ما يحدث في الجينات. تمامًا مثل الطفرات الجينية العشوائية، تتغير اللغات لأنها تنتقل من جيل أو منطقة جغرافية إلى أخرى، وهي عملية تُعرف باسم «الانجراف اللغوي».

كيف هذا؟ في الجينات نحن نعرف أن هناك عملية نسخ مستمرة للحمض النووي لتكوين نسخ منه في الخلايا الجديدة المتكونة. لكن عملية النسخ هذه ليست كاملة وأحيانًا تنشأ نسخ بها عيوب وغير متطابقة مع النسخة الأصلية، وهو ما نطلق عليه اسم الطفرات. كذلك الأمر في الكلمات، فعملية نسخ اللغة وتكرارها بمرور الوقت من الآباء والأشقاء والمجتمع إلى الأطفال الأصغر هي أيضًا غير كاملة.

الدراسة السابقة أجريت على اللغة الإنجليزية، ولاحظت أن هناك حالات بالفعل فضل فيها الانتقاء الطبيعي مصطلحات معينة غير متداولة أو موجودة من الأساس. نحن نعرف مثلًا أنه في الإنجليزية توجد أفعال شاذة عند تحويلها للماضي (الطبيعي أن نضيف للفعل الأصلي ed ليتحول للزمن الماضي).

Embed from Getty Images

لكن ما وجده الباحثون أن هناك تفضيلًا لصيغة الماضي الطبيعية «smelled والذي يعني (شم)» رغم أنه يفترض أن تكون «smelt» في اللغة الأصلية. كذلك حدث العكس في فعل «dive والذي يعني (يغوص)»، إذ يستخدم «dove» بدلًا من «dived»، وهذا الأمر الأخير حدث مثلًا في فترة بدء انتشار استخدام السيارات لأنهم أصبحوا يستخدمون فعل القيادة «drive» كثيرًا، والماضي منه هو «drove». هذا يعني أننا كبشر نميل إلى استخدام الصيغة نفسها للكلمات المتشابهة صوتيًّا.

هل تعلم أيضًا أن استخدام الفعل المساعد «do» في الإنجليزية للنفي هو أمر مستحدث ولا يوجد في الإنجليزية الأصلية؟ الأصل أن يقول الناس «you say not»، لكنهم باتوا يقولون «you do not say»، وهو ما ندرسه في المدارس بالفعل. كل هذا سببه ظاهرة الانجراف العشوائي التي تحدث تدريجيًّا على مدى زمني طويل لنفاجأ بعدها بنشأة لغة جديدة تمامًا.

2. التكنولوجيا.. نمط الحياة اليومي يخترع كلمات جديدة!

في بعض الحالات، تتغير اللغات لأن احتياجات المتحدثين أنفسهم تتغير، خاصة وأن التكنولوجيا الجديدة لكل عصر وأساليب الحياة المتغيرة والمتطورة تتطلب طرقًا جديدة للتحدث عنها.

تتطلب التقنيات الجديدة والمنتجات الجديدة والتجارب الجديدة كلمات جديدة للإشارة إليها بوضوح وكفاءة. نأخذ موضوع إرسال الرسائل النصية مثالًا. في الأصل كانت هذه العملية تسمى المراسلة النصية أو إرسال الرسائل النصية، والسبب أنها كانت تتعلق بإرسال نص مكتوب دون غيره عبر الهاتف. وبعد أن أصبح بالإمكان إرسال أي شيء، أصبحت الكلمة المتداولة هي «إرسال رسالة» في إشارة واضحة لرسالة من هاتف لآخر، وليس خطابًا أو غيره من أنواع المراسلات.

على سبيل المثال، يعتقد العديد من الخبراء أن كمية المفردات الفنية واللغة العامية التي نستخدمها في الحياة اليومية تنمو حاليًا بشكل أسرع من أي وقت مضى، وذلك بسبب اتصال ما يقرب من نصف سكان العالم الآن بالإنترنت. هذا يتسبب في إنشاء أفكار وكلمات وعبارات جديدة وتعميمها. هذا الأمر أيضًا كان يحدث سابقًا لكن بمعدلات أقل بسبب نقص التواصل.

منطقة الشرق

منذ 9 شهور
يمنعون عرب إيران من استخدامها ولكن! لماذا يهتم الإيرانيون باللغة العربية؟

أشارت دراسات أيضًا إلى أن الأسماء أكثر عرضة للتغيير بسبب التحولات الثقافية غير المنتظمة مثل التكنولوجيا الجديدة، بينما تتغير الأفعال في كثير من الأحيان بسبب تغير دلالتها، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى أنها قابلة للتغيير لغويًّا أكثر من الأسماء.

3. الاختلاف بين البشر.. أنت تتحدث لغتك المميزة

في حالات أخرى، تتغير اللغة ببساطة لأنه لا يوجد شخصان متشابهان تمامًا، فنحن جميعًا، لغويًّا، نتاج البيئة والأشخاص الذين نتفاعل معهم. بكلمات أخرى، لا يوجد شخصان لهما التجربة اللغوية نفسها تمامًا. فكل منا يعرف مجموعة مختلفة قليلًا من الكلمات والتركيبات، اعتمادًا على عمرنا، ووظيفتنا، ومستوى تعليمنا، والبلد الذي نعيش فيه وما إلى ذلك.

نحن نختار كلمات وعبارات جديدة من جميع الأشخاص المختلفين الذين نتحدث معهم، وهذه الكلمات تتحد لصنع شيء جديد ولا يشبه طريقة التحدث الخاصة بأي شخص آخر. في الوقت نفسه، تستخدم مجموعات مختلفة في المجتمع اللغة وسيلة لتمييز هويتهم الجماعية، لإظهار من ليس عضوًا في المجموعة.

4. التواصل مع سكان جدد.. والشباب أيضًا

تتغير اللغات عندما يتواصل المتحدثون مع مجموعات سكانية جديدة. ربما الأمثلة الأقرب هنا هو تواصل البشر عبر التجارة أو الاستعمار. نحصل على كلمات جديدة من عدة أماكن مختلفة. نستعيرها من لغات أخرى.

هذا الأمر مألوف عندنا في العربية خصوصًا مع التطور العلمي الغربي ونشأة مصطلحات جديدة علمية لكنها أصبحت دارجة، فأخذناها نحن العرب وعربناها كما هي، ولم نبحث عن مقابل ما لها في اللغة. المثال الأبرز أننا نستخدم كلمة «تكنولوجيا» أكثر بكثير من «تقنية». كذلك نحن نقول «جيم» بدلًا من «صالة ألعاب رياضية». كل هذه الكلمات الإنجليزية في لغتنا اليومية لها تأثير لاحق فينا.

Embed from Getty Images

تبدأ العديد من التغييرات التي تحدث في اللغة بالمراهقين والشباب. عندما يتفاعل الشباب مع الآخرين في سنهم، تنمو لغتهم لتشمل كلمات وعبارات وتركيبات مختلفة عن تلك الخاصة بالجيل الأكبر سنًّا. بعض هذه الكلمات يكون عمرها قصيرًا، لكن البعض الآخر يستمر في التأثير في اللغة ككل.

5. تغير أصوات الكلمات يتسبب في نشأة اللغات!

هذا أمر مهم، وربما يوضح لنا كيف نجد كلمات متشابهة في اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها لكن بطريقة تحدث مختلفة؛ مما يعطينا ذلك الإحساس بأن أصل هذه الكلمات واحد. تتغير أصوات اللغة بمرور الوقت أيضًا. سنأخذ الإنجليزية هنا مثالًا.

منذ حوالي 500 عام، بدأت اللغة الإنجليزية تخضع لتغيير كبير في طريقة نطق أحرف العلة. في السابق قبل ذلك، كان نطق كلمة مثل «geese (والتي تعني طائر الإوز)» مشابهة في حركة المد عندما ننطق كلمة «face (والتي تعني وجه)» الآن. كذلك كلمة فأر «mice» كانت تنطق مثلما ننطق «peace بمعنى سلام» الآن. لكن بدأ يحدث تحول في نطق أحرف المد هذه، حيث أصبحنا ننطق كلمة mice (مايس) لا (ميس)، وأصبحنا ننطق geese (جيز) وليس (جايز).

لكن في اللغات الأوروبية الأخرى، ظل الوضع على سابقه، وهو ما يفسر لمن درس الإنجليزية والفرنسية مثلًا هذه الاختلافات الكبيرة في نطق الكلمات وخصوصًا حروف العلة. هذا الفيديو به بعض الأمثلة لكلمات اللغة الإنجليزية القديمة:

الفرنسية نموذجًا.. هكذا تنشأ اللغات

كلنا نعرف أن اللغة الفرنسية منحدرة من اللغة اللاتينية، وهي لغة الإمبراطورية الرومانية. عندما غزت روما فرنسا عام 52 قبل الميلاد، كان يسكن فرنسا أشخاص يتحدثون اللغة السلتية، كما تأثرت الفرنسية عند نشأتها باللغة الغالية. ويمكن القول إن اللغة الفرنسية تطورت من اللغة اللاتينية العامية المتأثرة باللغة الغالية على لسان القوم السلتيين، مما أحدث طريقة نطق مختلفة لبعض الأحرف في اللاتينية خصوصًا حروف العلة.

ليس هذا فحسب، بل إن الفرنسية شهدت تغيرات عديدة على مر القرون بسبب غزو القبائل الجرمانية لغرب أوروبا ثم دخلت العديد من كلمات الفرنسية الحالية في أعقاب سيطرة دوقية نورماندي على فرنسا وغيرها من التطورات.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد