مثل منازلهم التي تمتزج فيها جميع الألوان في مشهد مُبهج ومميز، تمتزج أيضًا معتقدات أهل النوبة في مصر، بمختلف مصادرها الدينية والثقافية، وعلى الرغم من أن أهل النوبة الآن صاروا جميعًا من المسلمين فقط، فإن طقوس احتفالاتهم وأعيادهم يظهر فيها مزيج من المعتقدات الإسلامية والمسيحية والمصرية القديمة.

هذه الأريحية في التعامل مع المعتقدات التي تنتمي لأكثر من ثقافة ودين، تجدها واضحة لدى النوبيين، فبعد دخول الإسلام للنوبة لم يكن من السهل على النوبيين التخلي عن معتقداتهم القديمة، سواء المسيحية أو المصرية القديمة.

في هذا التقرير، تحدث «ساسة بوست» مع بعض أبناء النوبة المصرية للتعرف إلى هذا المزيج، ومحاولة تفكيكه واستكشافه، لفهم أصوله.

حضارات متعددة.. ومزيج غني

الهدف من رحلتنا هذه، هو التعرف إلى النوبة من خلال النوبيين أنفسهم، الذين سكنوا تلك المنطقة منذ آلاف السنين، ومرت عليهم حضارات مختلفة، وثقافات وأديان متعددة، اقتبسوا من كل منها ما يناسب ذوقهم الروحي والفكري، محتفظين بأصالة لا يمكن إنكارها في الوقت ذاته.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
«أرض العطر والذهب».. كيف تحكي بلاد النوبة قصة الحضارة عبر العصور؟

نجاح النوبيين في ذلك مرده إلى عوامل متعددة، منها ثبات المنطقة التاريخية التي عاشوا فيها، رغم ما طالهم من تهجير، إثر بناء السد العالي في مصر؛ إذ إن المنطقة الجغرافية التي قطنوا بها تاريخيًّا ظلت بشكل تقريبي كما هي، فهم يتحركون بين أسوان وشمال السودان الحالية.

في حين كانت الممالك القديمة في النوبة تملك حدودًا متغيرة، فإن النوبة الحديثة تمتد على طول النيل من جنوب أسوان، حتى الشلال الرابع للنيل في السودان. وتقع معظم أراضي النوبة في السودان مع حوالي ربع أراضيها في مصر.

هذه المنطقة – النوبة بشكل عام- قامت بها حضارات متعددة، وقديمة، على مدار تاريخها الطويل، وتركت كل حضارة وثقافة منها بصمتها على أهلها، فعاش أجدادهم في رحاب حضارة مصر القديمة، وتأثروا بها وأثروا فيها، ثم جاءت المسيحية حوالي العام 350 ميلاديًّا، بعد غزوها من قبل مملكة أكسوم أو ما يعرف بمملكة الحبشة، والتي كانت تعتنق المسيحية آنذاك، فنشرتها بين ربوع شعوب النوبة، فأصبحت النوبة حصنًا مسيحيًّا بحلول القرن الرابع الميلادي.

 ظلت النوبة كذلك، حتى بعد دخول الإسلام إلى مصر بفترة طويلة نسبيًّا؛ إذ دخل العرب المسلمون النوبة حوالي القرن الرابع عشر الميلادي، وهو تاريخ متأخر نسبيًّا عن دخول الإسلام لباقي أجزاء مصر، التي فتحت في القرن السابع الميلادي. ونظرًا إلى بعد المسافة وشبه انعزال المنطقة، وتفرد أهلها بخصوصية لغوية وثقافية تجمعهم معًا، وتميزهم في الوقت ذاته عن باقي مصر حينذاك، وربما إلى الآن، فقد تأخر فتح النوبة بعض الشيء. 

ما يعنينا في رحلتنا هذه هو ما يشبه الغربلة الثقافية والروحية والاجتماعية التي قام بها النوبيون على مدار تاريخهم للثقافات والحضارات التي مرت عليهم، وعليه فلن يكون ذكر التاريخ الطويل والممتد إلا لمامًا أو بما يستوجبه موضوعنا، فهذا حديث طويل يحتاج إفراد مقام آخر لسرده. فهيا بنا نكتشف ثقافة بلاد الذهب التي مزجت المسيحية والمصرية القديمة والإسلام في فسيفساء بديعة ورائعة الجمال، تستحق أن تروى بلسان أهلها.

«السبوع» في النوبة.. مزيج إسلامي مسيحي

يقيم المصريون، بمختلف ثقافاتهم، احتفالًا بالمولود الجديد بعد أسبوع من ولادته، فيما يسمي بـ«السبوع»، وله طقوس خاصة تتشابه في أغلب أنحاء البلاد.

أما في النوبة، فيضم هذا الاحتفال مزيجًا من المعتقدات النوبية والإسلامية والمسيحية والمصرية القديمة في الوقت نفسه، وفي هذا الاحتفال تسير الجدة وهي تحمل المولود الجديد إلى شاطئ النيل، ويسير وراءها باقي الأسرة والأقرباء والأطفال أيضًا من العائلة، بينما تحمل النساء وعاء كبيرًا يحتوي على العصيدة، وهي وجبة نوبية تُصنع من القمح والدقيق والسكر، وتلك عادة نوبية في السبوع من وقت بعيد، بحسب ما قالته الحاجة زهراء من قرية غرب سهيل النوبية لـ«ساسة بوست».

بعد الوصول لشاطئ النيل يأتي دور واحدة من سيدات الأسرة لترمي سبع كتل من العصيدة في نهر النيل، بغرض إطعام الملائكة والحصول على بركتهم، وهي عادة نوبية تعود أصولها إلى مصر القديمة، وبعد رمي اللقيمات السبعة، يأتي دور الجدة في الاقتراب من شاطئ النيل لغسل وجه الطفل بمياه النيل، مثلما يفعل المسيحيون في طقوس تعميد الطفل حديث الولادة، حينما يغطسونه في حوض مليء بالمياه داخل الكنيسة، وتلك العادة لدى النوبيين قبل دخول الإسلام إلى النوبة، ولم يستطيعوا التخلص منها بعد كل تلك السنوات، فمزجوها بالمعتقدات الإسلامية، ولذلك نجد الجدة – كما تخبرنا الحاجة زهراء – تردد «الحمد لله رب العالمين» وهي تعمد الطفل في النيل.

بعد ذلك تُمنح العصيدة للأطفال حتى يتناولوها، بينما يشعل رجال الأسرة النار في مركب صغير من الخشب، ويجعلونه يبحر في النيل وهو مشتعل بالنيران، وكلما استمرت الشعلة في الاحتراق تفاءلت الأسرة بمستقبل الطفل، وتعود أصول عادة المركب الخشبي المحروق إلى الثقافة النوبية، ومن الصعب تتبع أصلها ومعرفة إذا كانت تخص مصر القديمة أم المسيحية، بحسب ما تخبرنا به زهراء.

الماري مارينتو.. أغنية تحتفي بالمسيح وتصلي على النبي

في مراسم الاحتفال بالسبوع والأفراح أحيانًا، تنتشر في النوبة أغنية باسم الماري مارينتو، وهي أغنية نوبية عمرها ما يزيد على ألفي عام، بحسب ما يقول محمد، الشاب النوبي في حديثه مع «ساسة بوست». كانت هذه الأغنية في الأصل أغنية تحتفي بالمسيح، وكان النوبيون ينشدونها في احتفالاتهم قبل دخول الإسلام.

بعد دخول الإسلام، لم يتخل النوبيون عن الأغنية، بل أضافوا إليها الصلاة على النبي محمد، وبذلك تحولت الأغنية إلى مديح مزدوج لنبي الإسلام ونبي المسيحية، وهي من أشهر الأغاني في تراث النوبة، ويغنيها جميع المطربين النوبيين تقريبًا في لحظة من لحظات حياتهم، وكأنها إرث لا فرار منه.

أصبح كل احتفال، سواء كان حفل زفاف أو سبوع أو حتى عيد ميلاد، يظهر فيه المزج بين المسيحية والإسلام في النوبة.

رقصة الأراجيد.. تأثير مصر القديمة في رقص النوبيين

الأراجيد هي كلمة نوبية تعني حرفيًّا السعادة أو الغبطة، ورقصة الأراجيد من أشهر الرقصات التي عُرف بها أهل النوبة، خاصة في الأفراح النوبية. يرقصون واقفين في صف واحد متشابكي الأيدي، ويسيرون في خطوات منظمة، وكأنهم كيان ووحدة واحدة، وتلك الرقصة تعد محاكاة لأمواج نهر النيل الهادئة.

مجتمع

منذ 3 سنوات
الطنطورية المصرية: «ساسة بوست» يستقصي أسرار الجرح النوبي المفتوح في ذكرى التهجير

يقول خالد، أحد سكان النوبة الشباب، لـ«ساسة بوست»، إن تأثر النوبيين بمصر القديمة يعد أكثر من أي مكان آخر في مصر، فالنوبيون – كما يوضح –  هم الأكثر تأثرًا بتلك الحضارة، ويظهر هذا التأثر في رقصة الأراجيد، خاصة حينما تتشابك أيدي الراقصين وهي مرفوعة لتشكل هرمًا في الهواء، ومعظم حركات رقصة الأراجيد هي محاولة لمحاكاة الطبيعة، الأمر الذي يعد من أهم أوجه التأثر بمصر القديمة، والتي كان أهلها في تمازج دائم مع الطبيعة. والرقص الاحتفالي بشكل عام مستمد من الرقص في المعابد، والذي كان يمارسه المصريون القدماء في الاحتفالات الدينية، فرقصة الأراجيد تمتد منذ هذا الوقت وحتى أيام النوبة الحالية في مزيج رائع بين المعتقدات النوبية ومعتقدات قدماء المصريين.

بهذا تنتهي رحلتنا القصيرة في ربوع النوبة، الأصيلة والمتفردة بخصوصيتها، التي استطاعت أن تصهر الثقافات والأديان التي مرت بأهلها ومنطقتهم الحيوية لتحولها إلى تراث فريد وخاص بها، مع الحفاظ على هوية النوبيين وتاريخهم الطويل، وهي معادلة صعب على كثير من المجتمعات المعاصرة تحقيقها، ناهيك عن تحقيقها بالسلاسة التي فعلها النوبيون.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد