نجحت عُمان في الإفلات، إلى الآن، من دوائر العقوبات التي تُمارسها الولايات المُتحدة الأمريكية بحق كُل دولة تُقيم علاقات ثنائية مع إيران، بعدما لم يُعد دور الوساطة مقبولًا لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كما كان الحال بالنسبة لأوباما الذي كان يرى في علاقة عمان مع إيران ضرورية في كثير من الأزمات. ونجت عُمان من أي قرار يعصف باستقرارها السياسي، سواء من جانب السعودية والإمارات، على الرغم من حفاظها على قنوات اتصال قوية مع إيران. يحاول التقرير التالي التعرف إلى الدوافع وراء حفاظ عُمان بقدر من الاستقرار يحميها من أي قرارات عاصفة من جانب أمريكا أو الدول الخليجية التي تقف في موقف مناهض من إيران، التي تتمتع مسقط بعلاقات قوية معها.

عُمان.. النافذة الخليجية الوحيدة لاستيراد النفط والغاز الإيرانيين

لم تتوقف حملة التحريض الأمريكية بقيادة ترامب لحصار إيران عن طريق كافة الوسائل المختلفة، وكان آخر هذه الآليات هي إطلاق تهديد بحق كُل الدول للتوقف عن شراء النفط الإيراني، وإلا فستواجه بلا استثناء عقوبات أمريكية جديدة.

Embed from Getty Images

السلطان قابوس

 

وجدت هذه الدعوة احتفاءً خليجيًا، وبالأخص من جانب السعودية والإمارات التي أثنت على هذه القرارات، بينما كان الاستثناء من بين دول الخليج كافة التي لم تعلق على استيرادها للنفط الإيراني هي سلطنة عُمان، والتي لم تعبأ بهذه التهديدات، وتركت الأمر مفتوحًا أمام كافة الاحتمالات.

وبدأت عُمان استيراد الغاز الطبيعي من إيران في مارس (آذار) 2014، حين وقعت الدولتان اتفاقيةً اقتصاديةً مهمة خلال زيارة الرئيس حسن روحاني إلى مسقط، والتي جرى بموجبها شروع طهران في تصدير نحو 350 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا إلى عمان بدايةً من عام 2015، وتستمر لمدة 25 عامًا من خلال خط أنابيب استراتيجي يبلغ طوله 420 ميلًا يمر أسفل الخليج العربي بقيمة تُقدر بحوالي 60 مليار دولار.

بالتوازي مع ذلك أعلنت إيران بشكلٍ منفصل نيتها في استثمار نحو 4 مليار دولار في ميناء دقم العماني الجديد، ووعدت بفعل المثل مع عدة مشروعات لتطوير البنية التحتية، وتتشكل أهمية هذا المشروع بالنسبة لعُمان في تأمين حصتها من الغاز الطبيعي مقارنة ببقية الدول المحاذية لها، فضلًا عن أهميته المُضاعفة لإيران من خلال إعادة تصدير الغاز الذي سيتحول جزء منه إلى دول ثانية.

وتُنتج سلطنة عمان نحو 96 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، وتستورد 5 ملايين متر مكعب يوميًا من الإمارات، وهو الإنتاج الذي انخفض بشكل ملحوظ في السنوات السابقة؛ مما دفعها للاتفاق على هذا المشروع الضخم مع إيران، وقد نمت العلاقات الثنائية بين إيران وعمان بالتوازي مع تهديدات ترامب؛ غير عابئة بها عبر اجتماعات ثنائية جمعت مسؤولي البلدين على مدار العام الماضي. ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، اجتمع قائد القوات الجوية العُمانية مع نظيره في طهران كجزء من لجنة عسكرية مشتركة، كما زار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف مسقط لمناقشة خط أنابيب مقترح لنقل الغاز الإيراني إلى الهند.

ووسط الحملات الهجومية الواسعة من جانب ترامب، والتهديدات من جانب مسؤولي السعودية والإمارات حيال أي دولة تتعاون مع إيران، عقد وزير الدفاع الإيراني، العميد أمير حاتمي، اجتماعًا عسكريًا، في طهران، وذلك في مايو (أيار) 201، مع وفد عسكري من سلطنة عمان برئاسة مساعد رئيس هيئة الأركان المسلحة العمانية، العميد البلوشي.

وانتهى اللقاء ببيان وصف فيه المسؤول العسكري الأول في إيران العلاقات بين بلده وعُمان بأنها «راسخة ووطيدة للغاية»، لافتًا إلى أن سلطنة عمان «تولي أهمية كبيرة لتوطيد العلاقات مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية». لم تقف وسائل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين عند التعاون العسكرى فقط، بل امتدت لزيادة التعاون التجاري بين البلدين برغبة عُمانية، وذلك في يونيو (حزيران) العام الجاري عبر تنظيم لقاء بين وزير التجارة والصناعة العماني، علي بن مسعود السنيدي، وعدد من رجال الأعمال الإيرانيين في مسقط؛ من أجل بحث كيفية زيادة الاستثمار المتبادل بين البلدين.

وشهد التبادل التجاري بين عمان وإيران نموًا لافتًا خلال العامين الأخيرين؛ إذ بلغ حجم التبادل التجاري الخارجي بين السلطنة وإيران خلال عام 2016 زيادة بنسبة 35% ليصل إلى 1.350 مليار دولار مقارنة مع نحو مليار دولار فقط في عام 2015.

كيف يسير السلطان قابوس على الحبال دون أن يسقط؟ ليس محايدًا كما يبدو!

علاقة السُلطان قابوس بطهران.. ترامب لم يعد يقبل فكرة الوسيط

سعت سلطنة عُمان خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما لبلورة علاقاتها الوثيقة مع إيران كوسيط مقبول مع طهران لدى الجانب الأمريكي؛ في محاولة لإقناعه بأهمية هذه العلاقة وانعكاسها عليه، خصوصًا في ظل الرؤية القائمة لدى إدارة أوباما بضرورة التواصل مع إيران، وأن التواصل هي الصيغة الأنسب لتسوية المشاكل.

Embed from Getty Images

السلطان قابوس مع وزير الدفاع الأمريكي في زيارة للولايات المتحدة الأمريكية

 

ولعبت عُمان دورًا كقناة دبلوماسية خلفية لأمريكا خلال ولاية أوباما للتفاوض مع إيران في أكثر من أزمة: كمساعدة إدارة أوباما للتوصل إلى حل للحرب الأهلية في اليمن من خلال رعايتها المفاوضات بين مسؤولين أمريكيين والحوثيين، وكذلك ضمانها الإفراج عن ثلاثة من المتجولين الأمريكيين الذين اعتقلتهم أجهزة الأمن الإيرانية في عام 2009، فضلًا عن مساعدتها للسلطنة على تأمين عودة الأمريكيين المحتجزين من المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، جنبًا  لكونها مركز المفاوضات النووية السرية بين الدبلوماسيين الأمريكيين والإيرانيين ابتداءً من منتصف عام 2012.

لم تعد هذه الصيغة مقبولة لدى المُفاوض الأمريكي؛ بعدما غادر أوباما، وحل محله ترامب في البيت الأبيض، بسياسة خارجية جديدة قائمة على التشدد مع طهران، ورفض فكرة التفاوض مع الطرف الإيراني، وإطلاق وعوده تجاه كُل من يتعامل معه.

انعكاسات هذا التحول الأمريكي في النظر لدور عمان كبانية للجسور وقناة دبلوماسية خلفية ترتب عليه بالتبعية تحريض سعودي إماراتي بشكل صامت تمثل في عدم إدراج عُمان في أي زيارة خارجية لولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال العامين الأخيرين، فضلًا عن توتر ملموس بين الإمارات وعُمان تمثل في النزاع بينهما في المسألة اليمنية، خصوصًا أن هذا النزاع جاء بعدما كشفت عُمان شبكة من الجواسيس تعمل لصالح الإمارات العربية المتحدة، وكانت مهامها تتمثل في التجسس على الحكومة والجيش العماني.

وفقًا لجاي سولومون، زميل زائر مميز في «زمالة سيغال» في معهد واشنطن، في مقالة منشورة له بموقع قناة «الحرة» الأمريكية، فإنه «في الأشهر الأخيرة، كان كل من الرياض ودولة الإمارات وواشنطن تضغط على مسقط لوقف تدفق الأسلحة الإيرانية التي يُزعم أنه تُهرَّب إلى الحوثيين عبر أراضي عُمان ومياهها الساحلية. وعليه فربما لم يعد الدور السابق للسلطان كباني جسور مع طهران ميزة».

قابوس.. العجوز الذي تخشى موته إيران وأمريكا

عُمان تستبدل أمريكا بأوروبا للحفاظ على فكرة الوسيط مع إيران

يُستبعد تأثر علاقة عُمان مع إيران على خلفية سياسة ترامب، والتي تتبعها بالتبعية الضغوط السعودية الإماراتية لأسباب لها علاقة بشروع مسقط مؤخرًا بنقل أهمية دورها كقناة دبلوماسية خلفية مع إيران لدى الغرب، خصوصًا في ظل تمسك الأخير بفكرة الحوار والتفاوض مع إيران في قضايا الشرق الأوسط.

Embed from Getty Images

صورة للسلطان قابوس مع عدد من وزراء السلطنة

 

تتأكد هذه الرغبة الأوروبية في عدم الاندفاع نحو الخروج من الاتفاق النووي الإيراني، فضلًا عن زيارة لوزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون لمسقط في نهاية العام الماضي، في إطار الحملة التي تقوم بها لندن للإفراج عن مواطن بريطاني – إيراني مسجون في طهران منذ عامين تقريبًا، والتنسيق مع المسؤولين العمانيين في الأزمة اليمنية لإيجاد انفراجة للوضع المأزوم.

يُعزز ذلك الحرص الغربي على التواصل مع عُمان هو اطلاعها الشامل على خريطة القبائل في اليمن، وصلاتها المتجذرة مع القبائل ومن بينها قبائل منخرطة في «تنظيم القاعدة» في جزيرة العرب؛ مما يجعل عُمان محطة لن يستطيع أي طرف إقليمي تجاوزها في إيجاد مخرج للأزمة اليمنية.

يُرجح أيضًا من احتمالية استمرار علاقة عُمان مع إيران، ورهانها على البقاء وسيطًا دائمًا مع طهران في القضايا الإقليمية هو تمسك وزارة الدفاع الأمريكية بوجهة النظر القائمة على الحوار والتفاوض، وليس الحرب المفتوحة؛ مما يعزز استمرار هذه الصيغة التي أسستها السلطنة كقناة دبلوماسية خفية تروج لها دومًا في المحافل الدبلوماسية.

يتأكد ذلك من واقع زيارة وزير الخارجية العماني، يوسف بن علوي، إلى واشنطن ولقائه وزير الدفاع الأمريكية جيمس ماتيس قبل أيام، وذلك بعد أسبوع فقط من لقائه وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في مسقط.

وذهبت التفسيرات الرسمية لهذه الزيارة برغبة إيران في التهدئة وفتح قناة تواصل مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ وتوسيط مسقط مع الولايات المتحدة الأمريكية مثلما حصل في 2013 وأفضى ذلك إلى الاتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني في صيف 2015.

هل فكرت في عُمان وجهةً لعطلتك الصيفية؟ 4 مؤشرات عالمية تنصحك بها

وتنقل مقالة منشورة بموقع قناة الحرة الأمريكية عن مسؤولين أمريكيين «إنهم يحاولون إرساء توازن مع عُمان؛ فيبقون على السلطان كقناة قيّمة تربطهم بطهران ووكلائها، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم المبالغة في تأييد المعسكر الإيراني».

على الأرجح ستنجح عُمان بالاستمرار في الحفاظ على علاقاتها مع إيران، وإعادة توظيفها من جديد للغرب كقناة دبلوماسية خلفية مع إيران، في ظل رغبتهم عدم الدخول في حرب مفتوحة، والإبقاء على التفاوض، خصوصًا مع النتائج الجيدة التي تأتي نتاج الوساطة العُمانية.

المصادر

تحميل المزيد