في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نشر مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية نتيجة استطلاع رأي أجراه، يستقرئ فيه آراء المواطنين حول حكومة الدكتور عمر الرزاز، بمناسبة مرور 100 يوم على توليها زمام المسؤولية، بعد أن أطاحت احتجاجات شعبية عارمة بحكومة سلفه هاني الملقي في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن حكومة الرزاز قد استُقبلت في البداية بتفاؤل شعبي، وترحيب بشخص رئيسها الذي حظى باحترام فئات كبيرة من المجتمع الأردني إبان توليه منصب وزارة التربية والتعليم العالي، فإن نتائج الاستطلاع الأخير جاءت صادمة، حيث أظهرت المؤشرات تهاوي شعبية الحكومة بدرجة أكبر من المتوقع وفي وقت قياسي لا يتعدى بضعة أشهر.

وبحسب الاستطلاع فإن 66% يرون أن الأمور تسير في الاتجاه الخاطئ  (مقارنة بـ40% أثناء تشكيل الحكومة) ، وعبر 61% من «قادة الرأي» عبروا عن رأي مماثل (مقارنة بـ 31% في الاستطلاع السابق)، ويرى 42% من العينة الوطنية ( و45% من «قادة الرأي») أن الحكومة كانت قادرة على تحمل مسؤوليات المرحلة السابقة، مسجلة بذلك انخفاضًا مقداره 22 نقطةً في العينة الوطنية (12 نقطة من  «قادة الرأي») عن الاستطلاع الذي تم إبان تشكيل الحكومة.

تكشف السطور التالية عن أبرز الأسباب التي ربما عصفت بشعبية الحكومة، وقوضت مكانتها في أعين الأردنيين بعد أن استبشروا بها في البداية، وتعرض لبعض التحديات التي واجهتها منذ أدائها اليمين الدستوري أمام الملك عبد الله الثاني في 14 يونيو (حزيران) الماضي.

«الشعب يريد إسقاط الحكومة».. القصة شبه الكاملة لإضراب الأردن ضد ضريبة الدخل

«يد الحكومة في جيب المواطن»

لم يكن أكثر الأردنيين تشاؤمًا يتوقع أن تعود الأمور إلى سيرتها الأولى بهذه السرعة، فبعد مرور أشهر قليلة على استقالة رئيس الوزراء هاني الملقي في مطلع يونيو الماضي، وتكليف الملك عبد الله الثاني عمر الرزاز بتشكيل حكومة جديدة، على خلفية الاحتجاجات التي عمت الشارع الأردني بسبب قانون ضريبة الدخل الجديد، عادت حكومة الرزاز لتمرير المشروع مرة أخرى، مع تعديلات رآها الكثيرون غير جوهرية، حيث تم الإبقاء على المواد التي أثارت غضب الشارع دون تغيير يذكر.

وإلى جانب ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية، كان قانون ضريبة الدخل هو «القشة التي قصمت ظهر البعير»، وأطاح بحكومة الملقي، حيث كانت مسودة القانون تلزم الفرد الذي بلغ سن 18 بالحصول على رقم ضريبي. حيث كان القانون يتضمن إخضاع الفرد الذي يصل دخله السنوي إلى 8 آلاف دينار (11.2 ألف دولار) للضريبة، فيما تعفى منها العائلة إذا كان مجموع الدخل السنوي للمعيل 16 ألف دينار (22.5 ألف دولار)، وقد أثار القانون غضب الرأي العام والنقابات المهنية التي وصفته بـ«قانون الجباية»، وشنت حملة لإسقاطه أفضت في النهاية إلى إسقاط حكومة الملقي ذاتها.

لكن سعادة المحتجين لم تدم طويلًا، بعدما عادت حكومة الرزاز بمشروع قانون جديد «معدّل» لضريبة الدخل، فيما اعتبر الكثيرون أن القانون الجديد لا يختلف كثيرًا عن المسودة التي طرحتها حكومة الملقي، ويقر القانون الجديد سقف الإعفاءات للعائلات فيما يتعلق بالدخل الخاضع للضريبة بواقع 20 ألف دينار في لعام 2019، ينخفض إلى 18 ألف دينار في 2020، إضافة إلى ألفي دينار بموجب فواتير، أما بالنسبة للأفراد الخاضعين للضريبة فيبلغ سقف الإعفاء 10 آلاف دينار لعام 2019، تنخفض إلى 9 آلاف دينار لعام 2020، إضافة إلى ألف دينار بموجب فواتير.

وفي تعليقه على القانون الجديد، ذكر رئيس الوزراء الأردني أن البلاد بحاجة  إلى «إقرار القانون المعدل لضريبة الدخل، وإلا فسنضطر لدفع فوائد أكبر على ديون المملكة، وبالتالي ترتفع المديونية، ونتطلع خلال السنوات القليلة القادمة لإلغاء العجز والبدء بتخطيط المديونية».وبحسب محللين، فإن الحكومة الأردنية وجدت نفسها في موقف صعب على كل حال، حيث كانت في حاجة إلى زيادة الإيرادات في مواجهة الظروف الصعبة على صعيد المالية العامة، كما أنها في حاجة لتنفيذ بعض المتطلبات التي ترتبط ببرامج صندوق النقد الدولي.

وقد أثارت تلك التصريحات غضب البعض ممن رأى أن الشعب بات هو المسؤول عن الإنفاق على الحكومة، وليس العكس (من شأن هذا القانون أن يضيف 253.7 مليون دولار من جيوب المواطنين إلى  خزينة الدولة)، كما أثار هذا التعديل ردود فعل ساخطة لدى قطاعات واسعة، وسخر بعض النشطاء من القانون بالدعوة إلى «الاعتذار لحكومة الملقي» التي استقالت بسبب قانون جرى تمريره على كل حال.

الأردن في 2018.. يد الحكومة تغوص عميقًا في جيب الشعب

فكر مليًا قبل كتابة منشور على «فيسبوك»

في الوقت الذي سعت فيه الحكومة الأردنية إلى خفض سقف الإعفاء الضريبي، كان ثمة مشروع قانون آخر من شأنه أن يخفض «سقف الحريات»، نتحدث هنا عن تعديلات قانون الجريمة الالكترونية، وقد صدر هذا القانون للمرة الأولى عام 2015، كنسخة محدثة من قانون «جرائم أنظمة المعلومات» الذي أصدرته الحكومة عام 2010 كقانون مؤقت في ظل غياب مجلس النواب. وفي عام 2017 قدمت الحكومة الأردنية بعض التعديلات على القانون قبل أن يحيل البرلمان في سبتمبر (أيلول) الجاري تلك التعديلات إلى اللجنة القانونية البرلمانية تمهيدًَا للتصويت عليه.

وتشمل التعديلات المقترحة إضافة «خطاب الكراهية» كجريمة جنائية يعاقب عليها القانون بالحبس لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات، ودفع غرامة قد تصل إلى 10 آلاف دينار أردني (14 ألف دولار أمريكي)، وقد لاقى هذا التعريف رفضًا من بعض الدوائر الحقوقية والصحافية في الأردن، حيث رأت المحامية هالة عاهد أن «تعريف جرائم الكراهية تعريف واسع وفضفاض ومن شأنه أن يوسع نطاق التجريم بحيث يصادر حرية الرأي والتعبير ما يشكل انتهاكًا صريحًا وخطيرًا لأحكام الدستور الأردني والمواثيق الدولية ذات الصِّلة التي صادق عليها الأردن وأصبحت جزءا من المنظومة التشريعية التي تسمو على القوانين».

كما تتضمن المسودة اقتراحًا بـ«تجريم توزيع المقالات التي تصل إلى حد التشهير»؛ ما يعني أنه يمكن حبس شخص  بسبب مشاركة مقال قد يوصف بأنه يقوم بـ«التشهير» على وسائل التواصل الاجتماعي.

Embed from Getty Images

عمر الرزاز رئيس الوزراء الأردني في اجتماع لحكومته

ومما يزيد من الإشكالات المتعلقة بهذا القانون وتعديلاته، الاستناد عليه في بعض الحوادث السابقة لمعاقبة مواطنين أدلوا بآرائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل اتهام شخص بـ«إثارة الفتنة على مواقع التواصل الاجتماعي» بعد نشره فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي موجهًا رسالة إلى رئيس الوزراء السابق هاني الملقي احتجاجًا على غلاء الأسعار والضرائب، أو تقديم شكوى ضد رسام الكاريكاتير عماد حجاج بعد نشره رسمًا إلكترونيًا على صفحته الشخصية على «فيسبوك»، وهناك أيضًا حادثة إيقاف سبعة صحافيين من قبل المدعي العام بعد نشرهم معلومات حول أملاك يوسف العيسوي أمين عام الديوان الملكي.

وفي تقرير صادر لها في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، دعت «منظمة العفو الدولية» الحكومة الأردنية إلى سحب تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية، التي وصفتها بأنها «ستوجه ضربة قاصمة إلى حرية التعبير في الأردن»، ونقلت المنظمة عن هبة مرايف مديرة مكتب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن التعديلات «تثير بواعث قلق عميق. فبدلًا عن اتخاذ خطوات لحماية حقوق الأشخاص في استخدام الإنترنت، يبدو أن السلطات تسير بخطوات إلى الوراء، حيث تُدخل تعديلات تنص على المزيد من قمع حرية التعبير».

وتضيف مرايف: «إن للسلطات الأردنية سجلًا فظيعًا في مجال إسكات منتقديه، سواء على الإنترنت أو في الواقع. ويتعين عليها إلغاء جميع القوانين التي تجرِّم الحق في حرية التعبير».

مترجم: سمك المسكوف العراقي.. كيف سافر الطبق الوطني من بلاد الرافدين وحتى الأردن؟

البحر الميت يبتلع شعبية الحكومة

إحدى الحوادث التي شكلت إحراجًا كبيرًا لحكومة عمر الرزاز، ووضعته في مرمى نيران الرأي العام الأردني، كانت «حادثة البحر الميت» نهاية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي أسفرت عن «هزة» حكومية أفضت إلى استقالة وزيري التعليم والسياحة، بعد مطالبات شعبية وبرلمانية بذلك.

وكانت الأمطار الغزيرة قد تسببت في سيول ضربت منطقة البحر الميت على بعد 50 كيلومترًا من العاصمة الأردنية عمَان، وجرفت السيول حافلة كانت تقل تلاميذ من مدرسة «فيكتوريا» الخاصة، في طريقهم إلى المنطقة التي تعد مزارًا سياحيًا شهيرًا؛ الأمر إلى أدى إلى وفاة نحو 21 شخصًا وإصابة 35 آخرين غالبيتهم من الطلاب، ثلاثة منهم يحملون الجنسية العراقية.

وقد أثار الحادث ردود فعل غاضبة هزت المجتمع الأردني بأكمله، وألغى العاهل الأردني زيارة كانت مقررة إلى مملكة البحرين لمتابعة الحادث، كما غرد على موقع «تويتر» معزيًا الضحايا، ومعربًا عن غضبه من «المقصرين» قائلاً: «حزني وألمي شديد وكبير، ولا يوازيه إلا غضبي على كل من قصر في اتخاذ الإجراءات التي كان من الممكن أن تمنع وقوع هذه الحادثة الأليمة. أعزي نفسي وأعزي الأردن بفقدان أفراد من أهلي وأسرتي الكبيرة، فمصاب كل أب وأم وأسرة هو مصابي. إنا لله وإنا إليه راجعون».

وفي حين حاول وزراء الحكومة المعنيين في البداية التنصل من المسؤولية، وألقوا باللوم على إدارة المدرسة ومنظمي الرحلة، فإن تزايد الضغط الشعبي والإعلامي المتفاعل مع القضية، كما أعلن رئيس الوزراء عمر  الرزاز أن حكومته تتحمل المسؤولية «أخلاقيًا وإداريًا وعمليًا» عن الحادثة، ونقلت وكالة الأنباء الرسمية «بترا» عن رئيس لجنة التحقيق النيابية في الحادثة عبد المنعم العودات أن التحقيقات الأولية قد أثبتت وجود تهاون وتقصير في أداء بعض الوزارات، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى استقالة وزيرة السياحة والآثار لينا عناب ووزير التربية والتعليم العالي عزمي محافظة.

إسرائيل لا تُرجع أرضًا أخذتها.. هل يكسر الأردن القاعدة ويستردّ الباقورة والغمر؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد