كانت الأطراف الممثلة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ووسطائه الأمريكان متفائلة، قبل أكثر من ربع قرن، بإمكانية التوصل إلى سلام حقيقي وحلٍ فعال للقضية، من خلال اتفاقية أوسلو التي جاءت عام 1993 كأولى ثمار المفاوضات بين الحكومة الإسرائيلية و«منظمة التحرير الفلسطينية»، لكن ذلك التفاؤل خبا بمرور الوقت حتى لدى المنظمة التي أصبحت -بموجب الاتفاقية- سلطة فلسطينية تعترف بها إسرائيل والمجتمع الدولي.

لينتهي الحال بالرجل نفسه الذي قاد مفاوضات أوسلو ممثّلًا للجانب الفلسطيني، وأصبح رئيسًا للسلطة الفلسطينية فيما بعد، محمود عباس، بأن يعلن مؤخرًا وقف العمل بكافة الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، ويشدد على موقفه السابق برفض ما يسمى بصفقة القرن الأمريكية.

لكن الطريق إلى «صفقة القرن» لم يكن ممكنًا إلا بالمرور عبر أوسلو، على الأقل من وجهة نظر عبّر عنها المفكر الفلسطيني جوزيف مسعد، وذلك بصفة الاتفاقية كانت أول اعتراف رسمي من كلا الطرفين بشرعية الآخر، مع فارق موازين القوى الذي نتج منه اعترافٌ فلسطيني بدولة إسرائيل على 78% من أراضي فلسطين التاريخية، ووعدٌ بنبذ العنف والتخلي عن خيار المقاومة المسلحة، وهو ما أدى إلى عودة أكثر من 100 ألف فلسطيني من مقاتلي فتح وعائلاتهم إلى غزة والضفة، فضلًا عن التنازل عن تكوين جيش تابع للسلطة الفلسطينية.

نصت الاتفاقية على أن تتولى إسرائيل تأمين الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة من أي عدوان خارجي، وتتولى السلطة تأمينها داخليًّا بواسطة الشرطة والأجهزة الأمنية، وفي المقابل اعترفت إسرائيل فقط بالسلطة ممثلًا شرعيًّا للشعب الفلسطيني، على أن ينتهي خلال خمس سنوات حسم المسائل المتعلقة بالقدس، وحق العودة للاجئين، والمستوطنات الموجودة والآخذة في الزيادة بالضفة الغربية، والترتيبات الأمنية.

رفضت باقي الفصائل الفلسطينية الاتفاقية، ولم يمض عامان إلا وقد اغتال متطرف صهيوني رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي وقّع الاتفاقية، إسحاق رابين، فتتابعت إثر ذلك انتكاسات اتفاقية أوسلو، واتخذ رؤساء الوزراء الإسرائيليون بعد رابين منحى أكثر تشددًا، ظلت معه المسائل المؤجلة في الاتفاقية عالقة دون حل، ورفض الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لدغة أخرى من الجُحر نفسه في قمة كامب ديفيد سنة 2000، التي تفاوض فيها معه رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك بوساطة من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، وبشروط جديدة تتضمن سيادة إسرائيل على القدس، وإلغاء حق العودة إلا لنصف مليون لاجئ عبر برنامج زمني مؤجل.

تتشابه بنود قمة كامب ديفيد مع ما تشير إليه تسريبات «صفقة القرن»، ويرى المفكر جوزيف مسعد أن الصفقة تعد امتدادًا طبيعيًّا لاتفاقية أوسلو، وأن سبب معارضة السلطة الفلسطينية لها أنها «أنهت مهمتها كسلطة انتقالية بقمع مقاومة الشعب الفلسطيني لإسرائيل عبر تنسيقها الأمني»، وبينما تكشف التسريبات عن سعي إدارة ترامب لحسم القضايا العالقة بخصوص القدس وحق العودة والمستوطنات، كان التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل هي المسألة الوحيدة التي جرى العمل فيها وفق مفاوضات أوسلو، خاصة منذ تولي السلطة الرئيس محمود عباس، الذي رأى التنسيق الأمني مع إسرائيل واجبًا مقدسًا ومستمرًا «سواء اتفقنا أو اختلفنا في السياسة».

وكان سعيد الذي منعت كتبه في فلسطين لأكثر من خمس سنوات قد عد أن «منظمة التحرير الفلسطينية حولت نفسها من حركة تحرر وطني إلى ما يشبه حكومة بلدية صغيرة، مع بقاء الحفنة ذاتها من الأشخاص في القيادة»، وفي «رحلة القرن» نرصد ذلك التحول من خلال مسارات بعض من أبرز قيادات السلطة الفلسطينية منذ أوسلو.

«واشنطن بوست»: بعد 25 عامًا على إبرامها.. ماذا قدمت اتفاقية أوسلو للفلسطينيين؟

دحلان والرجوب.. «الأمن الوقائي» خير من «المقاومة»

«كل الأجهزة الأمنية تقوم بعمل واحد، وهو منع أي شخص يهرب أسلحة أو يريد أن يستعمل هذه الأسلحة، سواء في الأراضي الفلسطينية أو في إسرائيل، هذا هو الشغل الشاغل للأجهزة الأمنية، وهذا بالتعاون الكامل بيننا وبين الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والأمريكية»

بهذه العبارة شرح الرئيس الفلسطيني محمود عباس علاقة الأجهزة الأمنية الفلسطينية بالإسرائيلية والأمريكية، والتي حددتها اتفاقية القاهرة عام 1994 واتفاقية طابا، أو ما يعرف بـ«أوسلو 2» في 1995، ونصت على أن السلطة مسؤولة عن منع الهجمات المسلحة ضد الإسرائيليين، واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المهاجمين، كما تضمنت أن «الفلسطينيين الذين أقاموا صلات مع السلطات الإسرائيلية لن يكونوا عرضة لأعمال المضايقة، أو العنف، أو الانتقام، أو التعسف أو المحاكمة، وسيتم أخذ إجراءات ملائمة ومستمرة بالتنسيق مع إسرائيل لضمان حمايتهم».

كانت الأجهزة الأمنية التي سمحت اتفاقية أوسلو للسلطة الفلسطينية بإنشائها وفقًا للشروط المذكورة، إيذانًا بنهاية عهد كانت قوانين «منظمة التحرير» فيه تنص على أن يعاقب بالإعدام كل فرد «تخابر مع العدو أو أعطاه أخبارًا بصورة تنطوي على الخيانة، أو أرسل إلى العدو راية المهادنة عن خيانة أو جبن، أو قام عن علم منه أثناء وجوده بالخدمة بأي عمل من شأنه أن يعرض للخطر نجاح أية عمليات تقوم بها قوات الثورة أو أية قوات من القوات الحليفة».

وفي العهد الجديد لمع اسمان من حركة «فتح» في سماء التنسيق الأمني مع إسرائيل، هما جبريل الرجوب، ومحمد دحلان، اللذان رشحتهما «المخابرات العسكرية الإسرائيلية» و«جهاز الأمن العام (الشاباك)» لتولي مسؤولية جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية وقطاع غزة، بحسب ما ذكره الرئيس الأسبق للشاباك يعقوب بيري.

لكن رحلة كلا الرجلين كانت مختلفة، فقد وقعت هزيمة يونيو (حزيران) 1967 وجبريل الرجوب صبي بعمر 14 عامًا، فشهد العام التالي أول مواجهة معلنة له مع إسرائيل، عندما اعتقلته قواتها بتهمة مساعدة ضابط مصري على الهروب، ليخرج بعد أربعة أشهر ويعاود نشاطه ضد قوات الاحتلال؛ إذ انضم لحركة «فتح» قبل أن يعتقل مرة أخرى عام 1970 وينال حكمًا بالمؤبد لإلقائه قنبلة يدوية على سيارة عسكرية إسرائيلية، لكنه خرج سنة 1985 في صفقة لتبادل الأسرى، قبل أن يُعتقل مجددًا بسبب مشاركته في الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987، ليكمل 17 عامًا من حياته داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، ثم يتم إبعاده إلى لبنان ومنها إلى تونس، حيث قيادات «منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة عرفات».

أما محمد دحلان فقد شارك خلال دراسته بالجامعة في مطلع الثمانينيات في تأسيس فرع «الشبيبة الفتحاوية» بغزة، الذراع التنظيمي والسياسي لحركة «فتح» حينها بالقطاع، قبل أن يلقى القبض عليه للسبب نفسه، ويُحكم عليه بخمسة أعوام قضاها في سجون الاحتلال ما بين 1981- 1986، وبعد خروجه سافر إلى الأردن، ومنها إلى مصر ثم العراق، وأخيرًا إلى تونس أيضًا، كما شارك في تنظيم أعمال الانتفاضة الأولى، وهي مشاركة نال بها ثقة عرفات، ليصبح عنصرًا مشتركًا في كل المفاوضات التي تمت فيما بعد بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، والتي بدأت أواخر الثمانينيات.

بعدما تولى الرجوب ودحلان مسؤولية جهاز «الأمن الوقائي»، واجه كل منهما اتهامات بتعذيب معارضي أوسلو والسلطة الفلسطينية، وخلال عام ونصف من بدء عمله اعتقل الجهاز أكثر من 3 آلاف فرد من صفوف حركتي حماس والجهاد الإسلامي والفصائل الأخرى، كما سُجلت العشرات من حالات السجن دون اتهامات أو محاكمة، وحالات التعذيب حتى الموت أحيانًا، منها حالة تعذيب وقتل القيادي بـ«كتائب القسام» محيي الدين الشريف، وكذلك حادثة تسليم «خلية صوريف» القسامية إلى سلطات الاحتلال في أواخر التسعينيات، وقد كان جبريل الرجوب هو المتهم الرئيسي من قِبل حركة حماس في الواقعتين، كما أن حركة «فتح» علقت عضويته في المجلس الثوري لثمانية أشهر عام 1997 عندما سرت شائعات بأنه كان يخطط للسيطرة على الضفة الغربية.

أقال ياسر عرفات جبريل الرجوب من منصبه عام 2002 بعدما حاصر الجيش الإسرائيلي مقر الرئاسة الفلسطينية، واقتحم مقر «الأمن الوقائي» في رام الله، نتيجة دعم عرفات للانتفاضة الثانية، كما استقال محمد دحلان من منصبه في السنة نفسها اعتراضًا على سياسات عرفات تجاه الانتفاضة، التي رأى دحلان أنها منحت حماس ثقة وانتشارًا في الداخل الفلسطيني بسبب عملياتها ضد الاحتلال، وطالب بتعيينه وزيرًا للداخلية، لكن طلبه قوبل برفض تام من أبي عمار، ليستقيل دحلان احتجاجًا، وفي العام التالي رضخ عرفات للضغوط الأمريكية لتشكيل حكومة جديدة برئاسة محمود عباس، تولى فيها دحلان وزارة الشئون الأمنية، بينما أصبح الرجوب مستشارًا للأمن القومي.

لم تلبث الحكومة الجديدة إلا وقدمت استقالة جماعية اعتراضًا على «التدخل المستمر لعرفات في شؤونها»، كان القرار يصدر من دحلان في لحظة ما ليتبعه عرفات بقرار جديد يلغيه، وبعد الاستقالة أوكل عرفات مهمة تشكيل الحكومة الجديدة لناصر يوسف، أحد أكبر مؤيديه، تاركًا دحلان خارج الحكومة، ليبدأ الحشد لمعركة انتخابية ضد عرفات، باستمالة قادة «فتح» وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني إلى جانبه «بالترغيب أو الترهيب»، كما قال في رسالة مسربة لوزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، شاؤول موفاز، وقد عاد دحلان بعد وفاة عرفات وتولي محمود عباس الرئاسة، وزيرًا للشئون المدنية في حكومة أحمد قريع عام 2005.

لكن دحلان خسر جزءًا كبيرًا من نفوذه بالسلطة عندما سيطرت حماس على قطاع غزة عام 2007، وفي 2011 جمدت حركة «فتح» عضويته وفتحت تحقيقًا بشأنه توصلت من خلاله إلى ضلوعه في تسميم عرفات والتخطيط لانقلاب عسكري بالضفة الغربية، كما تتهمه حركة «حماس» بالتورط مع «الموساد» الإسرائيلي في اغتيال القيادي بـ«القسام» محمود المبحوح، عام 2010 في دبي، وبعد طرده من السلطة اتجه دحلان لمعارضة سلطة محمود عباس، من خلال الملف نفسخ الذي كان هو نفسه على رأسه يومًا ما، ملف التنسيق الأمني؛ إذ بدأ يعارضه ويهاجم الرئيس أبي مازن واصفًا إياه بـ«رئيس التنسيق الأمني المقدس».

أما جبريل الرجوب فقد ترشح لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، لكنه خسر أمام مرشحي حركة «حماس»، وإثر خسارته تقدم للرئيس محمود عباس باستقالته من منصبه كمستشار للأمن القومي، لينتهي دوره الأمني قبل أن يعود من نافذة الرياضة رئيسًا «الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم» منذ عام 2008، ثم رئيسًا «للمجلس الأعلى للشباب والرياضة» منذ تشكيله عام 2011 بديلًا لوزارة الشباب والرياضة، ومن حين لآخر يظهر جبريل الرجوب في وسائل الإعلام بتصريحات تثير الجدل أحيانًا، منها تصريحه عام 2017 بأن حائط البراق/ المبكى المتنازع عليه بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجب أن يبقى تحت السيادة الإسرائيلية.

محمود عباس.. مهندس أوسلو الذي فقد الأمل فيها

في طفولته تعرض محمود عباس للتهجير مع أسرته من قرية الصفد في منطقة الجليل، بعدما احتلتها إسرائيل عام 1948، انتقلت الأسرة إلى دمشق، وفي 1957 سافر عباس للعمل في قطر، وهناك بدأ بتكوين مجموعة من الفلسطينيين بهدف العمل ضد الاحتلال، وقد أصبحت تلك المجموعة فيما بعد شخصيات رئيسية في حركة «فتح» التي التحق بها عباس في مرحلة التأسيس، ثم شارك في التحضير للثورة الفلسطينية التي بدأت مرحلة الكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي بقيادة ياسر عرفات في منتصف الستينيات، وفي عام 1969 انتقل إلى الأردن ليتولى مهمة التعبئة والتنظيم بالحركة، كما رافق عرفات في منفاه إلى الأردن، ثم لبنان، ثم تونس.

تبنى محمود عباس سنة 1988 مبادرة تتضمن إعلان استقلال الدولة الفلسطينية واعترافًا لأول مرة بدولة إسرائيل على حدود 4 يونيو 1967، ووافق «المجلس الوطني الفلسطيني» على المبادرة التي عرضت في دورته 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 1988، مما أهّل عباسًا لقيادة المفاوضات في أوسلو 1993 وقد صرّح مؤخرًا أن مفاوضات أوسلو بدأت دون علم الولايات المتحدة، واستمرت كذلك لثمانية أشهر، وبعد سنوات أصبح أول رئيس وزراء فلسطيني بعد ضغوط أمريكية على عرفات لتعيين رئيس وزراء للحكومة أثناء الانتفاضة الثانية.

أبو مازن ينسف أوسلو

الرئيس الفلسطيني محمود عباس

في عام 1999 سئل مذيع قناة الجزيرة الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس» عن توقعاته لمن سيخلف عرفات في الرئاسة، فكانت إجابته: «هناك أسماء مطروحة في الداخل، منها محمود عباس، وأحمد قريع، وأنا في رأيي أن الذي يخلفه هو الأكثر طواعية في يد أمريكا وإسرائيل، والراجح أن المراهنة تمشي بأن يكون محمود عباس هو الخليفة؛ لأنه صاحب اتفاقية أوسلو ورجل الاتفاقات والمحادثات، فهم مطمئنون أن يظل في الطريق الذي يريدونه»، وفي عام 2004 الذي شهد رحيل أحمد ياسين وياسر عرفات، أصبح محمود عباس رئيسًا للجنة التنفيذية لـ«منظمة التحرير الفلسطينية»، وبحلول عام 2005 أصبح ثاني رئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية.

رغم انتهاء ولاية عباس في 2009، فإن الانتخابات الرئاسية لم تجر بعد؛ نتيجة الانقسام الفلسطيني الذي أدى لسيطرة «فتح» على الضفة الغربية وسيطرة «حماس» على قطاع غزة منذ عام 2007، ورغم أن القانون الفلسطيني ينص على أن تؤول الرئاسة في حال خلو المنصب، أو فقدان الأهلية القانونية، إلى رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، إلى أن تجرى الانتخابات لاختيار الرئيس الجديد، إلا أن ذلك لم يحدث، واستمر عباس في منصبه 10 سنوات إضافية -حتى الآن- في ظل رضا أمريكي وإسرائيلي عن سياساته التي ترفض حمل السلاح ضد الاحتلال الإسرائيلي بأي شكل، وربما يدعو حتى  لقتل من يحمله.

وفي كتاب يتناول سيرته بعنوان «الفلسطيني الأخير» للكاتبين الإسرائيليين غرانت رملي وأمير طيبُن، يقول الكاتبان إن آخر استطلاع للرأي كشف أن 75% من الفلسطينيين يرون سلطة رام الله فاسدة، ويريدون رحيل عباس، ويضيف الكتاب أن عباسًا يتمتع بشعبية في تل أبيب وواشنطن، لا يتمتع بها في رام الله، أو غزة، أو القدس.

كما يتطرق الكتاب إلى حملات المخابرات والأجهزة الأمنية تحت رئاسة عباس لملاحقة النقابيين والصحافيين واعتقال المعارضين، وحتى المواطنين العاديين الناشطين في مواقع التواصل الاجتماعي، ويضيف أن عباسًا أرسل قوات فلسطينية للتدرب على يد «سي. آي. إيه» والمخابرات الأردنية لقمع تظاهرات العمال والمعلمين والمواطنين العاديين، التي خرجت ضده في نابلس، ورام الله، وطولكرم، ومخيم الأمعري ومخيم بلاطة في نابلس.

ويوضح الكتاب أن المخابرات الفلسطينية اعتقلت 365 نقابيًّا بالضفة خلال يومين عام 2014، وأنها عذبت بعضهم حتى الموت، ومنهم أحمد عز حلاوة، وضياء عرايشة، كما تكشف إحصائية نشرها «مركز الجزيرة للدراسات» مطلع العام الجاري، أن السلطة الفلسطينية قد سلّمت 160 مقاومًا فلسطينيًّا لسلطات الاحتلال خلال الفترة من 2009 وحتى 2011.

في عام 2013 اعترف الرئيس الفلسطيني في كلمة له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن السلطة الفلسطينية قدمت «تنازلات مؤلمة» في أوسلو، مؤكدًا أن الصورة تبدو محبطة وقاتمة بعد مرور 20 سنة على الاتفاقية، وبعد وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وبدء الإعلان عن مبادرته لحل القضية المعروفة بـ«صفقة القرن»، ارتفع سخط أبي مازن ضد ما تخطط له الإدارة الأمريكية، والذي تكشفت بعض ملامحه بنقل سفارتها للقدس، واعترافها بالجولان أرضًا إسرائيلية.

وصف عباس خطة ترامب بـ«صفعة القرن» كما قال إن إسرائيل قد أنهت اتفاقية أوسلو، وذلك قبل أن يعلن بنفسه في اجتماع طارئ للقيادة الفلسطينية في 25 يوليو (تموز) الجاري وقف العمل بكافة الاتفاقيات مع إسرائيل، في خطوة لم تتضح بعد ملامحها وتبعاتها.

ياسر عرفات.. عندما سقط غصن الزيتون والبندقية

يمكن القول إن ياسر عرفات هو الوجه الأبرز، لا لحركة «فتح» فحسب، وإنما للقضية الفلسطينية بشكل عام، وكان أبو عمار قد نشأ وتلقى تعليمه الجامعي في القاهرة، وبدأ حياته العسكرية مقاتلًا في صفوف الجيش المصري أثناء العدوان الثلاثي على مصر، ثم سافر للعمل بالكويت، وهناك بدأ هو وصديقه خليل الوزير، الشهير بأبي جهاد، تكوين الحركة التي أطلقا عليها «حركة تحرير فلسطين»، ثم أصبح الاسم اختصارًا «فتح»، وهي المنظمة التي حملت لواء المقاومة المسلحة في فلسطين منذ بداية الستينيات، وحتى تخليها عن ذلك الخيار باتفاقية أوسلو في التسعينيات، لتصبح سلطة سياسية ممثلة للفلسطينيين.

يطول تاريخ الكفاح المسلح لياسر عرفات ضد إسرائيل، بدءًا من قيادة قوات «منظمة التحرير» قبيل منتصف الستينيات التي شهدت انتصارات مجيدة للمقاومة الفلسطينية، مرورًا بقيادته للعمليات ضد إسرائيل من الأردن ثم لبنان بأسلوب حرب العصابات، وخلال تلك الفترة خطب عرفات أمام «الجمعية العامة للأمم المتحدة» في نوفمبر سنة 1974 قائلًا عبارته الشهيرة «جئت إليكم في يدي غصن الزيتون، وفي اليد الأخرى بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن من يدي».

Embed from Getty Images

ياسر عرفات

لكن البندقية ظلت هي الخيار في ذلك الوقت، وبقي أبو عمار مقيمًا في لبنان، وقائدًا للعمليات ضد الاحتلال، واستمر ذلك حتى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، حينما وصلت قوات الاحتلال إلى مشارف بيروت الغربية، وقد تمكنت قوات المقاومة الفلسطينية من صدها، ثم تدخلت وساطات عربية ودولية، وتم الاتفاق على أن تغادر المقاومة الفلسطينية لبنان، وكانت تونس هي المحطة التالية لعرفات، وفيها أسس مقرًّا لقيادة «منظمة التحرير».

نجا عرفات من محاولة اغتيال إسرائيلية استهدفته في تونس عام 1985، وشهد الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 من المنفى، فكانت دافعًا للعمل على «وثيقة الاستقلال» التي أشرف عليها محمود عباس، وتضمنت القبول بحل الدولتين وفقًا لحدود 4 يونيو 1967، وخرجت الوثيقة إلى النور في الدورة التاسعة عشرة لـ«لمجلس الوطني الفلسطيني» عام 1988، وفي أبريل (نيسان) 1989 كلف «المجلس المركزي الفلسطيني» أبا عمار برئاسة دولة فلسطين، ليبدأ مسارًا سياسيًّا تُوّج بالتوقيع على اتفاقية أوسلو 1993، وكانت الاتفاقية سببًا لحصوله على جائزة نوبل للسلام مناصفة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين عام 1994.

ولم يكم ما بعد أوسلو كما قبلها، فقد أصبح الحفاظ على كيان السلطة الوليدة هو الهاجس الأمني الأول لدى عرفات ورفاقه، وفي نوفمبر عام 1994 سقط 13 متظاهرًا فلسطينيًّا رافضين لاتفاقية أوسلو، وأصيب 200 على يد الشرطة الفلسطينية التي تكونت بفضل الاتفاقية، وتلقت الأجهزة الأمنية الفلسطينية تدريبات على الاستخبارات الأمريكية، وفي زيارته لغزة عام 1995 أثنى نائب الرئيس الأمريكي آل غور على عرفات؛ لقيامه بتشكيل محاكم عسكرية لمحاكمة معارضي أوسلو.

لم يستمر دور عرفات الرافض للمقاومة طويلًا؛ فمع مفاوضات كامب ديفيد التي رفض شروطها بالتنازل عن القدس وحق العودة، والتي اتهمته أمريكا وإسرائيل بإفشالها، عاد إلى فلسطين لتنطلق الانتفاضة الثانية التي دعمها، والتي سمح خلالها بعودة «فتح» للمقاومة المسلحة من خلال المجموعات التي صار اسمها لاحقا «كتائب شهداء الأقصى»، كما أمر قادة الأجهزة الأمنية بغض الطرف عن تسليح الفصائل الفلسطينية الأخرى.

وقد أراد عرفات العودة لخيار المقاومة «بشكل محدود»، وبهدف إجبار إسرائيل على القبول بإعطاء الفلسطينيين دولةً معقولةً عاصمتها القدس الشرقية، لكنه كان مخطئًا في تقديره، إذ تمردت «كتائب شهداء الأقصى» وخرجت عن سيطرته، ورفضت التهدئة في الأوقات التي احتاج فيها عرفات إلى ذلك لاستثمار الحدث سياسيًّا، مما منح مبررًا للإسرائيليين أمام المجتمع الدولي لحصاره في مقره برام الله لثلاث سنوات حتى سفره إلى باريس للعلاج، حيث توفي مسمومًا كما ترجح أغلب الروايات.

في ذكرى وفاته.. كيف «انقلب» ياسر عرفات على مسار التسوية وعاد للمقاومة المسلحة؟

أحمد قريع.. الرجل الذي لا يعرف الندم

يشرح المفكر جوزيف مسعد تأثير معاهدة أوسلو على تكوين المجتمع الفلسطيني قائلًا إن «المعاهدة أفرزت عدة طبقات مرتبطة بعملية السلام بشكل غير قابل للفصم، هذه الطبقات هي طبقة سياسية لتسيير السلطة يتكون معظمها من كوادر «منظمة التحرير»، وطبقة أمنية لقمع المقاومة الفلسطينية المناوئة لإسرائيل ولمعاهدة أوسلو، وطبقة بيروقراطية لإدارة السكان تحت حكم السلطة، وطبقة رجال الأعمال الذين عادوا من المنفى للتربح من عملية السلام، بالإضافة لرجال الأعمال الموجودين بالداخل، وكانوا يتربحون تحت الاحتلال، وأخيرًا طبقة موظفي المنظمات غير الحكومية التي أنشأها الأمريكيون والأوروبيون»، وفي ضوء ذلك التحليل يمكن اعتبار أن ياسر عرفات ينتمي للطبقة السياسية، بينما ينتمي محمد دحلان وجبريل الرجوب مثلًا للطبقة الأمنية، أما أحمد قريع فهو بالتأكيد ضمن الطبقة البيروقراطية.

برز دور أحمد قريع قبل أوسلو في الجانب الاقتصادي وليس السياسي، كان قد عمل في القطاع المصرفي بالسعودية لمدة 14 عامًا قبل انضمامه لحركة «فتح» في أواخر الستينيات ثم انتخابه عضوًا في لجنتها المركزية عام 1989، وفي بداية السبعينيات أسس قريع مؤسسة في بيروت لدعم أسر شهداء فلسطين، وتولى منصب محافظ فلسطين لدى «البنك الإسلامي للتنمية» منذ عام 1987 حتى 1996، كما كان أحد أبرز فريق التفاوض الفلسطيني في أوسلو، وترأس الوفد الفلسطيني في المفاوضات مع الإسرائيليين، التي أدت إلى التوقيع على «اتفاق باريس الاقتصادي» في باريس في 1994، ثم ترأس الفريق الفلسطيني في المفاوضات التي أدت إلى التوقيع على اتفاقية «أوسلو 2» عام 1995.

أصبح أحمد قريع في عام 1994 هو أول وزير للاقتصاد والتجارة والصناعة في السلطة الفلسطينية، وفي 2003 أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية أصبح ثاني رئيس وزراء فلسطيني بعد استقالة حكومة محمود عباس، واستمر في منصبه حتى بعد تولي عباس للرئاسة قبل مغادرة الحكومة في 2006، عندما فازت حماس بأغلبية المجلس التشريعي الفلسطيني مما منحها حق تشكيل الحكومة، قبل أن ترفض سلطة رام الله نتيجة الانتخابات وتنقلب عليها في 2007؛ لتنقسم الأراضي الفلسطينية ما بين فتح التي تدير الضفة الغربية، وحماس التي تدير غزة منذ ذلك الحين.

يتفق أحمد قريع مع الرأي القائل بأن اتفاقية أوسلو قد فشلت، لكنه يرى أن اللوم لا يقع على السلطة الفلسطينية، وإنما على إسرائيل التي يرى أنها «فعلت كل ما يمكن لتدمير اتفاق أوسلو، وفي الحقيقة لا يوجد سلام»، وبينما ترى ديانا بوتو، مستشارة وفد «منظمة التحرير» في مفاوضات أوسلو، أن المنظمة قد أخطأت بالذهاب للمفاوضات، مشيرة إلى أن إسرائيل كانت تقدم حوافز لمواطنيها لزيادة الاستيطان حتى بعد توقيع الاتفاقية، فإن قريعًا يعتقد أن توقيع المعاهدة لم يكن خطأً «ولم يكن هناك أي بديل لهذه الاتفاقية».

وهو يؤكد أنه لو عاد به الزمن إلى 1993 مرة أخرى فإنه سيوقع على الاتفاقية مرة أخرى «ولكن سأشدد جدًّا جدًّا جدًّا على الالتزام والتحكيم. نحن فشلنا في أوسلو بأن نضع التحكيم، رفضت إسرائيل، ونحن كنا مصرين، لكن القيادة قررت أنه لا ضير بالتوقيع على الاتفاق كما هو».

دليلك المبسط لفهم القضية الفلسطينية في 5 محطات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد