لعقود طويلة، مورست العنصرية الممنهجة ضد أصحاب البشرة السوداء – خاصة في أوروبا وأمريكا – باعتبارهم أقل شأنًا وذكاء من ذوي البشرة البيضاء. ويُعزي الكاتب الأمريكي نيل ماكماستر، في كتابه «العنصرية في أوروبا»، تنامي العلاقات بين الأوروبيين وأصحاب البشرة السوداء إلى نزوح الأفارقة بأعداد كبيرة من الساحل الغربي لإفريقيا نحو أوروبا في القرن الخامس عشر، أي حتى قبل بدايات تجارة الرقيق. وقد قوبل هؤلاء السود – منذ البدء – بتعليقات وآراء عنصرية تخص لون بشرتهم الذي ارتبط في أذهان الكثير من الأوروبيين بالليل الحالك والجحيم والشر المطلق.

ومع قدوم عصر الهجمات الاستعمارية للقارة السوداء بدأ عصر جديد من عصور العبودية في أوروبا حيث اتخذ المستعمرون البيض الرجال والنساء الذين اختطفوهم قسرًا من بلادهم؛ عبيدًا مملوكين لهم وعرضوهم للبيع والشراء، كما وُكلت إلى هؤلاء العبيد أشق الأعمال وأذاقهم سادتهم من البيض صنوف الذل والهوان.

ويُلاحظ أن تلك الفكرة العنصرية قد انتشرت في قلوب وعقول الأغلبية الكاثرة من الأوربيين والأمريكيين على حد سواء، وبالتالي فقد تأثرت كثير من الأعمال الأدبية والفنية التي أبدعها أدباء وفناني الغرب إبان تلك المرحلة وما يليها بتلك النظرة العنصرية، فنجد أن معظم اللوحات تمجد العنصرية أو تتعامل معها باعتبارها شيئا طبيعيا غير مستهجن و لا مكروه، ومن ذلك نجد في تلك اللوحات ميًلا كبيرًا لعرض صورة نمطية لأصحاب البشرة السوداء؛ فتلك اللوحات إما تصورهم في صورة التابع أو الخادم المخلص للرجل الأبيض أو في صورة شخص مهمش ذليل لا يرقى لمرتبة البشر.

ويستعرض هذا التقرير عددًا من اللوحات التي تكشف عن الوجه القبيح للعنصرية ضد أصحاب البشرة السوداء. وتعرض هذه اللوحات، التي رسمها عدد من الفنانين الأوروبيين والأمريكيين في فترات زمنية مختلفة، التاريخ الأسود للتمييز العنصري ضد السود في أوروبا وأمريكا.

1-  «ثلاث رجال وامرأة سوداء».. كريستيان كوينبيرج يفضح الاستغلال الجنسي للسود

في عام 1632 رسم الفنان الهولندي كريستيان فان كوينبيرج لوحته المعروفة باسم «ثلاث رجال وامرأة سوداء» أو «اغتصاب امرأة سوداء»، وهي لوحة تفضح الانتهاكات الجسدية الصارخة التي كانت تتم بحق النساء السود من قبل ملاكهن من الرجال البيض. وينتمي كوينبيرج إلى ما يعرف بالعصر الذهبي الهولندي، وهي فترة في التاريخ الهولندي امتدت طوال القرن السابع عشر تفوقت هولندا خلالها في مجالات شتى كالفن، والتجارة، والعلوم، والقوة العسكرية، وكذلك تجارة العبيد.

لوحة اغتصاب امرأة سوداء/ المصدر

تصور هذه اللوحة، التي تقع ضمن مقتنيات متحف الفنون الجميلة في ستراسبورج، ثلاثة رجال يحاولون الاعتداء على امرأة سوداء يكسو وجهها الفزع بينما تكسو وجوههم ابتسامة هازئة تعكس مدى انحطاطهم وقسوتهم. يمنع رجل عار جالس على السرير المرأة المذعورة من الهرب إذ تقبض كلتا يديه على جسدها بينما يقف قبالتها رجل قد تجرد من ملابسه، إلا من مئزر خفيف، وتعلو وجهه ابتسامة ساخرة موجهة إلى مشاهد اللوحة بينما يشير باصبعه إلى المرأة المذعورة؛  في حين تبدو على الثالث – الذي لم يتحرر من ملابسه بعد – الدهشة من مقاومة المرأة لمغتصبيها، ويبدو ذلك من طريقة رفعه ليديه في استغراب.

ويمنح التناقض الصارخ بين الانفعالات التي تبدو على وجه المرأة المذعورة والرجال الهازئين قسوة غير عادية لهذه اللوحة التي صُورت فيها المرأة السوداء كحيوان يلهو به أصحابه؛ فتبدو هذه اللوحة وكأنها مشهد حي يعكس سلسلة طويلة من مشاهد الاغتصاب للنساء السوداء في فن الغرب الأوروبي، وهي سلسلة امتدت من القرن الثاني عشر وحتى أواخر القرن السابع عشر.

وتشف هذه اللوحة عن روح عصرها إلى حد بعيد؛ فهي تعكس كيف كان يتم النظر إلى العبيد باعتبارهم وحوشًا يحق للرجل الأبيض استغلالهم وإذلالهم كيفما شاء. ولكن الغريب في الأمر أن كوينبيرج، الذي كان شماسًا في الكنيسة، لم يجد أي غضاضة من تصوير المرأة بهذا الشكل المهين في حين صور الرجال الثلاثة كأبطال بواسل يمثلون القوة والعنفوان والسيادة المطلقة.

سياسة

منذ 10 شهور
ليسوا غدارين ولا باعوا أرضهم.. ما لا تعرفه عن تاريخ «الشهامة» الفلسطينية
1546
عمر موسى

2 – «بورتريه لأمة سوداء» تكشف عن تاريخ العبودية في كندا

في عام 1786 أنهى الرسام الفرنسي – الكندي فرانسوا بوكور لوحة لأمة سوداء كان يملكها، لتكون هذه اللوحة بمثابة دليلًا دامغًا على تاريخ العبودية في كندا، والذي يتم تجاهله أحيانًا وإنكاره تمامًا في أحيان أخرى. وبذلك؛ فإن هذه اللوحة توفر فرصة لا مثيل لها لاستكشاف التاريخ الاستعماري والاستعبادي في كندا في القرن الثامن عشر، خصوصًا في مونتريال وكيبيك.

لوحة بورتريه  لأمة سوداء/ بورتريه لأمة من هايتي: المصدر

كسابقتها، تكشف هذه اللوحة عن الاستغلال الجنسي للسود في كندا في القرن الثامن عشر، ويبدو هذا جليًا من الطريقة التي صُور بها نهد المرأة مكشوفًا وبجانبه طبق من الفاكهة الاستوائية، في حين أنه كان من المستحيل أن تأخذ امرأة بيضاء مثل هذه الوضعية للتصوير في ذلك العصر.

إلى جانب الاستغلال الجنسي، تكشف هذه اللوحة عن مدى تحكم المالك الأبيض في جميع جوانب حياة عبيده ابتدءًا من كم الأعمال الموكلة إليهم و نظامهم الغذائي وحتى سلوكهم الجنسي. وبذلك؛ فإن نهد المرأة المكشوف في تلك اللوحة يشير أيضًا إلى خصوبتها وبالتالي علو قيمتها المادية. ومن ذلك المنطلق، مهدت هذه اللوحة لتلك الصورة النمطية للمرأة السوداء في الفن الغربي باعتبارها امرأة شهوانية مغوية، الأمر الذي اعتبر بعد ذلك ذريعة لتبرير هذا الكم الهائل من الاستغلال الجنسي للنساء السوداوات في أوروبا.

3- عبد أسود من أجل الوجاهة الاجتماعية.. «فتاة صغيرة وخادم أسود وكلب»

كان فن رسم البورتريه أحد أهم الأمور التي صورت شكل العلاقة بين العبيد وملاكهم في بريطانيا في القرن الثامن عشر، إذ ظهر العبيد في معظم بورتريهات النبلاء والإقطاعيين على الهامش لإضفاء نوع من الوجاهة الاجتماعية وللدلالة على مقدار ثروة الشخص موضوع البورتريه.

ويتجلى في هذه البورتريهات التناقض الصارخ بين أناقة وحسن هندام الرجل الأبيض ومدى الترف المنعكس على شكله والبؤس الواضح على هؤلاء العبيد الذين تم اختطافهم قسرًا من إفريقيا، ومنطقة البحر الكاريبي،  وأمريكا الشمالية وجلبهم إلى بريطانيا ليعملوا في خدمة الرجل الأبيض. وبالتالي؛ فإن هذه البورتريهات – على الرغم من أنها رُسمت من أجل التفاخر الشخصي بين هؤلاء السادة – قد ألقت الضوء، رغمًا عن مالكيها ورساميها، على حياة هؤلاء العبيد الذين دمرت الإمبريالية البريطانية حيواتهم وجردتهم من إنسانيتهم وسخرتهم ليقوموا بأشق الأعمال التي نهض الاقتصاد البريطاني بفضلها،  وصارت بسببها لندن واحدة من أهم حواضر العالم.

لوحة «فتاة صغيرة وخادم أسود  وكلب» المصدر

تُظهر هذه اللوحة، التي رسمها الرسام البريطاني بارثولوميو داندريدج في حوالي عام 1725، فتاة صغيرة في حوالي الثانية عشر من عمرها (ربما تكون ابنة لأحد ملاك العبيد الأغنياء) تقف في حديقة منزلها وبصحبتها كلب وعبد أسود يبدو في حوالي الخامسة عشرة من عمره، ويحمل سلة بها بعض الخوخ والعنب. ويرتدي كل من الخادم الأسود والكلب في هذه اللوحة طوقًا حول رقبته يحمل اسم مالكهما، الذي من المرجح أن يكون والد الفتاة لأنها لازالت في سن صغيرة ولا يمكنها قانونيًا اقتناء عبيد بعد.

للعنصرية دلالات عدة في هذه اللوحة؛ فهي تتجلى في نظرة الفتاة الباردة الموجهة نحو مشاهد اللوحة بينما ينظر العبد الأسود إليها بشغف وإعجاب بالغين وكأنها إحدى ربات الجمال، كما تتجلى أيضًا فكرة تفوق الرجل الأبيض على غيره من الأعراق – التي كانت مسيطرة على أوروبا كلها في ذلك الوقت – ففي هذه اللوحة تبدو الفتاة الصغيرة هي الأرفع منزلة والأعلى شأنًا يليها العبد الأسود والكلب في منزلة واحدة.

تاريخ وفلسفة

منذ 10 شهور
هكذا استخدمت أوروبا الإنجيل لتبرير احتقار الرجل الأسود
2157
إيثار جمال

4- «جامعو القطن».. العمل حتى الموت في مزارع أمريكا

تنقلنا لوحة «جامعو القطن» للرسام الأمريكي من أصل أيرلندي ويليام أيكن ووكر من أوروبا إلى أمريكا حيث استشرت العنصرية ضد السود الذين بنوا تلك الدولة جنبًا إلى جنب مع البيض، وكان جزاؤهم هو الاستبعاد والاستعباد والتعذيب والعمل في أشق الأعمال.

لوحة جامعو القطن/ المصدر

يُعد ويليام أيكن ووكر (1839-1921) أحد أبرز الرسامين الأمريكيين الذين وثقوا الظروف بالغة القسوة التي كان يعمل في ظلها العبيد في مزارع وحقول القطن في الجنوب الأمريكي، وهو يعد من أشهر الرسامين المتجولين الذين فُتنوا بالجنوب الأمريكي وصوروه بدقة بالغة. ومن غير المعلوم إن كان ووكر قد رسم هذه اللوحة، وغيرها الكثير من اللوحات، بغرض التعاطف مع العبيد أم بغرض توثيق الحياة اليومية العادية في الجنوب الأمريكي ليستفيد من بيع هذه اللوحات كهدايا تذكارية للسائحين.

في لوحة «جامعو القطن»، صور ووكر رجلًا وامرأة يعملان في جمع القطن وهما يرتديان ملابس رثة للغاية بينما تحمل المرأة على رأسها حمولة كبيرة من القطن في سلة من الخوص. وعلى الرغم من أنه هناك شبح ابتسامة على شفتي الرجل والمرأة – خصوصًا المرأة – في هذه اللوحة، إلا أن التعب والإرهاق الذي يبدو عليهما يطغى عليها.

ومع ذلك؛ فإن طريقة حمل المرأة لزهرة القطن في يدها والسلة على رأسها تعطي إيحاء بمدى ارتباطها بالأرض وبالمحصول الذي أنتجه عمل يدها هي وبني جنسها من العبيد السود في ذلك الوقت، مما يعطي إيحاءًا بأن هذه الأرض إنما هي ملك للجميع، السود والبيض على حد سواء، حتى وإن كان البيض قد وضعوا يدهم عليها تاركين من يعطونها الحياة ويرعونها حق رعايتها بهذا القدر من الوهن.

وسواء كان يقصد ووكر تصوير معاناة السود في المزارع ليلقي الضوء على مدى قسوة استعباد السود في الجنوب الأمريكي، أم أنه كان يقصد فقط توثيق الجنوب الأمريكي كما هو دون أن يكون له رأي واضح في هذه المسألة، تبقى لوحة جامعو القطن دليل إدانة للممارسات العنصرية التي كانت تتم بحق السود في أمريكا.

5- النساء السوداء كفئران تجارب .. لوحة روبرت ثوم «المفزعة»

في نيويورك، تحديدًا أمام أكاديمية نيويورك للطب، يقع نصب تذكاري ضخم من الرخام للجراح الأمريكي جيمس ماريون سيمز نظير مجهوداته المتفانية في مجال أمراض النساء! وليس هذا هو النصب الوحيد للدكتور سيمز، بل هناك إثنان آخران أحدهما في كلية الطب بولاية كارولينا الجنوبية والآخر أمام المستشفى الفرنسي بولاية ألاباما.

تحتفي أمريكا وتفتخر بالطبيب سيمز الذي عاش في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، والذي كرس مهنته لدراسة ومعالجة العديد من الأمراض النسائية التي كانت مستعصية وقتها. ولم تكتف أمريكا بتخليد اسم هذا الطبيب على النصب التذكارية فقط، بل إنها وضعت اسمه على العديد من المستشفيات، ومنها المستشفى التي استخدم فيها أدوات الجراحة المتقدمة وقتها، والتي اخترعها خصيصًا من أجل العمليات الجراحية التي كان يُجريها على النساء الأمريكيات من أصل إفريقي المستعبدات  رغمًا عنهن وبدون تخدير!.

وعلى الرغم من النصب التذكارية الثلاثة والاحتفاء الأكاديمي بالدكتور سيمز، استطاعت لوحة واحدة، طلب هو  شخصيًا من الرسام الأمريكي روبرت ثوم رسمها، فضح عنصرية وزيف ذلك الطبيب الذي كان يخفي وجهًا قبيحًا وراء قناع ملاك الرحمة الذي كان يرتديه.

لوحة تصور عملية جراحية من المزمع أن يُجريها الطبيب الأمريكي جيمس سيمز على إحدى النساء المستعبدات/ المصدر

تصور هذه اللوحة عملية جراحية من المزمع أن يُجريها الدكتور سيمز على إحدى النساء المستعبدات وتُدعى بيتسي. يقف الدكتور على مسافة ليست بالبعيدة من مريضته وإحدى ذراعيه مطوية بينما تحمل الأخرى منظارًا طبيًا بينما يحدق في المرأة الجاثية على ركبتيها أمامه بنظرة تفحصية باردة.

في الفناء الخلفي لمنزله، اعتاد سيمز على إجراء العمليات على النساء السوداء المستعبدات – اللواتي كن يأتين قسرًا برفقة ملاكهم – دون تخدير. ومن الممكن تخيل كل واحدة من النساء اللواتي أجرى عليهن سيمز تجاربه عديمة الرحمة في صورة بيتسي التي تجلس على طاولة صغيرة في استسلام وقد رفعت كلتا يديها فوق صدرها بينما يحدق فيها ثلاث أطباء، وفي الخلفية، يوجد ستار أبيض تطل من خلفه سيدتان مستعبدتان تتابعان ما يجري في فضول ويبدو على وجههن أمارات الخوف لأن دور إحداهن ربما يكون التالي.

هذه اللوحة، رغم أنها تعتبر أحد الأدلة الدامغة على عنصرية وقسوة هذا الطبيب، إلا أنها لا تُظهر سوى جانب بسيط فقط من حقيقة التجارب المؤلمة التي كان يُجريها هذا الطبيب على النساء دون تخدير لاعتقاده بأن السود إنما يشعرون بدرجة أقل من الألم الذي يشعر به البيض. في الحقيقة كانت العملية الجراحية عبارة عن صراع دموي بين سيمز ومعاونيه من الجراحين وبين النساء اللواتي لم يكن يقدرن على تحمل كل هذا الألم، وفي مقابل هذا الألم كان كل ما يستطيع سيمز فعله هو أمر أحد مساعديه بتقييدها وأحيانًا إحدى النساء المستعبدات إن ذهب هذا المساعد للتقيؤ بين الحين والآخر بسبب هذا المنظر الدموي.

قد نظن خطأ أن عصر هذه اللوحات وما تحمله من عنصرية وقسوة شديدة قد ولى، إلا أن العنصرية في الكثير من بلدان العالم لازالت قائمة تتخذ أشكالًا مختلفة، ويبقى الفن أحد أهم الأشياء التي تتصدى لها وتوثقها لكي تفضح مرتكبيها على مر الأزمنة.

سياسة

منذ 10 شهور
«لأنّك موريتاني».. حين يمارس العرب العنصرية ضد جيرانهم العرب!
2737
فريق العمل

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد