صار الإعلام يشكل الطريقة التي نرى بها الأشياء، مهما كنا نعرف الحقائق، فباستخدام الأدوات الساحرة من الكلمة والصورة يمكن صناعة قصص مؤثرة وتمريرها إلى العقول، ثم بناء أحكام وتصورات بناءً عليها.

في روايتها “فتاة غائبة” التي تحولت إلى فيلم يحمل نفس الاسم تحدثنا جيليان فلين عن تأثير الصورة، وكيف نجحت مذيعة تليفزيونية في تحويل نيك (بن أفليك) إلى متهم بقتل زوجته إيمي (روزاموند بايك)، لمجرد أنه قد التقطت صورة له وهو مبتسم خلال المؤتمر الصحفي الخاص بالإعلان عن اختفائها.

يقوم نيم باللجوء لتانر بولت (تايلر بيري)، وهو محامٍ متخصص في مثل هذه القضايا، والذي يخبره ببساطة أن موقفه من هذه القضية يتوقف على الطريقة التي ينظر بها الناس إليه، وعندما تعود إيمي في النهاية بعد تورطها في جريمة قتل (دبرت الأدلة لتظهر بصورة تجعلها في موقف الدفاع عن النفس) يضطر نيك إلى الصمت مرة أخرى كي لا يتهم بخيانة زوجته المخلصة التي خرجت للتو من تجربة مريرة.

الأمر أشبه بأطروحة عالم الاجتماع الفرنسي جان بودريار، التي يمتد خلالها على ما يصفه بتحلل المبدأ المؤسس للواقع، والذي يمكن بموجبه التمييز بين الصدق والكذب، والحقيقي والزائف، والأسطورة والحقيقة، لصالح عالم مصطنع تتلاشى فيه كل هذه الفروق، بحيث تصير كل فكرة ندافع عنها مشكوكًا في أمرها.

  • 1- هيمنة الصورة.. الكاميرا تكذب أحيانًا

لم تعد الصورة كما كان يعرفها الآباء بأنها مجرد انعكاس للواقع، بل صارت الصورة في حد ذاتها تؤسس وتؤصل للواقع، وتصنع التعاطف والنفور بشكل مستقل تمامًا عن أي شيء.


يمكن أن تكون الصورة مصنعة بشكل كامل، والقصة مختلقة بالكلية، في عام 2003، قامت صحيفة لوس أنجلوس تايمز بفصل أحد أعضاء طاقم التصوير الخاص بها ويدعى برايان والسكي، بعد أن قام بنشر صورة مفبركة زعم أنه التقطها في العراق، وتظهر الصورة جنديًّا بريطانيًّا يقوم بحماية مجموعة من المدنيين العراقيين، الصورة الدرامية تم تجميعها من صورتين مختلفتين، وتم نشرها يوم 31 مارس من نفس العام على الصفحة الرئيسية للتايمز، وورلد تريبيون، وعدد آخر من الصحف العالمية.

وحتى لو لم تكن الصورة ملفقة ( بالمعنى المباشر للتلفيق)، فحقيقة أن الكاميرا لا تكذب أبدًا، وأن كل صورة تصلح كوثيقة لتوثيق حدث ما، بما ينبني على ذلك من مشاعر وأفكار وتصورات تتجاهل بشكل كبير أن الصورة في غالب الأمر هي عبارة عن اختيار، للزمان وللمكان وللحظة، وحتى لزاوية التصوير وما تشمله وما تخرجه (عن عمد) من كادر الصورة، الصورة لا تعكس القصة كاملة، بقدر ما تستخدم غالبًا في صناعة قصة جديدة مختلفًا كليًّا، تحمل مشاعر وأحكام وتحيزات مختلفة.

يمكننا أن نصور مشهدًا حقيقيًّا تمًامًا لشخص ما، يلبس ملابس مقطعة، لا يكف عن الصراخ، ينهال ضربًا بالعصا على شخص آخر مهندم يرتدي ملابس أنيقة، القصة التي تصنعها الصورة ترتبط بأحكام على كلا الشخصين ليس بالضرورة أن تكون حقيقية، هذه اللحظة مجرد لحظة انتقائية، لا تكفي لإصدار الحكم على أيهما مخطئ وأيهما مصيب، فضلًا عن أنها لا تصلح لإصدار أحكام أخلاقية أو اجتماعية ناجزة عن أي منهما.

2- التركيز على التفاصيل

كم مرة ضبط أحد منا نفسه متلبسًا بالتعاطف مع قاتل محترف أثناء مشاهدته أحد أفلام السينما؟ كيف يجعلك الإعلام تتعاطف مع القاتل وتتغاضى عن كل جرائمه دون أن تستشعر أي حرج أخلاقي؟

الجواب ببساطة وفي جملة واحدة، الانتقائية في إظهار التفاصيل، حين يصير القاتل بطلًا للحكاية فإنك تعيش معه كل تفاصيل حياته، ظروفه الصعبة، الضغوط التي دفعته للقتل، تلك التفاصيل الحانية في حياته، واللمسات الدافئة مع زوجته، والأحضان والابتسامات الحانية مع أطفاله، في حين تظهر لك الضحايا مجرد عداد أرقام في خلفية حياة البطل، ببساطة فإن الصورة لا تعبأ لهم كثيرًا، ولا ينالون حظهم من تلك التفاصيل الدقيقة التي تصنع التعاطف.

بل إن العكس قد يكون صحيحًا، قد يظهر لك الإعلام قسوة الضحية مع زوجته أو مع زملائه، بحيث يفقدك أي تعاطف معه، مع أن أيًّا من هذه المبررات لا تصلح لتبرير القتل، إلا أن هذه العلاقات لا تصنع بشكل واعٍ، نحن نفاجأ بأنفسنا ونحن نشجع القاتل.

التفاصيل التي يتم انتخابها تصنع الفارق تصنع كل شيء، يمكننا أن نسلط الضوء على الضحية وكرمه ورحمته، ومعاناة أسرته من بعده، وهو أمر كفيل أن يفقدك أي تعاطف مع القاتل، قد نسلط الضوء على مثالب الضحية، نسعى لشيطنته من كل وجه، حتى يصير قتله أمرًا عاديًّا لا يستحق أي وقفة.

3- القصة ليست كاملة

لأن الصورة لا تحكي القصة من البداية فإنها سوف تكون قادرة دومًا على التلاعب بمشاعرنا.

على سبيل المثال، يمكنك صناعة قصة صحفية حول صورة لامرأة إسرائيلية تعيش في فزع هي وأطفالها بسبب الصواريخ التي يتم إطلاقها على المستوطنات، لكن الصورة ببساطة لا تحكي لك عن ما الذي دفع الطرف الآخر إلى إطلاق هذه الصواريخ، كما تتغافل من الأساس أن هذه المرأة تقطن وأطفالها على أنقاض عائلة تم قتلها أو تهجيرها تشمل نساءً وأطفالًا.

الصورة أيضًا لا تحكي الحكاية كاملة في أغلب الأحيان، لكنها تترك فراغات يتم ملؤها عبر التحليلات والتخمينات، إضافة إلى ذلك فإن للحكاية بداية دائمًا، الصورة حكاية مستقلة قد تكون متصلة مع الحكاية الرئيسية، وقد لا تكون، القتيل ليس دومًا ضحية تستحق التعاطف، أحكام الصورة تبسيطية ومجتزأة، وخلقت لتصنع سياقًا بعينه، قد يكون هدفه الأوحد أن يأخذ بعقلك بعيدًا عن الحكاية الأصلية.

4- التنميط والاختزال

هل يمكن أن يختزل شخص أو فئة من البشر في صورة ما؟ يطلق على هذه العملية التنميط (stereotyping)، وهي عملية تنفذها ببراعة أجهزة الإعلام في الدول الفاشية للتحكم في عواطف الجماهير، يتم تقسيم الجماهير إلى أنماط أو فئات معينة، يرتبط بكل نمط عدد من الخصائص والأحكام، المطلقة وغير القابلة للتغيير سواء تصرفوا وفقًا لهذا النمط أم لا، في ألمانيا النازية كان هناك الجنس السامي، والأجناس الدنيا، هذه الأجناس مجردة من كل حقوقها برضا المجتمع، وهي مستحقة لأي عقوبة تقع عليها بما في ذلك القتل.

التنميط قد يستخدم كقالب إيجابي أو سلبي، إيجابي كمثل حالة (كل اليابانيين عباقرة)، ومنشؤه من تعميم صورة العبقري الياباني على كل اليابانيين، أو أن (جميع الأفارقة يجيدون كرة السلة)، مصدره من كون عدد من أمهر لاعبي كرة السلة هم من ذوي الأصول الأفريقية، قد يجعل مثل هذا النمط فرصة أفريقي قليل المهارة للاختبار بأحد فرق كرة السلة مرتفعة، فقط لأن النمط يعطيه حظوظًا أفضل.

على النقيض قد يكون النمط سلبيًّا مثل (كل الناس في الشرق الأوسط يكرهون الإسلام)، أو (كل الرجال البيض عنصريون)، ومنشؤه تعميم صور العنصرية على كل البيض، ومثله وصم الملتحين أو المسلمين بالإرهاب، عبر تعميم صورة اختزالية لشخص واحد عبر كل المسلمين، سواء أكانوا يتشاركون معه هذا النمط أو لا.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد