يعد الجنس من أقدم الأعمال والمهن في العالم، وقد شهدت آخر 25 سنة بالتحديد تغيرًا في مدى قبول المواد الجنسية الصريحة خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت الأفلام الجنسية منتجًا شائعًا في المنازل والفنادق والمحلات في الشوارع الجانبية؛ وينفق عليها الأمريكيون مثلاً أكثر مما ينفقونه على حضور المباريات وشراء أسطوانات الموسيقى ومشاهدة الأفلام.

وتعد الأفلام الجنسية التي تضم أعراقًا مختلفة ومحددة هي الأكثر شعبية اليوم، ويمكن لأي متابع لهذه الأفلام لمس حس التركيز على التفرقة بين الأعراق في هذه الأفلام، فالنساء ذوات البشرة البيضاء ينبهرن بعملية الانتصاب لدى الرجل الأسود، وعلى العكس تظهر المرأة السوداء منبهرة وسعيدة بعضلات الرجل الأبيض، وتنتشر أيضًا أفلام النساء الآسيويات بالتركيز على أن ملامحهن وأجسادهن صغيرة، وكذلك تظهر البرازيليات بوصفهن دائمًا أصحاب مؤخرات ضخمة.

«الأسود هو الوحش».. التاريخ يلقي بظلاله على الواقع

دومًا ما تواجه الأفلام الجنسية اتهامًا بترويجها للأفكار العنصرية العنيفة ضد المرأة، حتى ظهر في السنوات الأخيرة نوع من الأفلام الجنسية يصفه البعض «الإباحية النسوية» بعد عدد من المطالبات باحترام المرأة في هذه الأفلام وعدم قولبتها ومعاملتها بعنف، ما يشير إلى تضاؤل الفوارق بين الجنسين، والاهتمام بمسائل مثل التمييز، ولكن ذلك لم يمس التمييز العرقي العنصري حتى الآن؛ إذ يرى بعض الرجال أن اغتصاب الرجل الأبيض للمرأة السوداء في تلك الأفلام تعبير عن التفوق العنصري وحق الأبيض في نزع ملكية النساء من الرجل الأسود.

مثل هذه الصور -برأي البعض- ليست سوى قصاصات تم تجميعها في الخيال الجنسي لصانع الفيلم وليس في خيال المشاهد، ولكن هل تكمن العنصرية فقط في ظهور الرجل الأسود بقضيب ضخم؟ وهل سيكون هناك عنصرية إذا ظهر رجل أسود بقضيب صغير فتخيب آمال البطلة؟ يبدو أن الأمر أكبر من ذلك.

Embed from Getty Images

تشير بعض المصادر إلى أن الأفلام الجنسية العنصرية تأثرت بالتاريخ الأمريكي، وخَلَق هذا التأثر صورة جنسية نمطية عن العرق الأفريقي، قولبها وأنتجها وسوقها الرجل الأمريكي الأبيض. إذ ظهرت فكرة أن الشر أسود والخير أبيض، قبل عصور سحيقة، في الحضارة اليونانية القديمة، وتجلت هذه الفكرة في اعتبار الرجل الأبيض دائمًا البطل أما الأسود فهو الوحش المخيف، حتى انتشرت الفكرة في الأساطير والقصص الغربية، وأن الآلهة البيضاء هدف لرغبات الوحوش السوداء، ويظهر الرجل الأبيض قمة ذكوريته وتفوقه أخلاقيًا بمحاربة الرجل الأسود صاحب الشهوة الحيوانية ليخلص النساء ذوات البشرة البيضاء من شره. ومن بعد ذلك استمرت هذه الأفكار وظهرت بوضوح عندما تقابل أصحاب اللونين في العصر الحديث بأمريكا.

على نفس المنوال، جاءت الفكرة المبتكرة بأن الرجل الأسود مغتصِب دومًا ويفترس النساء ذوات البشرة البيضاء، وذلك من أجل تبرير إعدام الرجال السود -في فترة لم يعاقب فيها أي رجل أبيض على اغتصاب النساء ذوات البشرة السوداء بين عامي 1900 و1950-.

وعلى الناحية الأخرى، فمع الصور النمطية التي انتشرت في هذه الفترة مع العبودية والحرمان الاجتماعي؛ نتج عن ذلك تعرض المرأة السوداء للاستغلال الجنسي من السود والبيض؛ ما تسبب في انخفاض قيمتها في نظر المجتمع، وهي الرؤية المستمرة حتى اليوم، إذ تعامل المرأة السوداء على أنها «متوحشة جنسيًا»، و«فاسدة أخلاقيًا»، وكيان جنسي مشاع يتم استغلاله من أي ذكر يمر بدون شرح وتفسير.

قوالب نمطية في «صناعة وطنية»

اعترفت نجمة الأفلام الجنسية أورورا سنو في حديثها إلى صحيفة «ديلي بيست» بأحد المحظورات التي ما زالت موجودة فيما تقدمه، فقالت أنه في حين توجد بعض السلوكيات الجنسية مرفوضة عند البعض، يوجد أفراد مرفوضين عند البعض أيضًا. وتقصد سنو هنا رفض بعض ممثلات الأفلام الجنسية ممارسة الجنس أمام الكاميرا مع رجل أسود، وذلك في وقت تعد العائلات متعددة الأعراق من بين الأكثر نموًا في أمريكا، وفي وقت تعد فيه صناعة الأفلام الجنسية، صناعة وطنية تبلغ قيمتها 10 مليار دولار حسب قولها.

وفي دراسة لقسم علم النفس بجامعة ولاية كاليفورنيا، لتحليل محتوى الأفلام الجنسية على أساس العنصرية والتمييز على أساس اللون (أسود/ أبيض) في 45 فيلمًا، تم ترميز الشخصيات في الأفلام بالاعتماد على مقاييس عالية من العدوان الجنسي واللفظي والتلميح بانعدام التساوي والتلميح العنصري في إطار حميمي؛ ظهرت القوالب النمطية أيضًا وتم التعبير عنها بطريقة مختلفة عن طريق ممارسة الجنس، فعلى سبيل المثال تتعرض المرأة السوداء لأعمال عنف وعدوان أكثر من المرأة البيضاء، كما يظهر الرجل الأسود سلوكيات أقل حميمية من الرجل الأبيض، فهو في أغلب الأحيان مغتصب وعنيف، كما يظهر في تلك الأفلام.

Embed from Getty Images

خلال الدراسة والتحليل وجد الباحثون في أكثر من نصف العدد الكلي للمشاهد الجنسية أن المرأة السوداء قد تعرضت للعنف الجسدي في 23% من المشاهد، علاوة على مشاهد أخرى أجبرت فيها على ممارسة الجنس بنسبة 14% حتى استجابت بالنهاية، وظهرت هيمنة الرجل عليها في 78% من المشاهد، والاستغلال بنسبة 82%، والاغتصاب في 51% من إجمالي عدد الأفلام والمشاهد الجنسية.

لا تمارسي الجنس مع رجل أسود.. «ستتسخين»

يبدو أن العلاقة الوحيدة التي ما زالت محظورة لدى الكثير من العاملين في الأفلام الجنسية هي ممارسة الرجل الأسود للجنس مع امرأة بيضاء. وذلك على العكس من ممارسة الرجال البيض للجنس مع النساء ذوات البشرة السوداء، والذي يحظى بشعبية كبيرة بين الأفلام رغم بعض الشواهد التاريخية على ذلك الأمر أيضًا.

وقد يعتقد الكثيرون أنه من غير المنطقي أن تتقبل أسرة فتاة تعمل في الأفلام الجنسية عمل ابنتها ببساطة، لكنها إن تقبلت ذلك، فإنها ترفض ممارسة ابنتها للجنس أمام الكاميرا مع رجل أسود؛ إذ لا يزال راسخًا في الثقافة الأمريكية أن المرأة البيضاء إذا مارست الجنس مع رجل ذو بشرة سوداء سـ«تتسخ»، وهي الفكرة التي لا يؤمن بها القائمون على صناعة الأفلام الجنسية، لكن تؤمن بها الكثير من الممثلات ذوات البشرة البيضاء وعائلاتهن.

Embed from Getty Images

من بين ممثلي الأفلام الجنسية، يعد ليكسينغتون ستيل أنجح الرجال السود في تاريخ المجال، وهو الممثل الوحيد الذي فاز بجائزة «AVN» لأفلام الكبار السنوية ثلاث مرات من بين كل زملائه من مختلف الأعراق. رغم ذلك عانى ستيل من رفض بعض الممثلات ذوات البشرة البيضاء لممارسة الجنس معه أمام الكاميرا، وصرح بأن هذا الرفض أصيل في نسيج الصناعة وليس جديدًا عليها، وهو انعكاس لما يدور في أروقة الإدارة وانطباعاتها، كذلك يجدر الإشارة هنا إلى أن العديد من الممثلات ليس لديهن مشكلة في الظهور مع رجل أسود، ولكنها مشكلة مديراتهن أو أصدقائهن أو أزواجهن أو أقاربهن، أي أن هذه الفكرة بمثابة خط أحمر لا يزال يصعب على المجتمع تجاوزه.

جنسانية

منذ سنتين
الدور المجهول لصناعة «البورنو» في تغذية أفكار اليمين المتطرف  
11340
زهراء مجدي

النساء ذوات البشرة السوداء هدفًا للعنصرية الجنسية والعرقية

لسنوات طويلة ماضية حازت الأفلام التي تقدم جنسًا بين الرجل الأبيض والمرأة السوداء شعبية بين الأجيال، واشتهرت على أثرها هيذر هانتر وآنجل كيلي، اللتان ظهرتا في أفلام مع رجال ذوي بشرة بيضاء بإخراج وإنتاج لرجال ذوي بشرة بيضاء. لكن هذا لا يعني عدم وجود عنصرية في الأمر، بل على العكس تمامًا؛ ففي حال رفض امرأة سوداء ممارسة الجنس مع رجل أبيض، يتم وضعها فورًا في القائمة السوداء، وسيرفض المخرجون والمنتجون العمل معها لأنهم من البيض في الأساس، بل وسيعتبرونها عنصرية ويوصمونها في مجال عملها.

Embed from Getty Images

وينطوي العنف في الأفلام الجنسية ضد المرأة السوداء على الاستخدام العلني للقوة وإلحاق الألم أو التهديد، وغالبًا ما يتم تصويرها على أنها تستمتع بالاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي. كما أن هناك معايير مزدوجة تظهر عند صناع الأفلام الجنسية، وعند تحديد رواتب الممثلين والممثلات؛ ففي حين يتم دفع رواتب مماثلة للرجال من أعراق مختلفة؛ فإن النساء ذوات البشرة السوداء يتقاضين أجورًا أقل من النساء ذوات البشرة البيضاء بغض النظر عن حجم الفيلم أو الأداء، مع العلم أن الأخيرات يتقاضين بالفعل نصف ما يتقاضاه زملاؤهم الرجال عن نفس الفيلم، وهي المشكلة التي تواجه نجمات هوليوود ذوات البشرة السوداء أنفسهن.

يجب أن تكوني سعيدة بالأجر الذي تتقاضينه لكونك امرأة سوداء *ممثلة أفلام جنسية تذكر نصيحة وكيل أعمالها في بداية عملها

لا يتم الإعلان بوضوح، في مجال صناعة الأفلام الجنسية، عن هذه الفوارق العنصرية في الأجور والمعاملة، رغم أن هذه الأفكار موجودة ومتأصلة. تحصل النساء من أصول أفريقية على نصف أو ثلاثة أرباع ما تتقاضاه النساء ذوات البشرة البيضاء، ففي أمريكا تتقاضى المرأة السوداء حوالي 64% من راتب قرينتها ذات البشرة البيضاء عن نفس الفيلم. وهنا تقول ميريل ميلر يونغ، أستاذ الدراسات النسوية في جامعة كاليفورنيا: «في حين أن إنتاج الأفلام الجنسية يتلاعب بالممثلات ذوات البشرة السوداء ويحرمهن من الفحوصات الصحية مثل قريناتهن، إلا أن الإنتاج يتمسك بهن لأنهن أداة ثمينة في صناعته، إذ أنهن في الغالب يتقاضون أجورًا منخفضة جدًا، رغم قدراتهن العالية وشعبيتهن».

من بدأ هذه العنصرية: مديرو الإنتاج أم الأمريكيون أنفسهم؟

يبدو أنه من الصعب تحديد مدى انتشار وتأثير هذه النوعية من الأفلام الجنسية، ولكن من الواضح أنها ستظل استراتيجية تسويقية شائعة ومستخدمة في ترسيخ قالب نمطي مربح، والجميع سيظل يسعى لذلك، فالأفلام الجنسية مجرد عمل تجاري وليس تثقيفيًّا أو معرفيًّا في النهاية، والعديد من جوانب المجتمعات تكافئ البنيات العنصرية، ويمكن هنا النظر لرد ميكي موود، وهو منتج يعتبره الكثير مروجًا للأفكار العنصرية، عندما قال: «هل لدى الأفلام الجنسية أزمة مع الأعراق لأن أمريكا لديها أزمة مع الأعراق؟ أم أننا نضخم الأشياء ونصورها من دون أساس لها في الواقع؟».

Embed from Getty Images

تقوم مواقع عرض الأفلام الجنسية بتقسيم محتواها إلى عناوين تضم صفة ما تحويه مثل «جنس أسود»، «آسيوي»، «أفريقي»، «مراهقين»، ما يجعل الأمر أسوأ؛ فقد أصبحت هذه الصور النمطية جزءًا قياسيًا لتحقيق المشاهدة على المواقع. وتقول جيز لي، نجمة الأفلام الجنسية، والناشطة النسوية، ومديرة التسويق لشركة إنتاج «كوير آند وايت برودكشنز» أن «العديد من المواقع المجانية تصنف الأفلام بتصنيفات غير مناسبة ورجعية، وعادة دون موافقة شركة الإنتاج».

جنسانية

منذ 9 شهور
يعبث في أعماق الدماغ.. كيف يحول «البورنو» متابعيه إلى مدمنين؟
4449
عبدالرحمن أبو الفتوح

المصادر

تحميل المزيد