أمام كُلِّ فردٍ في هذهِ الدُنيا تحديان رئيسان مَعنيَّان بالحقيقةِ والمُستقبل، بدونهما يفقِدُ المرء إنسانيّتهُ وتُصبح حياتهُ بلا معنى: الأول أن يُدرك ما يريده، والثاني أن يَكسر القيود المعنوية التي تُكبّلهُ، ومن ثَمَّ ينطلق في طريق تحقيق أحلامه.

ولا تتحقق الأحلام إلا بالخروج من مناطق راحتنا الآمنة لبحارٍ طالما خشينا الولوج فيها، واكتفينا بالنظر إلى زرقتها وجمالها من على الشاطئ.

مهمٌ أن تؤمن بنفسك، أن تُفكّر بنفسك، أن تخلق فلسفتك الخاصة، ألا تفعل شيئًا دون سبب أو لأن الآخرين يفعلونه، ولتَنظُر لكل شيء يحدثُ لكَ في الحياةِ على أنَّه إنجازٌ يُضاف في سجلّك، أو درسٌ مُهمٌ سيدرأ عنك النائبات في المُستقبل.

من هُنا كان حرصي على تعريب تجربة ثرية لشاب عادي – كأيّ منا- في الجانب الآخر من العالم بعد أن نشرها على مدونته وذاع صيتها. قد تختلف مع بعض أطروحاته وتتفق مع بعضها، لكنها تبقى تجربة تستحق التأمل.

 

أخيرًا وصلتني الرسالة النصيَّة على هاتفي:

“غدًا في الخامسة صباحًا، الرحلة رقم 610 المُتجهة من روما إلى نيويورك”.

في أُمسيات الآحاد عادةً ما كانت تأتيني رسالة نصيَّة على هاتفي “البلاكبيري” لتُحدد وجهتي طيلة الأسبوع، والعميل الذي سأُنجِز له المهام.

كنتُ أعمل لواحدة من أكبر ثلاث شركات عالميَّة متخصصة في تقديم الاستشارات الاستراتيجيَّة.

حياة مُعبأة في حقيبة، حياة تفتقد فيها كل شخص وتفوِّت فيها كل شيء إلا جداول البيانات، حياة عمليَّة برَّاقة دُرِّبنا لنكون عبيدًا مثاليين لها في أعلى المؤسسات التعليميَّة التي نفخر بحمل شهاداتها.

بعد ساعات قليلة من النوم، أوصلني السائق الخاص إلى مطار روما حيث تبدأ رحلتي الفارهة على درجة رجال الأعمال إلى مدينة نيويورك. وفور بلوغ وجهتي، كنتُ أُسَجِّل وصولي في أحد الفنادق الفخمة ذات الخمس نجوم، ومِن ثَمَّ أتوجَّهُ إلى مكتب عَميلي.

المُرَتَّب؟ كان خياليًّا أيضًا. لقد كانت الشركة فخورة بأنها بين الشركات الأكثر دفعًا للأجور في مجالها.

 

الوالدان

بالرغم من ذلك، كان هناك شيء خاطئ في حياة الاستشارات هذه. لم أعد أحتمل هذا الهُراء أكثر مِن ذلك، وفي أحد الأيَّام هاتفتُ والديّ:

“أبي، أمّي، لقد تركتُ وظيفتي للتوّ. أريد أن أبدأ مشروعي الخاص”.

كانت أمّي على وشك الإصابة بنوبة قلبيَّة. لم يكن هذا أوَّل ما تود سماعه أمٌّ تنشِدُ الكَمَال بعد أن شجَّعتني على التخرُّج مِن واحدةٍ مِن أفضل كُليَّات إدارة الأعمال، وبأعلى التقديرات.

حاولتُ أن أُهدئ من روعها، لكن لا أمل.

“أمّي، أنا أكره هذه الوظيفة. كل هؤلاء المُستشارين يدَّعونَ بأنَّهُم سُعداء وهُم يتعاطون حبوبًا للسعادة. لا أنام إلا ثلاث أو أربع ساعات كل يوم. كُل هذه الامتيازات التي وَعَدَتْ بها الشركة غير موجودة. أتذكرين الفندق الفخم ذا الخمس نجوم؟ أنا أعمل لعشرين ساعة تقريبًا كل يوم ولا أستمتِعُ به حتَّى. الإفطار الفاخر؟ ليس لدينا وقت له. الغداء الفاخر، العَشَاء؟ إنه مجرَّد شطيرة نتناولها أمام جداول البيانات على حواسيبنا.

آه، بالمناسبة، بدلاً من أن أستمتع بالشامبانيا، أظل أحدّق في ملفات عملي طوال رحلتي الفارهة على درجة رجال الأعمال.

المُرَتَّب الخيالي؟ ليس لديَّ الوقت أبدًا لأُنفق سنتًا واحدًا منه.

أُمّي، أنا أكره حياتي، إنها حياة جديرة بفاشل. إنني حتَّى لا أرى صديقتي. لا أستطيع مواصلة الادعاء أكثر من ذلك. أريدُ أن أبدأ عملي الخاص”.

لقد تقاعد والديَّ بعد سنوات طويلة من روتين العمل بين التاسعة صباحًا والخامسة مساءً في وظائفهم الحكوميَّة الآمنة والمُمِلَّة.

أنا أعلم أن كوني من أسرة ليس لديها خلفيَّة عن ريادة الأعمال سيجعل مُهمَّتي في شرح موقفي إليهم صعبة، لكني لم أتوقع المكالمة في الصباح التالي. لقد كانت أُمّي على الهاتف:

“إذًا، كيف يجري عملك الخاص؟ هل ينمو؟”.

مهما كان الذي قلته، لم أستطع أن أشرح لها أن أي عمل يحتاج لأكثر من يوم واحد لينمو.

 

صديقتي- أصدقائي- ودائرتي الاجتماعية

كَوني لديّ صديقة هي الأكثر دعمًا لي على الإطلاق، كان الوقت مناسبًا الآن لأُخبر أصدقائي الذين كانوا مشغولين بتسلُّق السُلَّم الوظيفي البرَّاق في عالم الشركات المُغوي.

أخبرتُ الجميع أنني تركت وظيفتي للتوّ كي أتبع حلمي بتأسيس مشروعي الخاص الجديد. توقَّف بعض أصدقائي تدريجيًّا عن رؤيتي، لأنهم ظنُّوا – على الأرجح – أن هناك خَطْبٌ ما بي، فقد كانت الوظيفة “المرموقة” الثانية التي أتركها في فترة زمنيَّة وجيزة.

وبالرغم من أن بقيَّة أصدقائي كانوا داعمين لي، لم يزل هناك شيء خاطيء في علاقتي بهم.

أدركتُ سريعًا أنني بدأت أنسحب بعيدًا عن اللقاءات الاجتماعيَّة.

في كل مرة أتقابل فيها مع هؤلاء الأصدقاء، لم يكن لدي الكثير لأطلعهم عليه ردًّا على أسئلتهم المتكررة، مثل:

“إذًا كيف هو مشروعك؟ ستصبح زوكربرغ القادم، صحيح؟ نحن فخورون بك يا رَجُل وستحصل قريبًا على قدر ضخم من الاستثمارات”.

بدء مشروعي الخاص كان رحلة طويلة، وكنت أضع نفسي تحت ضغط كبير فيها، لأني كنت ألتفت لما يقوله أو يظنه الناس.

يومًا من بعد يوم، كنت أزداد وِحْدةً وإحباطًا مع تجنُّبي للمناسبات الاجتماعية. لم يكن مشروعي يتطوَّر بالسرعة التي تخيَّلها أفراد دائرتي الاجتماعية، وكنت قد سَئِمتُ إخبار الناس أن مشاريع مثل “فيسبوك” و “تويتر” قد استغرقت سنوات لتصل إلى ما هي عليه الآن.

المكان الوحيد المُريح بالنسبة لي كان إلى جوار أصدقائي القليلين من روَّاد الأعمال. هذا صحيح، لا يفهم رائد الأعمال إلا رائد أعمال مثله.

 

المال، المال، المال

وكأن الضغط المُجتمعي والوِحْدَة لم يكونا كافيين، كنت أُقابل أُمّ كُل الضغوطات؛ فقد كانت تنفد نقودي أسرعُ بكثيرٍ مما تخيَّلت.

كان هذا الأمر يقضي على إنتاجيَّتي وقُدرتي على اتخاذ القرارات الصائبة. كنت مُرتعبًا ومُتعجّلًا النجاح وكسب المال.

حتى أنني في أحد الأيام وجدتُ نفسي أطلب من صديقتي بعض السنتات لأني لم أملك المالَ لأشتري زُجاجة مياه. لم أكن أعلم أنها مُجرَّد البداية لحياةٍ صعبةٍ وملأى بلحظات الصعود والهبوط.

 

اليوم

كفانا دراما، فقد مرَّ أكثر من سنتين على هذه الأيام.

أنا الآن أكتب هذه التدوينة من مُنتجع جميل في “فوكيت”- “تايلاند”، بينما أستمتع بمشروب “الموهيتو”.


 

انتظر، أنا لا أبيعُ حلمًا.

لا، لم أصبح مليونيرًا أسس مشروعه الخاص. مع هذا، فعملي يدرُّ سيلاً ثابتًا من المال يُمَكّنُني من السفر حول العالم، والعمل من أي مكان به “واي فاي”.

لكن هناك – بالرغم من ذلك– خمسة أشياء أتمنى لو سألتها لنفسي قبل بدء هذه الرحلة المؤلمة. خمس أسئلة أؤمن أن على كل رائد أعمال جديد أن يسألها لنفسه قبل أن يبدأ خطوته الأولى:

 

 

هل أنت مستعد لضغط المجتمع؟

إذا كان لديك أهل أو أصدقاء من غير رواد الأعمال، فلن يفهموا – على الأرجح– ما تحاول الوصول إليه، وسيصبح الضغط العام عليك أعلى.

لقد اهتممتُ كثيرًا بما يظنُّه الناس عنّي، كثيرًا لدرجة دمرت حياتي.

كنتُ قاسيًا جدًّا على نفسي، وعاقبتها بالمزيد من العمل كي يمكنني الإعلان عن نجاحي في أقرب وقت ممكن. حتى أتى ذلك اليوم الذي أدركتُ فيه أن الناس لا يهتمون لأمري حقًّا، فلماذا أهتم؟

أنت لست أكثر من ثوانٍ معدودة من الاهتمام يمنحها الناس لحالة على “فيسبوك”. في 2014 لا أحد يملك الوقت ليهتم بأمر الآخرين في عالَم مزدحم وصاخب كهذا.

إذا كنت تهتم كثيرًا برأي الآخرين، سوف تضيّع وقتك في محاولة إثبات أنك ناجح بدلاً من أن تركز على مشروعك.

احصل لنفسك على حياة.. فلقد حصلتُ عليها متأخرًا كثيرًا.

هل أنت أعزب أو لديك شريك حياة يدعمك بشكل قوي؟

بينما نتقدم في العمر، نُشاركُ حياتنا مع نصفنا الآخر أكثر مما نُشاركها مع الأهل أو الأصدقاء. فبينما كنتُ محظوظًا لأني أملكُ فتاةً رائعة، أحزنني أن أرى العديد من أصدقائي رواد الأعمال وقد انتهت علاقاتهم العاطفية.

من الصعب إنشاء عملك الخاص، أصعب بكثير مما تخيَّلتُ يومًا. دائمًا عقلك مشغول بملايين الأشياء التي تجري داخله ولا يعلم بشأنها أحد، حتى شريكة حياتك.

إذا لم تكن أعزبًا، تأكد أن شريكتك تستوعب أنه من الطبيعي جدًّا في بعض الأحيان ألا يصبح ذهنك صافيًا ولو لقُبلة بسيطة.

هل لديك ما يكفي من المال لتستمر عامًا على الأقل؟

جيد، الآن ضاعف هذا المبلغ لثلاث مرات على الأقل؛ لأن المال سينفد من مدخراتك أسرع كثيرًا مما تخيلت. وعلى طول الطريق ستجد الكثير من التكاليف غير المتوقعة؛ أجور محاسبين، أجور محامين، استبدال هاتف أو حاسوب.. إلخ.

عليك أن تكون مستعدًا لشقَّة أصغر، لكميَّات أقل من الطعام، لعدّ “سنتات” لم تهتم بشأنها يومًا ما في حياتك.

الشهور الأخيرة قبل أن ينفد مالك تمامًا ستكون صعبةً بشكلٍ خاص، وسيزداد الضغط أضعافًا مضاعفة لدرجة لن تمكنك من النوم بشكل صحيح.

سيأتي النجاحُ بطيئًا، وستحترقُ الأموال سريعًا، فكُن ذكيًّا وخطط جيدًا منذ اليوم الأول.

 

هل أنت مستعد لتنام عدد قليل من الساعات يوميًّا؟

بعد أن هربت من عالم الشركات، كنت أظن أنني – أخيرًا – سأحيا الحلم وأعمل متى أردت العمل، حتى قرأت هذه المقولة للوري جرينير: “رواد الأعمال على استعداد للعمل 80 ساعة أسبوعيًّا لتجنُّب العمل 40 ساعة أسبوعيًّا” (الأولى تعني ساعات العمل على مشاريعهم الخاصة، والثانية تعني ساعات العمل في أي وظيفة).

بدأ الأمر بالاستيقاظ قليلاً في منتصف الليل، كان السبب هو أنني كنت متحمسًا جدًّا لأفكاري، وكان لدي الكثير منها. ببساطة لم أستطع الانتظار حتى الصباح لأبدأ العمل مجددًا.

ثُم أتَى طَورُ المُبالَغَة، كنتُ أعمل أكثر مما يجب لأني لم أكن أكتفي أبدًا من العمل على أفكاري، ودائمًا ما كنتُ أريد بذل المزيد. لكن كلما عملت بجهد أكبر وذهبت للنوم متأخرًا، كلما أصبح نومي أكثر صعوبةً وأقل جودة.

ونتيجة لذلك، كانت إنتاجيَّتي تُقارب الصفر في يومين أو ثلاثة – على الأقل– كل أسبوع.

لا تنخدع بالصور، ولا بأخبار المليونيرات من رواد الأعمال، ولا بأحجام التمويل الظاهرة على الشاشات.

القصص وراء الكواليس ملأى بالعديد من الأيام الأليمة، والليالي التي لا يطرقُ فيها النوم أبواب الجفون، وشيء من الرفض، وكثير من الإخفاقات.

الرحلة إلى النجاح طويلة، طويلة جدًّا، وفي بعض الأحيان أطول مما ينبغي.

 

ما هو تعريفك للنجاح؟

لكل منا قائمة أولويات مختلفة. عند معظم الناس، المال هو الأولوية الأولى على القائمة، بينما التوازن بين العمل والحياة يحتل مرتبة أعلى عند البعض. وبالتبعية، يتباين مفهوم الناس عن النجاح.

وباختلاف تعريفك للنجاح، تختلف صعوبة رحلتك كرائد أعمال. إذا كان المال والنجاح العام – بمعناه الظاهري– هما أكثر ما يعني إليك، فعلى الأرجح ستمضي أوقاتًا عصيبة طوال رحلتك.

تذكَّر هذه الكلمات الحكيمة لإرنست هيمنغواي: “بالنسبة إليّ، من الجيّد أن تصل لنهاية رحلة، لكن الرحلة نفسها هي ما يهم، في النهاية”.

رواد الأعمال الناجحون ليسوا بالضرورة الذين يجمعون الملايين للاستثمار. لا تنسَ، أمثال هؤلاء واحد من كل مليون.

مع ذلك، هناك الآلاف من الحالمين الذين يمهّدون جيدًا لمشاريعهم ويطوِّعون الظروف لإنجاحها، لكن حتى هؤلاء لا يصلون إلى الصفحات الأولى في أخبار المال والأعمال.

لا يهم كيف تقلب الرحلة حياتك رأسًا على عقب، ولا مدى صعوبتها، استمتع بها واستمر في ملاحقة شغفك. وكما قال توني غاسكين: “إذا لم تبنِ حلمك، سيوظفك أحدهم لتساعد في بناء حلمه”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد