موسم الدراما الرمضانية هو الأبرز والأكثر شهرة وأهمية من قبل النجوم وصناع الدراما بشكل عام، حتى مع امتداد العروض الدرامية طوال أيام السنة، لم يفقد هذا الموسم بريقه ولا أهميته، وظل الصراع على المشاركة فيه محتدمًا ومشتعلاً ومحل سباق من الجميع لكونه -وببساطة- يمنح الرابح من نجومة ونجماته شهادة ميلاد فنية تختصر سنوات طويلة في مشوارهم الفني.

وإذا كانت المواسم السابقة قد شهدت ميلاد نجوم عديدة نجحوا في كتابة شهادة ميلادهم الفنية خلال الشهر الفضيل وعبر أعمال كانت ولا تزال تعيش في وجداننا وذاكرتنا، فإن الموسم الدرامي الحالي 2018 جاء تقريبًا خاليًا من أي مواهب جديدة، بتعبير أدق لم تفلح أي أسماء جديدة في لفت الأنظار، فهل المستوى الضعيف الذي ظهرت عليه الأعمال الدرامية المعروضة هذا الموسم هي السبب في عدم ميلاد مواهب جديدة؟ أم أن المسأله ليست إلا صدفة؟

في السطور القادمة نستعرض أهم المواهب التي كتبت شهادة ميلادها الفنية عبر مواسم الدراما الرمضانية.

شهادة ميلاد لنجوم جدد

يرى البعض أن كثافة المشاهدة التي يتميز بها هذا الموسم وراء ما يحققه بعض النجوم من نجاحات خصوصًا في تجاربهم الأولى، فيما يرى البعض الآخر أن المسألة تعود إلى أن هناك دومًا موهبة ما تتحين الفرصة للظهور، ووفقًا للعديد من الآراء النقدية فإن السيناريو الجيد هو الفيصل أو بالأحرى الشرط الأول والأهم الذي يساعد أي موهبة على تحقيق النجاح إضافة شروط أخرى مثل وجود مخرج لديه رؤيته وفريق عمل متناغم وإنتاج واعٍ وأشياء أخرى كثيرة تحكم العملية الفنية في «سنة أولى دراما».

من بين هؤلاء وربما في مقدمتهم الفنانة إسعاد يونس التي خاضت تجربتها التمثيلية الأولى من خلال مسلسل «حكاية ميزو» الذي عرض عام 1977، وذلك بعد سنوات من عملها مذيعة  في الإذاعة المصرية. «حكاية ميزو» كان من بطولة الفنان سمير غانم، وعدد آخر من النجوم حققوا جميعًا نجاحًا كبيرًا، من بينهم الفنانة فردوس عبد الحميد التي عرفها الجمهور من خلال دور نفيسة الذي قدمته في هذا العمل، وعلى الرغم من تواجدها على الساحة عبر تجارب قليلة لكن يبقى دورها في «حكاية ميزو» هو شهادة ميلادها الحقيقية وفقًا لاعترافها، كذلك الفنان سامي فهمي أو سلطان الذي اعتزل التمثيل مبكرًا رغم ما حققه من نجاحات في أعماله التالية.

الأعمال الجيدة إذن كانت وستظل مفتاح النجاح للعديد من النجوم، بل إن بعضهم وبما لديه من موهبة وقدرة على تدقيق الاختيار سينجحون بعد ذلك في تثبيت أقدامهم على الساحة في خطواتهم التالية مثل الفنان أحمد مكي الذي كان ظهوره الأول من خلال مسلسل «تامر وشوقية» عبر شخصية هيثم دبور والتي استغلها لاحقًا في فيلم منفصل قبل أن يواصل مشواره الفني الناجح.

نفس المسلسل كتب أيضًا شهادة ميلاد الفنانة مي كساب باعتبارها ممثلة بعد نجاحات نسبية حققتها باعتبارها مطربةً، لتواصل بعدها مشوارها في التمثيل، كذلك الفنان نضال الشافعي هو الآخر قدم أوراق اعتماده ممثلًا من خلال هذا العمل الذي شهد أيضًا الإطلالة الأولى للفنانة إنجي وجدان والتي دخلت التمثيل من بوابة عملها كـ«مونتيرة» .

تميز العمل الفني كان سببًا في تألق عدد كبير من النجوم كما أشرنا سلفًا، ومن بينهم الفنانة شيرين عادل والتي كانت نقطة انطلاقها أو شهادة ميلادها الفنية عبر شخصية «ماجدولين» في مسلسل «المرسي والبحار» للمخرج أحمد صقر، صحيح أنه قد سبقته أعمال أخرى سواء مسلسلات أو أفلام مثل «أصحاب ولا بيزنس» أو «حمادة يلعب» إلا أن هذه الأدوار لم تقدمها للساحة بذات البريق كما فعل دورها في «المرسى والبحار». الملاحظ أن شيرين نجحت في تثبيت أقدامها على الساحة عبر أعمالها التالية مثل دورها في مسلسل «الملك فاروق» في دور الملكة ناريمان كذلك دورها في فيلم «حسن ومرقص» وأعمالها التالية.

نور الشريف.. صانع الملوك ومكتشف المواهب

يعتبر البعض الراحل نور الشريف واحدًا من أهم مكتشفي المواهب في الوسط الفني، فعبر أكثر من عمل درامي حرص على إسناد أدوار هامة لعدد من المواهب الواعدة معظمها يتصدر المشهد الفني الآن، ما يفسر لماذا حرص معظمهم على حمل جثمانه لمثواه الأخير، أو مطالبة الجماهير بالدعاء له في ذكراه السنوية كما فعلت الفنانة آيتن عامر أو رضوى الدالي التي كانت قد كتبت شهادة ميلادها الفنية بتوقيع الراحل نور الشريف حينما قدمها في مسلسل «حضرة المتهم أبي» في العام 2006.

وفي حوارات عديدة تعترف عامر بأن الراحل هو «وش السعد» عليها، وأن مسلسل «حضرة المتهم أبي» هو بدايتها الحقيقية رغم إنه ليس أولى تجاربها في التمثيل، حيث كانت قد شاركت قبله في مسلسل «ملح الأرض» من بطولة الفنان محمد صبحي.

الراحل نور الشريف كان بالنسبة لنجوم «الدالي» من الشباب بمثابة المعلم الذي تألقت مواهبهم من خلاله وفى مقدمتهم الفنان عمرو يوسف، الذي كان الراحل قد قدمه مع كوكبة من النجوم الشابه خلال هذا العمل، قبلها كان الجمهور يعرف يوسف كإعلامي فقط، قبل أن يلفت النظر لموهبته كممثل والتي أكدها في تجارب تالية. أجزاء «الدالي» قدمت لنا أيضًا الفنان حسن الرداد الذي كانت له مشاركة وحيدة وصغيرة في فيلم «خيانة مشروعة» للمخرج خالد يوسف، لينطلق بعدها الرداد في أعماله التالية.

على نفس الدرب كانت أيضًا خطوات كل من الفنان أحمد رزق وأحمد زاهر وحلا شيحة الذين أطلقت مواهبهم على يد نور الشريف خلال مسلسل «الرجل الآخر» الذي عرض عام 1999 للمخرج مجدى أبو عميرة. وإذا كان رزق وزاهر قد واصلا الطريق بخطوات ثابتة ومتأنية إلى حد ما، فإن الفنانة حلا شيحة فضلت الاعتزال رغم كل ما حققته من نجاحات تالية.

أيضا مسلسل «عائلة الحاج متولي» الذي عرض في موسم 2001 هو الآخر انطلقت من خلاله أكثر من موهبة، صحيح أن بعضها كانت له مشاركات سابقة لكنها لم تكن قد منحت أصحابها النجومية والتألق الذي حلموا به كما فعل «الحاج متولي»، ومن بين هؤلاء الفنان مصطفى شعبان أو سعيد، الذي يعترف هو الآخر بأن دوره  في هذا العمل نقطة تحول في مشواره الفني رغم كل ما قدمه من أعمال سبقته.

الفنانة رانيا يوسف أو فاطمة في «عائلة الحاج متولي» هى الأخرى صرحت بأنها حققت قدرًا كبيرًا من النجومية عبر مشاركتها في هذا العمل، ما دفعها لأن تعترف بأن الراحل نور الشريف لم يكن فقط «وش السعد عليها» ولكن على الناس كلها. مونيا أو ألفت الزوجة الرابعة للحاج متولي، كان نجاحها في هذا العمل أقرب لـ«البرق» الذي سرعان ما خفت ، إذ لم تتمكن في أعمالها التالية من تحقيق القدر نفسه من النجاح.

مثال مونيا ينطبق كذلك على الفنان الشاب أحمد جلال عبد القوي، فهو الآخر لم يتمكن من استثمار النجاح الذي حققه في مسلسل «حضرة المتهم أبي» والذي كان من تأليف والده، إذ جاءت مشاركاته التالية ضعيفة أو بالأحرى غير لافتة، ما يشير لدور «الوساطة» التي لا تضمن لصاحبها نجاحات متتالية ما لم تكن هناك وبالأساس موهبة واضحة .

على العكس تمامًا الفنانة دنيا سمير غانم التي أطلت لأول مرة من خلال مسلسل «للعدالة وجوه كثيرة» للمخرج محمد فاضل ومن بطولة النجم يحيى الفخراني وبمشاركة والدتها دلال عبد العزيز، إلا أن موهبة دنيا الحاضرة بوضوح أهلتها لمواصلة مشوارها الفنى بعيدًا عن «الدعم العائلي».

النجاح ليس مجرد «ضربة الحظ»

الإجابة عن هذا السؤال يمكن تلمسها عبر بعض الحالات مثل الفنان مدحت إسماعيل الذي عرفته الجماهير قبل سنوات باسم «مدحت تيخا» حينما حقق نجاحًا غير مسبوق عبر إطلالته الأولى من خلال دور الشيخ سلام في مسلسل «شيخ العرب همام»، والذي عرض في موسم 2010 وكان من إخراج حسني صالح، لكنه لم يتمكن من استثمار نجاحه في خطواته التالية، بل اقتصر على مشاركات ضعيفة كما في أفلام «جدو نحنوح» ، «دعدوش» و«عمارة رشدي» أو حضور غير مؤثر كما في مسلسل «هربانه منها» الذي عرض في الموسم الماضي ولم يستطع من خلاله استعادة مكانته.

أيضًا الفنان محمد الكيلانى أو نبيل في «ونوس» الذي عرض في موسم 2016 وكان من إخراج شادي الفخراني، هو الآخر حقق نجاحًا لفت الأنظار لموهبته التمثيلية والغنائية أيضًا لكنه لم يتمكن في خطواته التالية من حصد النجاح نفسه.

كذلك السورية سلاف معمار التي برعت في دور زينب في مسلسل «الخواجة عبد القادر» مع النجم يحيى الفخراني ومن إخراج محمود كريم لم تتواجد  في أي أعمال درامية مصرية لاحقة على الرغم من نجاحها  في هذا العمل، ورغم أنها نجمة سورية معروفة، سبق لها المشاركة في العديد من الأعمال ببلدها، ونالت عن بعضها جوائز أيضًا.

العثرات كانت أيضًا من نصيب الفنانة الشابة جميلة عوض والتي حققت عام 2015 نجاحًا مدويًا من خلال دور هانيا في مسلسل «تحت السيطرة» للمخرج تامر مرسي، إلا أن جميلة والتي تنتمي لأسرة فنية (جدها الكوميديان الراحل محمد عوض، ووالدها المخرج عادل عوض ووالدتها الفنانة راندا) لم تنجح في استثمار نجاحها كما توقع البعض، وشاركت بتجارب سحبت من رصيدها الفنى حتى تمكنت من استعادة جزء من مكانتها المفقودة خلال فيلم «هيبتا» ثم مسلسل «لا تطفئ الشمس» الذي عرض في رمضان الموسم الماضي.

النجاح قد يكون صعبًا لكن الحفاظ عليه أصعب، ومن بين المواهب التي تألقت في المواسم الأخيرة الفنانة الشابة أسماء أبو اليزيد أو تقى التي خاضت أولى تجاربها في مسلسل «هذا المساء» للمخرج تامر مرسي، ونجحت عبر الشخصية التي جسدتها في لفت الأنظار بقوة لموهبتها، وفي موسم 2018 نجحت أسماء في تأكيد حضورها وموهبتها عبر مشاركتها في مسلسل «ليالي أوجيني» للمخرج هاني خليفة، أيضًا الفنان خالد أنور أو تريكة الذي تألق عبر دوره في مسلسل «هذا المساء» ، هو الآخر تألق هذا الموسم في مسلسلات « عوالم خفية» مع الزعيم عادل إمام، و«أبو عمر المصري» مع الفنان أحمد عز.

القائمة تشمل أسماء أخرى نجحت في إحراز النجاح من «أول طلة» ، ثم حافظت على نجاحها في خطواتها التالية منهم على سبيل المثال لا الحصر الفنان محمد ممدوح، الذي كتب شهادة ميلاده الفنية من خلال دوره  في مسلسل «طريقي» أولى بطولات المطربة شيرين الدرامية، ثم حقق نجاحًا مبهرًا من خلال دوره في مسلسل «جراند أوتيل» مع الفنان عمرو يوسف (الذي تألق هو الآخر خلال هذا العمل) ، ليواصل تألقه الموسم الماضي من خلال دوره في «لا تطفىء الشمس».

حتمًا ممدوح ليس الحالة الوحيدة، وهناك بالفعل نجوم عديدة نجحوا في صياغة مشواره مع النجومية بدأب وتأن وقدرة على الاختيار الدقيق، وفي المقابل نجوم فشلوا في خطواتهم التالية ومن ثم تراجعوا خطوات للوراء كما أشرنا سلفًا.

هل الموهبة وحدها تكفي؟

المؤلف العالمى «جون سي ماكسويل» أوضح في كتابه «الموهبة وحدها لا تكفي» أنه لا يمكن الاعتماد على الموهبة وحدها لمواصلة التقدم، ضاربًا المثل بمواهب كثيرة تفوقوا في بداية مشوارهم على منافسيهم بفضل مواهبهم، لكنهم فقدوا هذه الميزة مع مرور الوقت لاعتمادهم على الموهبة فقط من دون تطويرها في الوقت الذي عكف فيه المنافسون على تطوير ذاتهم.

يشير هذا لأهمية صقل الموهبة بين الحين والآخر عبر «كورسات» متخصصة، كما اعترفت سلفًا الفنانة منى زكي خلال تكريمها على هامش فعاليات مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة بأن الممثل مثل آلة الموسيقى لا بد من تلميعها باستمرار حتى تعطيك صوتًا رائعًا، مشيرة لأن الممثل لا بد أن يلتزم بكورسات التمثيل حتى يبقى لامعًا وقادرًا على العطاء طيلة فترة عطائه الفني.

وهو نفس ما أكده الناقد طارق الشناوي في أحد مقالاته بعنوان «الموهبة وتاريخ انتهاء الصلاحية» مشيرًا إلى أن أي موهبة لها عمر افتراضي، وأن هناك عوامل كثيرة تتدخل لزيادة مساحات العطاء أو لتقليص هذا الزمن، ناصحًا النجوم في نهاية مقاله بضرورة شحن طاقاتهم الإبداعية كذلك التأني في الاختيارات بما يضيف لرصيدها ولا يسحب منه.

الشناوي في مقالات أخرى يشير لأهمية النص الجيد والمخرج الذي يمتلك أدواته بوصفها إحدى أهم الوسائل لتحقيق النجاح خصوصًا في ظل «كثافة المشاهدة» التي يتمتع بها الشهر الفضيل.