أميرٌ يُشاهد على شاشة تلفازه الضخمة في قصره المُرفّه مشهدَ جَرّ القذافي وسحبه من أنبوب صرف صحيّ ليُقتل على يَد جموعٍ من «الغوغاء» من الشَعب. أميرٌ آخر يتوسّط مجلسه، والجمعُ يضجُّ بخبر مقتل رجلٍ حكم اليمن لأكثر من 30 عامًا، علي عبد الله صالح تتلاعب بجثته أيدي أفراد من ميليشيات الحوثيّ في اليمن.

بدأ كل شيء مع اشتعال الربيع العربي في 2011، ويبدو الآن أن نظر هؤلاء الأمراء، أو ربما خوفهم مما قد يقعُ بهم، كان أبعدَ أثرًا من حماس الميدان والثوار يوم ثورتهم. في هذا التقرير نستعرضُ قصةَ مجلسٍ مُضاد للثورات، أسّسه أميرٌ حاكَ خارطة أوروبا حتى قيل عنه أنّه خَيّالها الذي يقودها، مجلسٌ حطّم الثورات الأوروبية واحدةً تلو الأخرى، وانتهى نهايةً غير متوقعة.

المحرقة.. ثمن الثورة

شوارع باريس هذه الأيام تغصُّ بالمُحتجّين، بعضهم يساريون عاديّون، ومنهم متطرفون، وكثير منهم فقراء، وعاديّون من أبناء «الطبقة العادية»، وأحيانًا يظهر بينهم قليلٌ من رجال الدين، وبعض المُتأنقين من الطبقة الأولى، الأرستقراطية والنبيلة، التي يسمح فقط لأبنائها بالتجوّل وسيوفهم تنسدل من خصورهم. إنها أيام المجد لفرنسا! الثورة الفرنسية تتسعُ يومًا بعدَ يوم، والقصور الملكية في العاصمة وحولها مُحاصرة بالجموع الغاضبة من الرجال والنساء.

انتهت أيام الثورة الأولى بانطلاق عصرِ الخوف، المرحلة الثانية من الثورة الفرنسيّة كانت حين حكم فرنسا اليعاقبة، أو «الجاكوبيون» من اليسار المتطرّف، وأنزلوا الأحكام بالقتل على من «خانوا» الثورة والبلاد، وعلى رأسهم لويس السادس عشر، أُعدم الملك عامَ 1793، وفي هذه المرحلة قُتل ما بين 40 إلى 50 ألفًا.

مشهد تمثيليّ لإعدام ملك فرنسا، لويس السادس عشر، عام 1793.

تمرُّ الأحداث ببطء ثقيل على أوروبا هذه الأعوام، فبعدَ عصر الخوف صعدَ نابليون شيئًا فشيئًا للحكم، حتى حوّل فرنسا الثائرة من جمهورية إلى إمبراطورية يلبسُ تاجها، وأبى إلا أن يلوّن أوروبا بلونه: إنها فترة الحروب النابليونية. كان لفرنسا أوّل جيشٍ وطنيّ نظاميّ فيه خدمة إلزامية للذكور، ما وفَّر لنابليون مصادرَ بشرية هائلة، سخّرها في اجتياحات واسعة لأوروبا: إيطاليا، وهولندا، والسويد، وإسبانيا وغيرها، ووضع في كل مكان احتله حكومةً ملكية تابعةً له. كلَّفت هذه الحروب خسائر بشرية هائلة لكلّ الأطراف، وأكثر من ذلك: هزّت أوروبا وإمبراطورياتها القديمة: النمسا أولًا، وروسيا التي أكلت جيشه عندما حاول اجتياحها بـ600 ألف مُقاتل، فلم يعد منهم إلا 10 آلاف.

لم يكن لنابليون أن يحقق أيًا من هذا لولا وقوع الثورة الفرنسيّة، وما تلاها من أحداث انتهت بتزعّمه لأوروبا، ناشرًا فيها قيمَ الثورة الفرنسية بالقوّة، التي قال شارل تاليران، أحد أهمّ ساسة فرنسا، عنها: إنّ «مَن عاش بعدها – الثورة الفرنسية – لا يمكن أن يعرف مذاق حياة هادئة وحُلوة».

ترنّح الملوك

لا بدَ أن خيال ملوك أوروبا آنذاك هيّأ لهم صورةً دمويّة: وهم يعيشون نهايةً مأساوية كنهاية لويس السادس عشر. في هذا الظرف الدمويّ، وُلد كليمنس فون مترنيش، بطلُ قصتنا، وابن القصور الملكيّة.

والده مُمثل لعائلة هايزبرغ الملكيّة عملَ دبلوماسيًا في خدمتها لسنوات طويلة، وأمّه من نبلاء الإمبراطوريّة. وبالمثل تزوّج مترنيش ابنة الأمير فينزل أنتون، المستشار السابق للإمبراطوريّة ووزير خارجيّتها، ذات المناصب، الأوسع نفوذًا في الإمبراطوريّة سيستحوذ عليها مترنيش في السنوات التاليّة.
مَلَكيّ وابن أسرة أميريّة تعيش في ظلّ أسرة ملكية، هذا هو مترنيش. ابن طبقةٍ أرستقراطية يصفها كيسنجر بأنّها «تُبرر نفسها لا بالحقائق، بل بمجرّد وجودها»، ابن الطبقة التي لا وجودَ لها في ظلّ أعلام الثورة. وجود الثورة يعني سحقها، وكلفةُ بقاء هذه الطبقة هي الحرب على الثورة.

كليمنس فون مترنيش، الأمير النمساويّ ومستشار الإمبراطوريّة

بدأ مترنيش عمله متدربًا تحت يد والده في الدبلوماسيّة، ثمَّ نُقل لباريس عام 1805 سفيرًا بطلب من نابليون الذي ظن أنّه مُحبٌ لفرنسا، فمتيرنش يتحدث الفرنسيّة بطلاقة ويُفضّلها على الألمانية، لغة إمبراطوريته. ومع وصوله كانت اجتياحات نابليون في تقدّم، حتى وقعت أكبر معركة بين النمسا وفرنسا، عامَ 1809، وفيها احتلّ نابليون العاصمة، فيينا. وفي ذلكَ العام عُيّن مترنيش وزيرًا لخارجية النمسا، في ظرف من أذلّ الظروف التي عاصرتها الإمبراطوريّة، وكلّ ذلك، في نظر مترنيش، بسبب الثورة الفرنسيّة.

قصة باريس.. كيف تحولت مستوطنة على نهر السين إلى «مدينة النور»؟

كيف يفكرُ سياسيّ يكره الثورات؟

يُصرّ مترنيش على أنه ليسَ «محافظًا رومانسيًا» اعتباطًا. درسَ مترنيش على يد نيكلاس فوت، صاحب نظرية «نظام التوازن»، إحدى أعقد دراسات السياسة الدوليّة. تدعو النظرية، باختصار، لخلق توازنٍ دائمٍ ومستمر في القارّة الأوروبية، ولتنظيم علاقات دولها، قانونيًا، في إطار نظامٍ سياسيّ أوروبيّ. واتخَذ مترنيش تحقيقَ هذا التوازن في أوروبا مهمةً أساسيّة لمهنته كدبلوماسيّ وسياسيّ، يُرشد مُساعديه الدبلوماسيين إلى هدفه: إقامة توازن بين القوى الأوروبيّة «مَبني على أسس عادلة ودائمة» كما يقول.

وقد بنى سياسته المُحافظة هذه على ثلاثة مبادئ: الاستقلال السياسيّ لأي حكومة قائمة ومُعترف بها قانونيًا (لا شرعية إلا للحكومات القائمة)، وحريّتها للتصرّف بشؤونها الداخليّة وبعلاقاتها مع الدول الأخرى، والحفاظ على الاتفاقيات القائمة، إلا أن تُعدّلها الأطراف المُتعاقدة، وإقرار القوى بهذه المبادئ لتأكيد علاقات سلميّة بين البلدان تحمي السلام الداخليّ (ضدّ كل ما يزعزع الأمن الداخلي من ثورات أو انتفاضات شعبية) فيها وتحمي مصالحها.

جموع ثورية تُحاصر سجن الباستيل، أحد رموز الملكيّة في باريس، إبّان الثورة الفرنسيّة عامَ 1789

ولتحقيق هذه المبادئ سعى مترنيش لتحطيم أيّ قوّة يمكن أن تهزّ الحياة السياسية في أوروبا، وبنى قنوات تواصل فعّالة بين القوى الأوروبية تقومُ على الدبلوماسية، بدلًا عن الحلول العسكريّة والحروب، هذه النظرة السياسيّة في ذلك الوقت تعني تقدمًا هائلًا: فقادة أوروبا في الفترة الماضيّة كانوا ميّالين لتصفية النزاعات بالحرب مباشرةً. ولكن المفارقة الحقيقية تكمنُ في محاولة مترنيش لترسيخ الدبلوماسيّة من خلال القوّة العسكريّة. فحلّه الدائم والأوحد للثورات والانتفاضات الشعبية هو القمع.

ظلَّ مترنيش مسكونًا برائحة الحرب وتجاهلَ براعم الخطر الصاعدة في أوروبا، وفي إمبراطوريته متعدّدة الإثنيات: الأفكار القوميّة. كان هذا الوقت وقت صعود الحركات القوميّة السريّة المُطالبة بالاستقلال، وبحقّ تقرير المصير. ولم يُتح مترنيش مُتسعًا لها في نظامه الجديد، لا جهلًا منه بخطورتها، فهو لم يتوانَ عن تصفيتها بالمرّة، ولكن بسبب ازدرائه لها.

كان حلّه فعالًا على المستوى التكتيكي، ولكن يحملُ في داخله بذورَ فشله على المدى البعيد؛ فالجنود الذين يُرسلون لقمع الانتفاضات «تتسرّب» إليهم الأفكار الثورية، وسرعان ما يعود أبناء كل أرض لسابق مطالبهم بالتحرر بعدَ انسحاب قوات الإمبراطورية.

عَنَت الثورات لأمير كمترنيش الدمَ والقتل، وربما يُوصف مترنيش بعدوٍ للثورة، ولكنه، كما يحاول كيسنجر أن يوضّح، وكما يقول آخرون، مُعادٍ للعنف الذي ينتجُ عن الثورة، ومُعادٍ لآثارها المُدمّرة التي شهدها في أوّل سنوات شبابه وتفتّحه على العالم. وأخطر من ذلك بالنسبة له، أنّ الثورات تُصدّر وتنتشر من مكان لآخر، وثورةً تلو ثورة يُزَعْزَع استقرار القارّة.

التحالف المقدّس

مع مرور الوقت تقدّمت قوات نابليون حتى اجتاحت عموم أوروبا، باستثناء جزئها الشرقيّ: روسيا، التي كانت حليفةً له حتّى تحمّس نابليون بدعمه لتأسيس دوقية وارسو، غربيّ روسيا، ما اعتبره القيصر ألكسندر الأول تهديدًا مباشرًا لأمن إمبراطوريته، وتفاقمت الأحداث حتى عام 1812 مُستفزةً نابليون ليُعلن الحرب على روسيا، ويجهّز أكبر جيوش أوروبا، بـ600 ألف مقاتل سرعان ما تلاشوا في برد روسيا وشتائها الذي جاء لحسن حظ مترنيش مبكرًا عن موعده وقاسيًا جدًا. وعادَ نابليون لباريس خاليَ الوفاض بلا جيش، وحان الوعد: اجتمعت جيوش أوروبا، أو ما تبقّى منها، من روسيا، وبروسيا، والنمسا، وبريطانيا، ضدَّ نابليون، وهُزم للأبد.

انتهى عصر وأتى آخرُ جديد، بدأ معه مترنيش بتأسيس أدواته، وأهمها: مجلس فيينا، الذي جمعَ الدول المُنتصرة الأربع، ومعها إسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا الجديدة التي أُعيد لعرشها الأسرة الملكية الراحلة، وكانت نتيجةُ مجلس فينا اتفاقيّة حكمت علاقات الدول الأوروبية طوال العقود الأربعة المقبلة، مع إجراءات لإعادة التاريخ إلى الوراء: تخسرُ فرنسا كل الأراضي التي احتلّتها منذ 1795، أي تعودُ لحدودها القديمة، وتدفعُ فرنسا تعويضاتٍ للدول الأخرى على خسائرها، وتُعاد الملكيات المخلوعة لعروشها، وتؤسس لملكيات جديدة كملكية هولندا، وكونفدراليّة جمعت الدويلات الألمانية فصارت 39 دولة بدلًا عن 300.

مجلس فيينا 1814

اتفق الساسة في المجلس على الاجتماع بشكل دوري لمعالجة قضايا أوروبا بالقنوات الدبلوماسيّة والتفاوضيّة، بدلًا عن الحروب. ومن هذا المجلس وُلد لاحقًا حلفٌ أخطر: التحالف المقدس، جامعًا روسيا، وبروسيا، والنمسا، وهو حلفٌ عسكريّ نشأ عامَ 1815 بدعوةٍ من قيصر روسيا، هدفهُ المُعلن «الحفاظ على الروح المسيحيّة»، وهدفهُ الفعليّ إسقاط الثورات، والحركات القوميّة والتحررية التي تدعو للجمهوريات بدلًا، عن الملكيات، وقمع أي حراك يمكن أن يقوّض أمن الملكيات الأوروبية.

إيطاليا ليست أرضًا خصبة لثورة

قصة ثورات 1820 في إيطاليا تطول، وهي باختصار انتفاضات في عدّة مدن، قامت بها مجموعات قوميّة بعضها سريّ، كالكاربونريا، تسعى للتحرر من السيطرة النمساوية على إيطاليا وإماراتها الصغيرة، وأهمها ثورة نابولي عامَ 1820 التي نجحت بأخذ تعهّد بالعمل بدستورٍ من ملك الصقليّتين، فريدناندو الأول.

لوقت طويل كانت إيطاليا ساحةً مفتوحةً للسيطرة النمساويّة التي بدأ القيصر عام 1815 العملَ على زعزعتها، رغمَ التحالف المقدس بينه وبين النمسا. ولزعزعة النفوذ النمساوي خوَّفَ القيصرُ الأمراءَ من سياسة مترنيش «التوسعية» وأن لديه رغبةً بالاستحواذ على الأراضي الإيطالية، وبعدَ الأمراء اتجهت روسيا بدعمها للثوريين والليبراليين.

وردّ مترنيش بحملات دبلوماسية مضادّة أكّد فيها سَعي النمسا للحفاظ على استقلال الأمراء وإبقاء السلطة في يد الحكّام «الشرعيين». وهذه المرة، غلبت أوراقُ مترنيش كلّ ما في جعبة القيصر، فللإمبراطورية النمساوية جيشٌ قريب داخل الأراضي الإيطالية قادرٌ على حماية الأمراء من الثورات والقوميين متى تطلّب الأمر، ولها إرث خلّفه تواجدها الطويل في إيطاليا وفي وسطها تحديدًا (إذ ترتبط النمسا ببعض الإمارات الإيطاليّة الوسطى بالنَسَب)، وهي أقربُ من روسيا جغرافيًا.

تقلّص الدعم الروسي حتى عام 1820 بتحوَّل سياسة القيصر من دعم الحركات التمرّدية إلى الخوف منها بعد أن رأى قوّتها وانتعاشها، فتخلّى عنها تمامًا وأعطى موافقته الكاملة لمترنيش ليفعل ما يريد، فقام بتأسيس قوة شرطة إيطالية مركزيّة، مع تأسيس جامعة للدول الإيطاليّة تقعُ تحت سيطرته المباشرة. وهكذا، دخلت القوات النمساوية إيطاليا وسحقت الثورة، وتبيّن أن النمسا أيضًا لا تتحدث الإيطالية.

من المهم أن نلحظ التطوّر في فهم القيصر للثورات، فقد أصبح يرى الآن أن الاحتجاجات الشعبية دون إجراءات تُتخذ لاحتوائها ستفُرّخ ثورات أخرى. أما حليفه مترنيش فقد وضّح لأمراء إيطاليا أن الثورات «ليست صُدفًا، بل تقع بفعل أقلية تسعى لتقويض النظام القائم».

حظرت الكنيسة كتبه.. كوبرنيكوس عالم الفلك الذي غير نظرة العالم إلى الكون

 

مدريد بين العرش والجمهوريّة

احتلّ نابليون مدريد عامَ 1808 ونصّب أخاه ملكًا وأسَرَ فريدناند السابع ملكَ إسبانيا، الذي عادَ في 1813 بعد احتجاجات شعبيّة تطالب بعودته وحكمَ بلاده حكمًا استبداديًا. عامَ 1820 قامت ثورةٌ ضد الملكية ألزمته بالحكم بالدستور. وبعدَ تصفية ثورات إيطاليا، بدأت تداولات دول مجلس فيينا حولَ ما يجبُ فعله حيال الحكومة الدستوريّة في إسبانيا. التزمت بريطانيا باستراتيجية عدم التدخّل، وحثّت غيرها على إفساح المجال لكل دولة لتحلّ مشاكلها الداخلية لوحدها. أما روسيا والنمسا، فصبّتا كلّ جهدهما لدفع فرنسا لاجتياح إسبانيا عسكريًا وتحريرها من قبضة الدستوريين لتُعيد الملك إلى عرشه بالقوّة وتُعطّل الدستور.

وخوّف مترنيش ملك فرنسا، الذي يعمل معه وزراء متطرّفو الولاء للنظام الملكيّ، من أن الثورة في إسبانيا ستضره، فسقوط الملكية في إسبانيا، يعني سقوطها في مكان آخر، وكما يرى مترنيش: قيام الثورة في مكان ما يعني أنها قادمةٌ في أماكن أخرى لا محالة. ولإقناع فرنسا بالدخول في الحرب، قدَّمت الإمبراطوريتان لها وعدًا بتوفير الدعم اللازم (ماديًا وسياسيًا) استجابةً للمطالب التي طالب بها الفرنسيّون، وسُمِح لفرنسا أن تتحرك دون قَيد لتنفيذ هذه المهمّة. وبَدَت فرنسا جزءًا من التحالف المُقدّس، وإلى حدّ كبير، أداةً له.

وضعَ مترنيش أهدافًا للتحالف ليحققها في القضية الإسبانية: خلقُ إجماع على الدفاع عن الملكيّة الإسبانيّة الشرعيّة وكلّ الملكيات الشرعيّة الأخرى. مع إيجاد أدوات لإنفاذ هذا الإجماع دونَ أن تُسبب هذه الأدوات، كالشرطة أو البعثات العسكرية، أيّ أذى للسلطات القائمة حاليًا. التدخّل سيكون بهدف إبقاء الوضع على ما هو عليه وإعادة الملوك المخلوعين لعروشهم. وفي مايو (أيّار) 1823 احتلّ مدريد جيشٌ فرنسي أعاد تنصيب الملك، ومُجددًا، سحقَ الثورة.

الثورة على أبواب روسيا

مرةً أخرى، قادت القوميّة الثورة في وارسو عاصمة بولندا الحاليّة، عامَ 1830، إنها الثورة، تشتعلُ على أبواب روسيا. كانت هذه الثورة بولنديةً مُسلَّحة ضد الحكم الروسيّ، تموّجت بين انتصارات وهزائم حُسمت للإمبراطورية الروسيّة وجيشها المُتفوِّق عدديًا على البولنديين.

رسمٌ لمعركة إستروينكا، إحدى أكبر معارك الحرب البولندية الروسيّة.

وفي الجانب الآخر من الخريطة، كان السلطان العثمانيّ يُفكّر باستغلال الحرب لصالح دولته، ومن خلف السلطان المبعوث الفرنسيّ لإسطنبول الذي يدفعه نحو استغلال انشغال روسيا بحربها، ولكن تدخّل مترنيش الدبلوماسيّ، لتثبيط السلطان عن ذلك، وهو الفقير مالًا وضعيف الجيش آنذاك، دفعَ السلطان لتجنّب المغامرة، وساندت أخبار الانتصار الروسي مَساعي مترنيش. وبانتهاء الأزمة وصلت للقيصر جهود مترنيش وشعرَ أنّه حليفٌ حقيقي، يُمكن الاعتماد عليه، وتحسّنت علاقة الإمبراطوريتين المُعَاديَتين للثورة تحسّنًا هائلًا.

وبعد الأحداث الدبلوماسية الأخيرة في إسطنبول، تفّتحت عينا مترنيش على الوضع في إسطنبول، وامتدت يده لها: فعارضَ أن تُرسل الحكومة العثمانيّة بعضًا من أبنائها، من «العثمانيين الجدد»، ليتعلموا العلوم الإدارية والحديثة في عدوّته فرنسا، مرتع الثورات.

وكأيّ مُستبدٍ آخر: لاحقَ مترنيش الصحافيين، ومنهم الصحافيّ الفرنسيّ ألكسندر بلاكو، صاحب الآراء المُعارضة، والمُعادي للسياسة الروسيّة التوسعيّة. عملَ بلاكو في صحيفة فرنسية حكوميّة انتقدَ من خلالها الحكومة بشراسة، فسُجن بسبب ذلك، ثم هربَ من فرنسا لإسطنبول، ليعمل في صحيفة طلب منه السلطان تأسيس قسمها المكتوب بالفرنسيّة.

ومرةً أخرى أطلَّ مترنيش طالبًا من السلطان منع بلاكو من الكتابة وحظر صحيفته، على الرغم من أن الصحيفة تنتقدُ عدوّ مترنيش اللدود: فرنسا. وبالمثل تحرّكت حليفته روسيا، فطلبَ السفير الروسيّ في اسطنبول من السلطان العثمانيّ إيقافه عن الكتابة، وحذّره من «خطر الصحافة الحرّة». بلاكو الذي طَردته بلاده وسجنته، فلمّا نالَ حريته طارده عدوّ بلاده.

شبح الثورة يخلع مترنيش

تتابعت ثورات عدّة في إيطاليا بهدف التحرّر من السيطرة النمساوية، وتم اضطهادها واحدةً تلو الأخرى حتّى حل الربيع الأوروبيّ، عامَ 1848، الذي يشبه في صداه صدى الربيع العربي الذي تردد قبل سنوات.

قُلبت الموازين بثورة جديدة في فرنسا في فبراير (شباط) من ذلك العام، أسّست للجمهورية الفرنسية الثانية. وقد صحَّ فهمُ مترنيش لأوروبا إذ قال «عندما تعطسُ باريس تُعدى بقية أوروبا»، فبعدَ شهر انتفضت شعوب الإمبراطورية النمساويّة. في هنغاريا طالب الهنغاريّون بحكومة أكثر استقلاليّة مع مزيد من الحريات المدنيّة. وفي إيطاليا ثورةٌ أخرى كادَت الإمبراطورية بسببها أن تترك للإيطاليين أراضيها، ومثلهم السلافيّون في بوهيميا، ولكن الأنكى من كل ذلك: ثورةٌ في فيينا، تُطالب بتسليح الناس ومنحهم حقوقًا سياسية أوسع، وكسر الرقابة الشديدة، ولثورة فيينا شيطانٌ أكبر: «يسقط مترنيش»!

وبسرعة صارَ مترنيش كبشَ الفداء. تخلّى الإمبراطور عن دبلوماسيّه المُخلص، فعُزل مترنيش ونُفي إلى بريطانيا ليشهدَ منها غليان أوروبا، من أقصاها لأقصاها بالثورات والتغيير، فرياح إيطاليا مُعاكسة لاتجاه النمسا، وفي برلين الملكُ البروسيّ يدعو لملكيّة دستورية ولانتخابات برلمانيّة، والحركات القوميّة تنتشر في كلّ مكان.

أحد قادة ثورة فيينا 1848، قبل إعدامه رميًا بالرصاص.

ولكن لكلّ ربيع شتاء، فما كان لذلك أن يطول؛ الوعود الدستوريّة، كالذي أُجبر الإمبراطور النمساويّ على تقديمه، كانت تلهيةً مؤقتة، ليحاول النظام القديم جمعَ شتاته ورسم خارطة الطريق، وكَذَا كانَ عزلُ مترنيش، تخديرًا للجموع الغاضبة في فيينا. عادَت الأسرة الحاكمة، وبمساعدة الجيش الروسيّ هُشّمت ثورات المدن المتمرّدة وعادت النمسا للبلاط الإمبراطوريّ، وأُهدرت الوعود الدستورية، وانتهت الثورة بإعدام قادتها عسكريًا. انتهت الثورة التي بنهايتها ابتدأ عصرٌ أوروبيّ جديد. وبعدَ سنوات قليلة عادَ عدوّها اللدود مترنيش إلى النمسا محاولًا العودة للسياسة دون نجاح يذكر. وتُوفيّ عن عمر 86 شهدَ فيه أخصبَ سنوات أوروبا الثوريّة، وأجهض بشكل مباشر، أو بسياساته، معظم هذه الثورات.

ليسوا جبناء وخانعين بالفطرة كما يخبرك العنصريون.. 3 ثورات كبرى أشعلها الفلاحون

المصادر

تحميل المزيد