2,151

إذا كنت ممن يحبون قراءة الأدب، وتمتعك اللحظات التي يصحبك فيها أشخاص من صنع خيال الكتاب فهل فكرت يومًا فيما إذا كانت قراءة مثل هذا النوع تحقق المتعة فقط؟ في الواقع إنها قد تضفي تأثيرًا -لا يمكنك تحديده بدقة- على شخصيتك، وربما غيّرت إحدى الروايات مسار حياتك، لكن هل هناك تأثير بيولوجي يمكن قياسه بشكل محدد؟

يمكن القول بسهولة إن قراء الأدب يمتلكون حسًا راقيًا وقدرة على فهم شعور الآخرين، وقدرًا من الذكاء، لكن ولفترة طويلة لم يتمكن العلماء من حسم الإجابة حول السؤال عما إذا كان الأذكياء يجدون شغفًا بقراءة الأدب أم أن قراءته هي التي تزيد معدّل ذكائهم، وعما إذا كانت قراءة الروايات مثلًا تزيد قدرة الأشخاص على التعاطف مع الآخرين أم أن الأشخاص الذين يميلون للتعاطف مع الآخرين في الأصل، هم من يحبون قراءة الشعر والأدب كثيًرا.

كما لو كنا نعيشه في الواقع

لكي يقترب العلماء مما تفعله القراءة بأدمغتنا بالفعل، اعتمدوا في تجاربهم الأولى على تقنيات التصوير العصبي، بداية بتصوير العقل أثناء قراءة أكثر الجمل بساطة مثل «نفخ الولد البالون» ليكتشفوا أن المناطق التي تعمل في دماغ من أُجريت عليهم التجارب هي المناطق التي تعمل عادة في الدماغ عند قيامنا بالحركة فعلًا، وكانت قراءة كلمات مثل القرفة أو الياسمين تحرّك أيضًا المناطق نفسها التي تتحرك عندما نشمّ رائحة ما، كما يُظهر تصوير الرنين المغناطيسي.
Embed from Getty Images

كانت التجربة في البداية تُجرى على تأثير كلمات بسيطة، ولاحقًا تمت تجربة التصوير العصبي أثناء قراءة نصوص أكثر تعقيدًا ليجد الباحثون ما يؤكد النتائج السابقة، ,في الأفعال الأكثر تعقيدًا أيضًا يبدو في التصوير العصبي لعقول المتطوعين نشاطًا في المناطق المسؤولة عن كل فعل كما لو كانوا يعيشونه في الواقع.

حين كانت الشخصيات الخيالية تقوم بتغيير أماكنها نشطت المناطق الأمامية والجانبية المسؤولة  عن الاتجاه المكاني، وحين يلتقط أحد الأشخاص شيئًا في الحكاية تنشط لدى المتطوعين منطقة في القشرة الحركية مسؤولة عن اليدين، وحين كانت الأحداث تتغير كان ذلك يحفز لدى المتطوعين قشرة الفص الجبهي المرتبطة باتخاذ القرارات، بحيث تأكد للباحثين أن عقولنا بطريقة ما تحاكي حرفيًا ما نقرؤه كما لو كنا نعيشه في الواقع، وهكذا يحدث ما تُكسبه لنا القراءة من اختبار للعواطف وما تضيفه من تجارب شخصية ومواقف متعددة تزيد خبرتنا بالحياة، أن تُكسبنا القراءة حياة أخرى ليس قولًا مجازيًا إذن.

نشاط الدماغ

في تجربة أجراها باحثون في جامعة إيموري لتصوير نشاط الدماغ لدى 21 طالبًا  بعد قراءة رواية بومبي لروبرت هاريس لاحظ الباحثون وجود نشاط أكبر في أدمغة من أُجريت عليهم التجربة وزيادة في الاتصال بين مناطق المخ المختلفة وتحسّن في وظائفها، واستمر هذا النشاط بضعة أيام بعد أن أنهوا قراءة الرواية.

وقع الاختيار على هذه الرواية تحديدًا بسبب قوة السرد فيها، ولاحظ الباحثون نشاطًا في أدمغة الطلاب صباحًا، خاصةً في الجزء الأيسر من القشرة المخية المسؤول عن اكتساب اللغة، رغم أنهم كانوا يقرؤون جزءًا محددًا من الرواية في المساء.

التعاطف مع الآخرين

ولمزيد من فهم هذا الأثر أجرى علماء تجربة على مجموعتين من القراء، الأولى قرأت قصة السيدة والكلب الصغير لأنطون تشيخوف بينما قرأت الثانية أحداث القصة نفسها بأسلوب أكثر سطحية وأقرب للغة الخبرية، فيما بعد سجلت المجموعة الأولى قدرة أكبر على التعاطف والإحساس بالآخرين وأن يضعوا أنفسهم محلّ غيرهم، واستنتج الباحثون من هذه التجربة أن قراءة الأدب تسهم في نضج وتطور الشخصية.
Embed from Getty Images

تساعدنا قراءة الخيال في فهم نوايا الناس وشخصياتهم وهو أمر تشترك فيه قراءة الأدب ومشاهدة الأفلام وألعاب الفيديو المعتمدة على الحكايات، يذكر فرانك هاكمولدر الباحث في فنون اللغة والأدب بالمعهد الثقافي بجامعة أوتريخت أن تعقيد الشخصيات الأدبية يدعم قدرة القارئ على تطوير أفكاره حول مشاعر الآخرين.

يفيد رجال الأعمال أيضًا!

إدارة الأعمال المعقدة والصعبة التي تعتمد على الأرقام يمكنها الاستفادة من الأدب فيها أيضًا، فعلى رأس الحقائق والأرقام والهياكل الإدارية يوجد عنصر بشري تعتمل بداخله مشاعر وصراعات واندفاعات، بحيث لا يمكن التنبؤ بسلوكه دون معرفة بطبيعة السلوك البشري، وقد يفيد هنا القراءة عن شخصيات مشابهة.

فضلًا عن أن القدرة على فهم مشاعر الآخرين والتعاطف معهم من أبرز مهارات القادة والمديرين، وكانت دراسة نشرتها جامعة هارفارد قد أكدت أن الأدب يمكّن القارئ من مواجهة شخصيات وأنماط مختلفة وقضايا معقدة تختبر القدرة الحقيقية له على القيادة وتحمل المسؤولية.

تحمي العقل من الشيخوخة

توفر القراءة لنا مخزونًا معرفيًا يمكّننا من مواجهة التغييرات التي تطرأ على عقولنا مع التقدم في العمر، فقد أشارت دراسة أُجريت على مجموعة من المشاركين تتراوح أعمارهم بين 75 و 95 عامًا أن تكوين قدرات لغوية في وقت مبكر يحمي القدرات المعرفية في عمر متقدّم،  ويحفظ المخ من الضمور وتصلّب الشرايين ومرض ألزهايمر.

غير أن هناك من يرى أن تحقيق  تلك الفوائد يتوقف على مدى انغماس القارئ في الحكاية، وهو ما يحدث بالتركيز على ما يشعر به أشخاصها لا على الأحداث فيها فقط، وهذا يعني أن «القراءة العميقة» التي أطلق عليها الناقد الأدبي البريطاني فرانك كيرمود «القراءة الروحية» هي التي تُحدث هذا الأثر لأنها مليئة بالمتعة والتفكير والتحليل، وهي تختلف عن «القراءة الجسدية» التي نطالع فيها معلومات سريعة نحتاجها بشكل يومي عبر الإنترنت غالبًا، فتجربة القراءة العميقة والمتأنية لنص غنيّ بالتفاصيل الحسية والتعقيدات الأخلاقية والعاطفية هي التي تُمثِّل للعقل تجربة فريدة، تختلف عن القراءة السطحية التي لا تتطلب سوى فك رموز الكلمات.

مع ذلك فهناك رأي آخر يعتقد بأن مثل هذه النتائج تبقى غير مؤكدة إذ لم تُجنّب الدراسات تأثيرات أخرى مثل الدردشة مع الأصدقاء ومشاهدة التلفاز مثلًا، كما أن قياس المهارات الحياتية التي اكتسبها القراء من خلال الروايات والشعر لا يمكن التأكد منه في حياتهم الواقعية، وعليه يرى القائلون بهذا الرأي أن كل ما تحقق من نتائج لدراسات تدعم وجود تأثيرات بيولوجية للأدب هي مجرد قصة تحتاج مزيدًا من الأدلة العلمية ليمكن اعتبارها حقيقة.