البشر مهووسون بالطعام، بتفاصيله وألوانه وطرق تحضيره. حتى إنه قيل يومًا «أنت ما تأكل». وذهبت إحدى الفرضيات إلى أن البشر موجودون الآن بفضل التطور الذي أحدثه الطعام لأمخاخنا. لكننا ننتج الكثير منه، ونُلقي الكثير منه أيضًا في مكب النفايات، وتعد مشكلة هدر الطعام هي أحد أكبر المشكلات التي تواجه الجنس البشري.

فهناك فائض دائمًا من الطعام في المنزل، وفي المتاجر، والمزارع، والمطاعم. وتبلغ التكلفة السنوية لهدر الطعام تريليون دولار، فنحن نهدر حوالي 35 إلى 50% من الطعام المُنتج عالميًّا، وبحسب موقع «The World Counts»، يبلغ كم الطعام المُهدر في شهر فبراير  (شباط) الجاري، حتى وقت كتابة هذا التقرير، حوالي 50 طنًا من الغذاء، بينما تبلغ نسبة التهدير في الوطن العربي 210 كيلوجرام لكل فرد سنويًّا. فلماذا ننتج كل هذا الطعام إن كنا لن نأكله؟

أطعمة فُقدت في الطريق لطاولة الطعام..

«نحن لا نحتاج إلى إنتاج المزيد، بل في التصرف بشأنه بطريقة أخرى»

هذا ما قاله أحد الأشخاص في فيلم «wasted, the story of food waste» الذي أنتجه الطاهي الشهير ومقدم البرامج الراحل أنتوني بوردين. يقول بوردين في الفيلم «لقد أتيت من مدرسة في الطهي تقول: استخدم كل شيء، ولا تهدر أي شيء». ويُهدر الغذاء على امتداد سلسلة إنتاجه؛ في المزرعة، وخلال التوزيع، والتخزين، وفي المطاعم، والمتاجر، وفي البيوت، ويرجع ذلك لعدد من الأسباب.

Embed from Getty Images

ففقد الطعام يتبع طريقتين؛ أولهما ما لم يجر حصاده من الأساس وفُقد بسبب الحشرات أو الأمراض التي تصيب الزرع، أو بسبب المناخ، والخط الآخر هو ما فُقد خلال طريقه إلى يد المُستهلك. إذ ينتج العالم الآن الطعام 17 مرة أكثر مما كنا ننتجه قبل 30 عامًا، ونصف هذا الإنتاج لا يصل إلينا أبدًا. وتتجلى مشكلة هدر الطعام بشكل كبير في المتاجر؛ فهي تدفعك إلى شراء أشياء لا تحتاجها أبدًا، ومن ثم تلقيها في مكب النفايات.

كل هذا الخراب خلَّفه طعام لا يُؤكل

أخلاقيًّا هناك أزمة كبيرة في تهدير الطعام، ذلك عندما نعرف أن هناك 800 مليون شخص حول العالم لا يؤّمنون احتياجاتهم الغذائية، وهناك شخص من كل تسعة أشخاص في الكوكب يعانون من مجاعة أو نقص تغذية. لكن لا ينبغي أن يكون الحل هو تقديم بقايا طعام البشر لبشر آخرين.

الطعام المُهدر مؤذٍ جدًّا للبيئة؛ فنحن نستهلك سنويًّا مساحة توازي مساحة الصين من أجل زراعة الطعام، الذي نهدر أغلبه.  وعندما نهدر الطعام نهدر بالتبعية كل هذه الحيوانات التي تعرضت للانقراض، ونفقد أيضًا الأسماك التي جرى صيدها بشكل غير مخطط له أثناء صيد أنواع أخرى. وفقدان التنوع البيولوجي الذي تسببنا به، والتربة التي تعرضت للتجريف، والمياه، والطاقة، والأيدي العاملة التي ساهمت في التعبئة والتغليف.

فهذا الطعام الفائض تسبب في تهدير ربع مصادرنا من المياه؛ كما أن الطعام الفائض الذي يُلقى في موقع دفن النفايات ويتحلل في غياب الأكسجين، يؤدي إلى تكوين غاز الميثان. فالنظام الغذائي العالمي مسئول عن ثلث الانبعاثات الحرارية التي سببها الإنسان. حتى إن مدافن النفايات أصبحت المصدر الرئيسي لغاز الميثان في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي أمريكا يستهلك إنتاج الغذاء 50% من إجمالي التربة، و30% من من كل موارد الطبيعة، و80% من إجمالي نسبة المياه.

120 ألف طن طعام يهدره المسلمون في رمضان

يبلغ عدد المسلمين في العالم 1.8 مليار شخص، ويستهلك الناس في شهر رمضان كميات مهولة من الطعام مقارنة بأي شهر آخر، ينتج عنها كميات مهولة أيضًا من الطعام المهدر. إذ إن 10 إلى 15% من  هذه الأطعمة تجد طريقها إلى مكب النفايات من قبل حتى أن تُستخدم. أطنان من الطعام تستقر في القمامة، تُقدر بحوالي 120 ألف طن في هذا الشهر.

Embed from Getty Images

وسبب إهدار الطعام في هذا الشهر تحديدًا؛ هو جنوح الناس للشراء المبالغ فيه. فنجد أن نسبة طلب لحوم البقر، والضأن، والدجاج، تزداد عن المعدل الطبيعي بمقدار 50%، وكذلك الخضراوات والفواكه المختلفة. ويُلام في الأمر أيضًا المطاعم التي تهدر نصف الطعام الذي تعده بوعي أو عدم وعي.

فلتبدأ بنفسك.. كيف نقاوم هدر الطعام بواسطة التكنولوجيا؟

مثلما أحدثت التكنولوجيا ثورة في كل شيء، كان لا بد أن تحدث تغييرًا في إعادة استغلال الطعام الفائض، فشركات مثل «apeel» و«brightfarms» و«kdc» توفر حلولًا لاستغلال الطعام الفائض، وأصدرت «أمازون» أيضًا تطبيق «save the food» من أجل المساعدة في حل هذه المشكلة.

هناك أيضًا كثير من التطبيقات التي تساعدك على التخطيط لوجباتك الأسبوعية، متضمنة كل شيء، بما فيها تجنب إعداد الأطعمة التي تعاني تجاهها من الحساسية. ويعد التبادل الإلكتروني للأطعمة الفائضة أيضًا أحد الحلول المقترحة لتقليل الخسائر الغذائية. وفي الحقيقة فإن 50% من الطعام يُهدر في المنازل، ومن وسائل عدم إهدار الطعام؛ هو تعلم كيف يفسد الطعام، وتعلم تجنب شراء منتج غذائي غير جيد.

تعلم كيفية تخزين الطعام، وتغيير عاداتنا الغذائية ولماذا نشتري كثيرًا من الأشياء التي لا نحتاج إليها؟ يساعد في التوقف عن هدر الطعام أيضًا. وبالطبع نحتاج لتغيير القوانين الغذائية، وتدريب العاملين على تخزين المواد الغذائية بصورة صحيحة، واستخدام مركبات معدة بشكل جيد لنقل الطعام، فتحتوي مثلًا على أجهزة تقيس درجة الحرارة، كي لا يفسد الغذاء.

ومن أجل البيئة والمجتمع والاقتصاد، رسمت «وكالة حماية البيئة» هرمًا يوضح مدى أهمية الاستفادة من الطعام المهدور.  أوله تقليل هدر الموارد الطبيعية، وإطعام البشر الجائعين، وإطعام الماشية، واستخدام الطعام لأغراض صناعية، أو تحلله لتوليد الطاقة، وتسمى هذه الطريقة بالهضم اللاهوائي وهي سلسلة عمليات بيولوجية، تقوم فيها الكائنات الحية الدقيقة بتكسير المواد القابلة للتحلل، في غياب الأكسجين، وأحد أهم نتائج هذه العملية هي الغاز الحيوي، والذي يُستخدم في توليد الكهرباء والحرارة. إذ إنه من المؤكد أننا لا نحتاج إلى المزيد من إنتاج الطعام، نحن نحتاج إلى إعادة التفكير في التعامل معه كي لا يضيع أغلبه قبل أن يصل إلينا.

مجتمع

منذ سنتين
أنتوني بوردين.. طاهٍ حاول تغيير العالم بالطعام لكنه الآن لن يطبخ مجددًا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد