شهدت العديد من دول العالم ثورات وانتفاضات شعبية على مدار التاريخ، وقد شهد القرن الماضي الكثير من هذه الثورات الشعبية، بالطبع كان النظام القائم يحاول البقاء، والصراع مع التيار الثوري الجديد ومحاولة هزيمته.

وعندما تبدأ أسهم الثورة في الصعود، يحاول النظام القديم امتصاصها واحتواءها، ثم بعد ذلك هزيمتها. حدث هذا في الكثير من الثورات، نستعرض هنا ثورتين من هذه الثورات في منطقتين مختلفتين من العالم.

الثورة البرتقالية.. أن تعود مرةً أخرى من خلال الديموقراطية

كيفَ بدأت الثورة وكيفَ انتهت في أربع سنوات فقط؟ هذا ما تخبرنا به الثورة البرتقالية في أوكرانيا، فقد تبعت أوكرانيا الاتحاد السوفييتي منذُ تأسيسه وحتى سقوطه، ومع سقوطه كانَ على بوتين، الرجل القوي، أن يحافظ قدر ما يستطيع على نفوذه داخل البلدان التي سقطت من قبضة الاتحاد السوفييتي، وهذا ما فعله بالضبط في أوكرانيا، كما فعله في العديد من الجمهوريات الأخرى التي نالت استقلالها.

احتجاجات الثورة البرتقالية 2004

في عهد الرئيس الأوكراني ليونيد كوتشما كان رئيس الوزراء هو فيكتور يانكوفيتش، المحسوب على الاتحاد السوفييتي، ومع قرب الانتخابات الرئاسية في أوكرانيا عام 2004 أعلن يانكوفيتش ترشحه للرئاسة، ونظر الجميع إلى يانكوفيتش باعتباره ممثل الدولة “النظام القديم” في هذه الانتخابات.

طريقة اخري للاحتجاج خلال الثورة

على الجانب الآخر كانت المعارِضة، سيدة الأعمال الجميلة يوليا تيموشينكو في تحالفها مع السياسي البارز فيكتور يوتشينكو للوصول إلى سدة الحكم في أوكرانيا، حسب محللين يمثل فريق المعارضة “النظام الجديد” فريقًا محسوبًا بشكلٍ ما على الولايات المتحدة بينما يُحسب يانكوفيتش على “النظام القديم” التابع لروسيا.

يوتشينكو أثناء الثورة البرتقالية

بدأت الانتخابات الرئاسية، رئيس الوزراء يانكوفيتش يفوز، تخرج المظاهرات العارمة في شوارع العاصمة كييف لترفض النتيجة التي شابها تزوير، حسب اعتقادهم، لتطالب أيضًا بسقوط الفساد وتغيير السلطة، وكانَ على النظام “القديم” أن يكونَ أكثرَ مرونة.

أعلنت المحكمة الأوكرانية إلغاء النتائج الرسمية وإجراء جولة أخرى من الانتخابات بعد شهور، أجريت الانتخابات مرة أخرى فانتصرت المعارضة، ووصل رجل الثورة يوتشينكو إلى الرئاسة وصعدت حليفته معه إلى رئاسة الوزراء.

يحسب يانكوفيتش علي التيار المتحالف مع روسيا

 

يوليا تيموشينكو

“فترة رئاسية واحدة فقط، جاء بعدها النظام القديم، ما يميز هذه التجربة أن النظام القديم عاد بنفس أشخاصه، فيكتور يانكوفيتش!”

حسب بعض القراءات والتحليلات، قام النظام القديم باستيعاب الثورة عبر إعادة الانتخابات ووصول رئيس المعارضة للحكم، وبدأت الدولة في العرقلات من الداخل، مع السنة الأخيرة في ولايتهما الوحيدة كان يوتشنكو وتيموشينكو يواجهان مشاكل عديدة خاصة في الاقتصاد ومستوى البطالة، وبدأ الناخبون في الانتخاب في يناير 2010 وكان الفوز ليانكوفيتش بفارق 10% من الأصوات ضد منافسته، أحد قادة الثورة الكبار، يوليا تيموشينكو.

يوليا تيموشينكو مع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الإبن

نيكاراجوا.. لنعطِ الثورة السلطة ثمَ نأخذها مرةً أخرى!

هذه المرة لم تكن الثورة تَدَافعًا بين تيارين لهما أنصارهما ولكلٍ مساحته عند الجماهير وكتلاً تصويتية في الشارع، لقد كانت الثورة في نيكاراجوا ثورة مسلحة ضد الديكتاتور سوموزا وولديه، الذين تداولوا السلطة على مدى أربعين عامًا منذ العام 1937 وحتى سقوطهم على يد الثورة عام 1979.

سوموزا الأب

كان سوموزا مدعومًا أمريكيًّا وبدأت الثورة الشعبية، وكانت حركة الساندنيستا أبرز الحركات الثورية التي تتبنة المقاومة المسلحة لسنوات ضد نظام سوموزا، وتنتسب الحركة بالاسم إلى المناضل النيكاراجوي أوغسطينو ساندينو الذي كان قائدًا للمقاومة الشعبية ضد الاستعمار، والذي قتله سوموزا الأبّ في الثلاثينيات.

المناضل ساندينو الذي اتنسبت الحركة إلى اسمه

أنانيستو سوموزا الابن (وسط) مع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (يسار)

لم يستطع نظام سوموزا أن يوقف هدير الثورة، فقرر أن يلتفّ عليها، فبعد نجاح الثورة وإسقاط نظام سوموزا الديكتاتوري بدأت المشاحنات والمناوشات بين الساندنيستا وبين بقية القوى المعارضة التي رأت أن الساندنيستا تحاول أن تستحوذ على السلطة وتسعى لإنشاء دولة شيوعية.

“أُجريت أولى انتخابات ديمقراطية عام 1984 وفازت الساندنيستا بنسبة 67% من الأصوات وبدأت مشاريع اقتصادية طموحة، لم يُكتب لها النجاح”

كانت الثورة المضادة “النظام القديم” تعمل في الخفاء إلا أنه وبعد وصول الساندنيستا للحكم ديموقراطيًّا بدأت العمل في العلن، فقد دعمت الولايات المتحدة ما تبقى من الحرس الوطني التابع لسوموزا والمعارضة التي تذمرت من حكم الساندنيستا وبعض المرتزقة من نيكاراجوا ودول مجاورة لها، وكانت الولايات المتحدة تستخدم أراضي دولة الهندوراس لتدريب عناصر ما أسمتها “حركة الكونترا” والتي تعني “ضد”.

دانيال أورتيجا

بدأت الكونترا القيام بعمليات عسكرية ضد مصالح اقتصادية في نيكاراجوا، وكانت الساندنيستا ترد بالطبع لكنَّ المصالح الاقتصادية تأذَّت تمامًا، وتوقف الدعم الدولي لنيكاراجوا بسعيْ من الولايات المتحدة، التي نجحت في إيقاف حصول نيكاراجوا على قروض من بنوك دولية، كما فرضت عليها حظرًا تجاريًّا شاملاً وبدأت شعبية الساندنيستا في الانهيار.

بعد الولاية الرئاسية الأولى لزعيم حركة الساندنيستا، دانيال أورتيجا، كانت الشعبية الجماهيرية للحركة قد اضمحلت، وبدأت الانتخابات الرئاسية الجديدة عام 1990، وفازت منافسة أورتيجا، فيوليت شامورو، المدعومة ماليًّا من قبل واشنطن.

قوات الكونترا

في نيكاراجوا عاد النظام القديم مع تغيير طفيف في رؤوس هذه النظام، وبعد سقوط الساندنيستا لم تعد لحركة الكونترا أية أهمية بالطبع فقد أسقطت النظام الثوري الجديد، وعاد النظام القديم بشكل ديمقراطي.

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد