تستخدم الشرطة حول العالم العديد من المواد من أجل فض الاحتجاجات والسيطرة على الشغب. في بلادنا العربية شاهدنا خلال السنوات العشر الماضية استخدام الغازات المسيلة للدموع بشكل متكرر في فض الاحتجاجات التي اندلعت في عدة دول. وفي بعض الدول الغربية يستخدم رذاذ الفلفل أيضًا في فض المظاهرات. وسواء كان الغاز المسيل للدموع أو رذاذ الفلفل أو كرات الفلفل، فتشترك جميعها في شيء واحد: أنها «أسلحة كيميائية».

دولي

منذ 4 شهور
«حياة السود مهمة» في أوروبا أيضًا.. 4 عواصم كبرى احتجت على العنصرية ضد السود

خلال الاحتجاجات الأخيرة في الولايات المتحدة التي اندلعت بعد مقتل الشاب جورج فلويد، المواطن الأمريكي ذي الأصول الأفريقية، استخدمت الشرطة الأمريكية رذاذ الفلفل، وتحديدًا في واشنطن، لإبعاد المتظاهرين من حديقة عامة؛ حتى يتمكن الرئيس دونالد ترامب من السير من البيت الأبيض إلى كنيسة قريبة للحصول على فرصة لالتقاط الصور.

وبالإضافة إلى الولايات المتحدة، ربما شاهدنا في وسائل الإعلام خلال الأسابيع القليلة الماضية استخدام هذه المواد في مناطق مختلفة حول العالم، كما في سيدني الأسترالية، حين قامت الشرطة برش الفلفل في محطة المترو المركزية، بعد احتجاجات ركزت على أهمية حياة السود. واستخدم الغاز المسيل للدموع لتفريق معركة في سجن لونج باي في أستراليا أيضًا، حيث ملأ حراس السجن ساحة التمارين بقنابل الغاز المسيل للدموع، مما أثر أيضًا في السكان القريبين من السجن.

في ذلك الوقت، قال المدعي العام الأمريكي، ويليام بار، إنه لم يكن هناك غاز مسيل للدموع، زاعمًا أن رذاذ الفلفل ليس مهيجًا كيميائيًّا. وأنه ليس مادة كيميائية. لكن يبدو أن لخبراء المواد الكيميائية رأيًا مختلفًا، إذ يعدون رذاذ الفلفل مهيجًا كيميائيًّا قويًّا، بل سلاحًا كيميائيًّا أيضًا.

ماذا يوجد داخل رذاذ الفلفل؟

تعرف المركبات النشطة في رذاذ الفلفل مجتمعة باسم كابسيسينات «Capsaicinoids»، ويحملون رمزًا عسكريًّا يعرف بـ«OC»، وهو اختصار لكلمة «Oleoresin Capsicum» وتعني الفلفل الأحمر. أهم مادة كيميائية في «OC» هي الكابسيسين، وهي مادة مشتقة من الفلفل الحار عبر عملية كيميائية تذيب وتستخلص هذه المادة في سائل.

الكابسيسين (Capsaicin) هو المركب نفسه الذي يجعل الفلفل حارًّا، وهو مادة كيميائية مهيجة للثدييات، بما في ذلك البشر، وتنتج إحساسًا بالحرق في أي نسيج تتلامس معه. هذه المادة ينتجها الفلفل الأحمر كمواد أيضية ثانوية رادعة ضد بعض الثدييات والفطريات. ويُطلق على الكابسيسين والعديد من المركبات ذات الصلة اسم الكابسيسينات.

لا نحصل على جميع الكابسيسينات بشكل طبيعي. أحد هذه المواد يدعى «Nonivamide» (المعروف أيضًا باسم PAVA أو حمض Pelargonic Vanillylamide)، وهو مصنوع في الغالب من قبل البشر في المعمل، ولا يوجد بشكل طبيعي. الـPAVA هو مهيج شديد يستخدم في رذاذ الفلفل الاصطناعي. وبالتالي فإن هذه المواد بالفعل مواد كيميائية دون شك.

«الغاز» المسيل للدموع

«الغاز المسيل للدموع» هو مصطلح غير رسمي وهو تسمية خاطئة إلى حد ما، لأنه ليس غازًا. بدلًا من ذلك، يشير الغاز المسيل للدموع إلى أي مهيج يستخدم سلاحًا لشل حركة الناس. وبشكل أكثر تحديدًا، غالبًا ما يستخدم الغاز المسيل للدموع لوصف الأسلحة التي تطلق مهيجاتها في الهواء، إما على شكل قطرات من الهباء الجوي السائل (مثل قنابل الغاز) وإما كمسحوق (مثل كرات الفلفل). هذا التعريف الذي ذكرناه يتضمن بالتالي حتى البخاخات الشخصية التي تحملها النساء للدفاع عن النفس، والتي تستخدم الرغاوي والهلام والسوائل المهيجة.

تحتوي قنابل الغاز المسيل للدموع عادة على مادة مهيجة تسمى «2-كلورو بنزالمالونيونيتريل» (CS) و«كلوريد فينيل» (CN). كل من «CS» و«CN» عبارة عن مواد كيميائية من صنع الإنسان، اكتشفت وصنعت في المختبر، على عكس الكابسيسين (المكون التقليدي في رذاذ الفلفل).

ولكن على الرغم من أن الكابسيسين قادم من الفلفل الحار، ما يزال رذاذ الفلفل سلاحًا مهيجًا يمكن توصيله على شكل هباء أو مسحوق. وبالتالي يجب عده نوعًا من الغاز المسيل للدموع بشكل لا لبس فيه.

مخاطر رذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع

يعمل رذاذ الفلفل والغاز المسيل للدموع على الفور تقريبًا، مما يجبر العينين على الإغلاق وإطلاق فيضان من الدموع، إلى جانب نوبات السعال وصعوبة التنفس. هذا يعني أن الشخص المستهدف يصبح أعمى وعاجزًا بشكل فعال. ونظرًا إلى أن العوامل المسيلة للدموع تعمل على مستقبلات الأعصاب التي تساعدنا على الشعور بالحرارة، فإنها تحفز أيضًا إحساسًا شديدًا بالحرق. ويمكن أن تستمر التأثيرات المجمعة لرذاذ الفلفل في أي مكان من 15 دقيقة إلى أكثر من ساعة، لكن تهيج العين واحمرارها يمكن أن يستمر لمدة تصل إلى 24 ساعة.

في حالات التعرض المنخفض والمتكرر، من غير المحتمل أن يتسبب الأمر في ضرر دائم. لكن أبلغ عن بعض الأدلة في البشر على الآثار طويلة المدى بشكل رئيسي، نتيجة التعرض لجرعات عالية لفترات زمنية طويلة. ومع ذلك، هناك القليل من البيانات والدراسات على البشر، وأغلب المتاح يتعلق بدراسات على مجموعات سكانية ضعيفة ومحددة.

نشرت مجلة طب العيون الاستقصائي والعلوم المرئية دراسة خلصت إلى أن التعرض الفردي للعين إلى «OC» غير ضار، ولكن التعرض المتكرر يمكن أن يؤدي إلى تغييرات طويلة الأمد في حساسية القرنية. ولم تجد الدراسة انخفاضًا دائمًا في حدة البصر. وبالنسبة لأولئك الذين يعانون من الربو، أو يتناولون أدوية أخرى مرتبطة بالتنفس، أو الذين يخضعون لتقنيات تقيد ممرات التنفس، يكون هناك خطر الموت.

ولاحظ العلماء أن آثار رذاذ الفلفل أكثر شدة من الغاز المسيل، بما في ذلك العمى المؤقت الذي يستمر من 15 إلى 30 دقيقة، وحرقان في الجلد يستمر من 45 إلى 60 دقيقة، وتشنجات في الجزء العلوي من الجسم تجبر الشخص على الانحناء إلى الأمام، والسعال الذي لا يمكن السيطرة عليه مما يجعل الشخص يتنفس بصعوبة أو عدم القدرة على التحدث لمدة تتراوح بين 3 و15 دقيقة.

وخلص الجيش الأمريكي، في دراسة عام 1993، إلى أن رذاذ الفلفل يمكن أن يسبب تأثيرات مسرطنة، وتسمم بالقلب والأوعية الدموية والرئة، بالإضافة إلى تسمم عصبي. ومع ذلك، تمت الموافقة على استخدام رذاذ الفلفل على نطاق واسع في الولايات المتحدة، على الرغم من تحفظات العلماء العسكريين الأمريكيين.

الغاز المسيل للدموع في زمن كورونا

ما لا يعرفه البعض هو تأثير استخدام مثل هذه المواد في ظل تفشي فيروس كورونا. بما أن الغاز المسيل للدموع يهيج الرئتين، ولأن كوفيد-19 هو في الغالب مرض تنفسي، فهناك شكوك في تأثير سلبي لاستخدام هذه المواد الآن، وتساؤلات عن أنها تزيد من إمكانية الإصابة بالفيروس.

لكن بما أن الفيروس المسؤول عن الوباء الحالي فيروس جديد، فلا يوجد تاريخ أو سابقة تخبرنا ما إذا كان التعرض للغاز المسيل للدموع سيعزز من فرص الإصابة أم لا. وإذا كان التعرض للغاز المسيل للدموع قصيرًا، وكان الفرد المعني بصحة جيدة في البداية، وانحسر التهيج الناتج بسرعة، فمن المنطقي أن نفترض أن التعرض للفيروس لن يزداد. ولكن، مرة أخرى، ليس هناك سابقة أو تاريخ يؤكد لنا أي نتائج الآن.

Embed from Getty Images

رذاذ الفلفل والغاز المسيل أسلحة كيميائية

المواد المهيجة الكيميائية مثل «OC» و«CS» و«CN» لها رموز عسكرية لأنها أسلحة كيميائية. ويطلق عليها «أقل فتكًا» لأنها أقل قتلًا من الأسلحة التقليدية. ومع ذلك، يمكن أن يتسبب استخدامها في حدوث وفيات. من الناحية الفنية، يصنف رذاذ الفلفل والغازات المسيلة للدموع الأخرى على أنها عوامل مسيلة للدموع، لأنها تهاجم الأغشية المخاطية في العين والجهاز التنفسي، وهو ما يتسبب في سقوط الدموع كرد فعل على حالة الهيجان.

دولي

منذ 4 شهور
نصائح لأمريكا والعالم.. رئيس جورجيا السابق يروي قصة إصلاح الشرطة في بلاده

ظهرت العوامل المسيلة للدموع في ساحات المعارك في الحرب العالمية الأولى. تمتلئ قذائف المدفعية بمواد كيميائية مثل بروميد الزيليل (Xylyl bromide) و(Chloroacetone) وأطلقت على جنود العدو. أضيفت أيضًا تلك العوامل التي تؤدي إلى الاختناق والتقرح والقيء مع تصاعد سباق التسلح الكيميائي.

في عشرينيات القرن العشرين، ظهر بروتوكول جنيف لحظر استخدام الأسلحة الكيميائية العشوائية وغير الفعالة في ساحة المعركة. اليوم، الاستخدام غير المبرر لعوامل مكافحة الشغب الكيميائية يهدد بتقويض النظم التي تهدف إلى حمايتنا من أخطر المواد الكيميائية المسلحة.

وحظرت الاتفاقية الدولية للأسلحة الكيميائية لعام 1993، بروتوكول جنيف، استخدام الغاز المسيل للدموع حين تكون القوات العسكرية في حالة حرب. ومع ذلك، فقد وافق عدد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، على استخدام الغاز المسيل للدموع للسيطرة على أعمال الشغب المدنية والسيطرة على الحشود من الأشخاص غير العسكريين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد