829

«أنا لست متأكدًا من أن حكومة توني بلير، كان بإمكانها أخذ الشعب البريطاني نحو حرب العراق، لولا الدعم العنيد الذي قدمته صحف مردوخ. ليس هناك شك أن ذلك جاء من مردوخ نفسه».

هكذا يقول بول داكر، رئيس تحرير صحيفة ديلي ميل البريطانية، في شهادته التي أدلاها في تحقيقات ليفسون، المتخصصة في ممارسات الإعلام، مُظهرًا دور رجل الأعمال الأمريكي روبرت مردوخ، من خلال وسائل الإعلام العالمية والبريطانية التي يمتلكها، في حشد بريطانيا نحو حرب العراق.

ومردوخ هو ملياردير أمريكي، يناهز عمره 85 عامًا، يمتلك مجموعة كبير ة من القنوات والمؤسسات الإعلامية الأمريكية والعالمية، تُعد من «اللوبيات» المؤثرة في السياسة الأمريكية والبريطانية. ويدعم مردوخ إسرائيل، ويُعادي العرب والمسلمين، وعلى صلة قوية بالحزب الجمهوري الأمريكي، ويدعم دونالد ترامب مُرشح الحزب في انتخابات الرئاسة الأمريكية. وكان له دور كبير في تهيئة الرأي العام البريطاني لغزو العراق.

حين اتصل مردوخ ببلير

لم تكن العلاقات الأمريكية البريطانية على ما يرام دائمًا قبل غزو العراق، و كان هناك فصيل في البيت الأبيض، يتضمن وزارة الدفاع الأمريكية، لا يُبالي كثيرًا بمشاركة بريطانيا من عدمها في الغزو الأمريكي للعراق. وظهر ذلك بشكل أوضح مع تصريحات دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، الذي أعلن في مؤتمر صحافي، قبل ثمانية أيام من غزو العراق، بشكل صريح، إن أمريكا قد تبدأ في غزو العراق «بدون بريطانيا».

وفي ليلة هذا الإعلان الأمريكي، اتصل روبرت مردوخ هاتفيًا برئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ليحدثه عن الدعم الإعلامي الذي سيصاحب الغزو. ويتحدث ألستير كاميل، الطبيب الخاص لبلير، في مذكراته عن تلك المحادثة الهاتفية، قائلًا: «كان مردوخ يُشدد على التوقيت، ويتحدث عن دعم الأخبار الدولية والعالمية لنا، إلى آخره»، لافتًا إلى أنه اعتقد هو وبلير، أن مردوخ كان مدفوعًا من واشطن لتضرب أمريكا مثالًا آخر لـ«الدبلوماسية الأمريكية الجافة».

وبعد أسبوع من تلك المحادثة، شاركت بالفعل بريطانيا مع أمريكا في غزو العراق، في حرب بدأت في 20 مارس (آذار) 2003، وأسفرت عن مقتل مئات آلاف العراقيين، ونزوح ملايين اللاجئين العراقيين. وكان مردوخ يقول، إن أحد الفوائد المتوقعة من غزو العراق، انخفاض أسعار النفط!

وجاءت الحرب عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، بدعوى الحرب على الإرهاب، وتحت مزاعم أن العراق تمتلك أسلحة دمار شامل. وخَلُص تقرير تشيكلوت، الذي خرج للنور في السادس من يوليو (تموز) الجاري، إلى أن قرار بريطانيا في المشاركة في حرب العراق لم يكن سليمًا، واعتذر بلير عن المشاركة في الغزو.

اقرأ أيضًا: أكثر 10 حروب تكلفةً بشريًّا وماديًّا في التاريخ

أدوات قرع طبول الحرب

يمتلك مردوخ عددًا من الصحف البريطانية الأوسع انتشارًا في المملكة المتحدة، من أبرزها صحيفتي «ذا صن» و«التايمز»، ذلك بالإضافة إلى قناة «سكاي نيوز » البريطانية، وقناة فوكس نيوز الأمريكية، التي تعدى عدد مشاهديها 5.6 مليون شخص مع نهاية 2003، مقارنة بقناة «سي إن إن» التي وصل عدد مشاهديها آنذاك إلى 4.4 مليون شخص.

وسُخّرت تلك المنابر الإعلامية تغطيتها في تهيئة الرأي العام، لدعم الحرب على العراق، وانتقاد الأصوات المعارضة للحرب أو حتى الداعية لـ«التريث» قبل اتخاذ قرار الحرب. ويُقدر محللون بأن هناك حوالي 175 محررًا صحافيًا حول العالم كانوا يشاركون حماس مردوخ في الحرب ضد العراق.

ووثقت دراسة لمركز النزاهة العالمي ترجع ليناير (كانون الثاني) من عام 2008، حوالي ألف حالة كذب روجت لها الحملات الدعائية المؤيدة لغزو العراق. تعتمد في مجملها، على زعم وجود أسلحة دمار شامل في العراق وربطها بتنظيم القاعدة هناك, وتُفيد دراسة أخرى لجامعة بورتسموث البريطانية إن الإعلام صور للشعبين البريطاني والأمريكي على أن العالم الغربي ضحية للإرهاب وله الحق في غزو العراق

«ذا صن»: أوجد الفارق

ديفيد يلاند، رئيس التحرير السابق لصحيفة «ذا صن»، كان أكثر شغفًا لاستخدام وازع الحرب على الإرهاب للدعاية لحرب العراق والترويج لها، باعتبارها حربًا سريعة وناجحة، ستخلص العالم من «خطر الرئيس العراقي صدام حسين، وتعزز مكانة توني بلير في التاريخ».

«ائتوا بصدام»، كان هذا نداء للقوات البريطانية أفردته الصحيفة على صفحتين، دعمًا لغزو العراق، وإلى جواره خبر عن حكم على أحد المتهمين في هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ، وهو ما اعتبر مراقبون أنها حيلة تكررت كثيرًا لربط غزو العراق بالحرب على الإرهاب.

وعمدت الصحيفة إلى تشويه صورة تشارلز كينيدي، زعيم الحزب الليبرالي الديمقراطي البريطاني، والذي كان من أبرز معارضي الحرب، عندما نشرت صورته على الصفحة الأولى مع ثعبان في الخلفية، وكتبت: «أوجد الفارق: هذا واحد من الزواحف ضعيفة الشخصية (في الإشارة لكينيدي). والآخر هو أفعى سامة»، في الإشارة لبلير باعتباره أفعى سامة في مواجهة الإرهاب. وعندما دعى الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلى «القليل من التريث»، قبل الانجرار لحرب العراق، وصفته الصحيفة نفسها بـ«الدودة» وساوت بينه وبين الرئيس العراقي، عندما وضعت صورته بجانب صورة الرئيس العراقي صدام حسين وكتبت «أوجد الفارق».

التايمز: عملية تهيئة الرأي العام جارية

يُفيد تقرير تشيلكوت، بأن جون ويليامز، رئيس قسم الأخبار في وزارة الخارجية البريطانية، أشاد بتغطية صحيفة التايمز في التمهيد لحرب العراق، وبعث برسالة إلى المكتب الخاص لوزير الخارجية البريطاني جاك سترو، في 11 مارس (آذار) 2003، قال فيها إن «عملية تهيئة وسائل الإعلام والرأي العام لإمكانية اتخاذ إجراءات في العراق جارية».

كان رئيس تحرير جريدة التايمز آنذاك، الصحافي روبرت طومسون، وقد حرّك الصحيفة للوقوف وراء الحرب، فيما ظلت الصحيفة متحمسة للحرب قبل بدءها وأثناء اندلاعها. وفي 10 أبريل (نيسان) 2003، ترأّس الصحيفة عنوان «نصر حرب الواحد وعشرين يوما».

«أغلقوا بي بي سي وافتحوا سكاي نيوز»

كشفت دراسة أجراها البروفيسور جوستين لويس، من كلية الصحافة في جامعة كارديف، أن شبكة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) كانت من أكثر الشبكات البريطانية تأييدًا لحرب العراق، لكن ذلك لم يمنع طاقم السفينة العسكرية البحرية البريطانية آرك رويال، من إيقاف تشغيل «بي بي سي» على السفينة، بسبب ما اعتبروه تحيزًا واضحًا ضد قوات التحالف وتأييدًا للعراق.

وأفاد الطاقم أن «بي بي سي» أعطت ائتمانا للتقارير العراقية، أكثر من المعلومات الواردة من مصادر بريطانية، أو من الحلفاء، ودائمًا ما واجهت تقارير التحالف بالتساؤلات والرفض، في حين تبث «الادعاءات العراقية من الضحايا المدنيين دون التحقق من مصدر مستقل».

وانتهى الحال بطاقم السفينة إلى إغلاق «بي بي سي»، رغم وجود مراسل لها على متن السفينة، وفي المقابل ركزوا مشاهداتهم على قناة سكاي نيوز، بغية الاستماع إلى آراء أكثر تحيزًا للحرب ضد العراق.

واشتهر عن سكاي نيوز، عرضها استطلاع رأي، زعمت فيه أن الأغلبية الساحقة من البريطانيين، يؤيدون بلير دون الاعتراف بأن الاستطلاع عشوائي وغير علمي، لمحاولة إظهار الغطاء الشعبي الداعم لقرار بلير في غزو العراق.

تعليقات الفيسبوك