محمد صلاح عبد الجواد 8
محمد صلاح عبد الجواد 8

13,192

2017، كان في نظر الكثيرين «عام محمد صلاح في مصر» لا سيما وأنه استطاع أن يحقق إنجازات استغرق آخرون سنوات عدة لتحقيقها؛ في البداية عاد بمنتخب مصر إلى كأس الأمم الأفريقية بل وساهم بشكل كبير في وصول المنتخب المصري للمباراة النهائية أمام الكاميرون، وبعد مشوار طويل في التصفيات وبعد نهاية درامية صعبة لمباراة كرة قدم؛ سجلت قدم محمد صلاح هدفين صعدا بمصر إلى كأس العالم في روسيا بعد غياب 28 عامًا، وهذه كانت الدفعة القوية التي أكسبت محمد صلاح ثقة عظيمة بنفسه؛ فانطلق في الدوري الإنجليزي مع فريق ليفربول يناطح أغلى وأمهر اللاعبين في الدوري الإنجليزي على صدارة الهدافين: ففي الوقت الحالي يحتل صلاح المركز الثاني بين اللاعبين الأكثر تهديفًا بعد لاعب توتنهام «هاري كين» ويحصد جوائز مثل أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي وليفربول لشهر نوفمبر(تشرين الثاني) وزينت صورته مبنى هيئة الإذاعة البريطانية الـ«BBC» بعد أن اختارته الهيئة أفضل لاعب في القارة الأفريقية لعام 2017.

وبالأمس زينت تلك المسيرة الحافلة بفوز محمد صلاح، بجائزة أفضل لاعب أفريقي لعام 2017، فى حفل توزيع جوائز «كاف»، الذى أقيم ليل الأربعاء، في العاصمة الغانية أكرا، وأصبح صلاح ثاني لاعب مصري يفوز بالجائزة بعد محمود الخطيب، لاعب النادي الأهلي السابق ورئيس مجلس إدارته الحالي، وحققها عام 1983.

ويبقى هنا السؤال «كيف يعمل عقل محمد صلاح؟»، صاحب كل تلك الإنجازات التي عجزت أجيال بكاملها من قبله أن تحققها، هل هو من أصحاب العقل المنظم الذي يقوم بحساب خطوة تلو الأخرى؟، أم هو يفضل الطريقة العشوائية في عيش حياته بلا خطط محددة؟

بدون مشط للحواجب.. عقل صلاح ليس كأبناء جيله

في إحدى الحوارات التلفزيونية قال أحمد حسام ميدو، لاعب منتخب مصر وفريق توتنهام السابق، أنه من الصعب التعامل مع اللاعبين الذين ينتمون للجيل الحالي، لأن الكثير من اللاعبين يحصلون على شهرة عالية في سن مبكرة بسبب كثرة الأبواق الإعلامية بجانب «السوشيال الميديا» ، ولذلك أصبح إحساس هؤلاء بالمسئولية تجاه الأداء الكروي سواء في المباريات أو التدريبات قليل للغاية، لذلك نرى الكثير من لاعبي الجيل الجديد ينقطعون عن التمارين أو المشاركة في المباريات إذا حدث خلاف صغير بين أحدهم وبين الجهاز الفني وإدارة النادي.

وحكى ميدو أيضًا أن هناك الكثير من اللاعبين في الوقت الحالي يعطون شكلهم وأناقتهم اهتمامًا أكبر من الاهتمام المفروض أن يكرسوه لأدائهم في ملعب المباراة، وحكى ميدو موقفًا حدث معه أثناء عمله مديرًا فنيًا، أنه في واحدة من المباريات كان يجهز لاعبًا للدخول إلى الملعب فوجده متأخرًا؛ لأنه كان يمشط حواجبه.

أما عن محمد صلاح فمن الواضح أن هذه الظاهرة لم تمسه على الإطلاق، وخير دليل على ذلك أنه ومنذ ظهوره في عام 2011 وحتى الآن يحافظ على هيئته وتسريحة شعره الثابتة التي يتضح أنه لا يبذل الكثير من الوقت والمال لكي يجعلها منمقة ومختلفة عما هي عليه.

أما بالنسبة لإحساس محمد صلاح بالمسئولية والإيمان تجاه كرة القدم؛ فهو كل يوم يزداد إيمانًا بكرة القدم، وعلى سبيل المثال  أنه في كأس العالم للشباب 2011 لم يكن صلاح بالمستوى الذي نراه عليه الآن، فقد كان يهدر الكثير من الفرص ولم يسجل سوى هدف وحيد من ضربة جزاء في مبارة الأرجنتين في دور الـ16 التي انتهت بفوز الأخير وخروج مصر من البطولة، أما عن اللاعب الذي تسبب في الحصول على ضربة الجزاء، فكان صالح جمعة الذي أشركه كابتن ضياء السيد لأول مرة في البطولة في هذه المباراة، واستطاع صالح جمعة بالفعل أن يحدث الفارق منذ اللحظات الأولى للمسه الكرة إلى أن حصل على ركلة جزاء، ويظهر أنه ربما يملك من الموهبة الفنية إمكانات أكبر من محمد صلاح، ولكن على عكس محمد صلاح؛ فالظاهرة التي تحدث عنها أحمد حسام ميدو مست صالح جمعة، وذلك يتبين في كثرة المشاكل التي أحدثها صالح جمعة وتغيبه عن فريقه بسبب خلافات مع الجهاز الفني، وهذا على الرغم من أنه في بداية الموسم كان من نجوم الفريق الأول في النادي الأهلي.

عقل محمد صلاح لا يعرف المستحيل

سبب آخر أن محمد صلاح لم يخطف الأنظار في كأس العالم للشباب عام 2011؛ هو أن الأنظار كانت متجهه نحو لاعب آخر هو لاعب الزمالك محمد إبراهيم، كان إبراهيم سريعًا ومهاريًا يصنع الكثير من الفرص ويستطيع المرور بين المدافعين بسهولة، استطاع إبراهيم وقتها تسجيل ثلاثة أهداف دفعة واحدة في مباراة النمسا التي انتهت بخمسة أهداف نظيفة للمنتخب المصري وضعته في دور الـ16 من البطولة، ولكن  كثرة الخلافات مع إدارة ناديه فيما بعد وكثرة الإصابات أبعدته عن المستقبل المشرق الذي كان من المفروض أن يعيشه الآن، وعندما أُتيحت له الفرصة للاحتراف واللعب في نادي ماريتيمو البرتغالي، عاد بعد ثلاثة أشهر دون أسباب مقنعة، فلم يستطع التأقلم وعاد أدراجه كأي لاعب مصري فشلت تجربته الاحترافية بسبب عدم تأقلمه مع العيش في أوروبا.

أما صلاح فكان مختلفًا، لم يوقفه الصدام الثقافي واختلاف شكل الحياة في أوروبا عن مصر في بداية رحلته الاحترافية ؛ ففي حوار له نشره موقع نادي ليفربول الرسمي يقول صلاح: أنه كان يقضي خمس ساعات يوميًا وحيدًا في شوارع بازل لأنه لا يتكلم اللغة الألمانية التي يتحدثها أهل البلد، ولا حتى اللغة الإنجليزية وبسبب انشغاله في التدريبات والتركيز على النهوض بمستواه الكروي، لم يستطع التركيز بشكل كبير على دورات اللغة.

وبسبب التزام محمد صلاح الديني لم ينغمس في الحياة المُنفتحة في أوروبا، ولم يكن مثل كثير من اللاعبين العرب والمصريين الذين إذا وضعوا قدمًا في أوروبا تخلوا عن العادات والقيم التي نشؤوا عليها وانغمسوا في الحياة الأوروبية، وبعيدًا عن أي نزعة قيمية هنا؛ فإن التغير الكلي للثقافة وأسلوب الحياة دائمًا ما ارتبط بآثار سلبية على حياة المحترف  في البداية، ويستمر هذا الأثر على إنتاجيته وحياته العملية لوقت ليس بقصير، وبالعودة للحديث عن اللغة التي هي عنصر أساسي والتي بدونها قد يشعر الشخص أنه غريب ومنعزل عن من حوله؛ فعندما انتقل محمد صلاح إلى تشيلسي لم يكن في قائمة جوزيه مورينيو الأساسية، وهذا لم يدفع صلاح إلى التذمر أو إثارة الخلافات، بل انتهز صلاح وجوده في إنجلترا وعمل على تحسين لغته الإنجليزية، حتى أصبح يمتلك مستوى جيدًا فيها، لذلك لم تقابله الكثير من المشاكل عندما انتقل للعب في فيرونتينا أو روما، بل ازداد صلاح في التألق لأنه أصبح قادرًا على التواصل مع اللاعبين بشكل أفضل.

عندما تمت إعارة محمد صلاح إلى نادي فيورنتينا الإيطالي بعد جلوسه على مقاعد البدلاء في تشيلسي لمدة عام، اعتقد البعض أن هذه هي بداية النهاية لمشوار محمد صلاح الاحترافي، ولكن  لم يعلم هؤلاء أن الطفل الذي كان يقضي ثمان ساعات لمدة خمسة أيام في الأسبوع للسفر من بسيون إلى نادي المقاولون لأنه يؤمن بنفسه، لم ولن يتخلى عن حلمه بسبب جلوسه على مقعد البدلاء في تشيلسي، وعندما ذهب إلى إيطاليا أتيحت لصلاح الفرصة للمشاركة في مباريات الدوري الإيطالي بشكل أساسي وتطور أدائه وفكره وقدراته الجسمانية حتى أثار اهتمام مسؤولي نادي روما النادي الأعرق في أيطاليا.

عقل صلاح ينضج ويكبر بمرور الوقت.. وإحصاءاته أيضًا

في أول حوار إعلامي لمحمد صلاح بعد انتقاله من بازل السويسري إلى صفوف تشيلسي الإنجليزي، كان يبدو فرحًا للغاية ولكنه كان يبدو مرتبكًا وخائفًا أيضًا. كل الأسئلة كان يرد عليها بأنه سعيد وأنه ممتن للانتقال إلى ناد من أفضل الأندية في العالم، لا يناسب وصف صلاح في هذه المرحلة إلا وصف ستيفن جيرارد حينها ربما بأنه كان طفلًا عندما انتقل إلى تشيلسي.

بعد سنة ونصف انتقل إلى صفوف روما، وفي أول حوار إعلامي؛ أصبح صلاح ناضجًا هذه المرة يتحدث عن أمور فنية وعن طرق اللعب التي يفضلها، وتحدث باللغة التي تدل على أنه شخص مؤثر لم يأت لروما من أجل الحصول على شرف ارتداء قميص الفريق الإيطالي فقط، بل لحصد البطولات المحلية والقارية. ومنذ فترة وبعد أن وقع لفريق ليفربول كان صلاح يتحدث في أول حوار له مثل النجوم برصانة شديدة يعي ويفهم ما يقوله، ومن أهم ما قاله: «أنا آمل أن أساهم في تحسين نتائج ووضع الفريق هذا الموسم»، وهو ما حدث.

أول حوار صحفي لمحمد صلاح بعد انتقاله إلى تشيلسي

صلاح بعد انتقاله إلى روما

محمد صلاح في أول حوار صحفي له مرتديًا قميص ليفربول

أما بالنسبة للإحصائيات؛ يمكننا أن نقول أن عقل محمد صلاح أصبح يعمل بشكل أسرع وأمهر فيما يخص كرة القدم، ففي  الخمس سنوات الأخيرة يزداد معدل صلاح التهديفي في كل موسم عن الموسم الذي يسبقه، فبعد أن سجل أربعة أهداف فقط في أول موسم له في الاحتراف مع بازل، استطاع محمد صلاح هذا العام أن يسجل 23 هدفًا فقط في نصف الموسم الأول بعد ارتداء قميص ليفربول، ولذلك ارتفع سعر محمد صلاح إلى 72 مليون يورو بعد أن اشتراه ليفربول من روما بـ42 مليون يورو فقط،  وهذا يوضح أن سعر محمد صلاح زاد بمقدار 72.5 مليون يورو في خمس سنوات فقط، ففي بداية مشواره الاحترافي اشتراه نادي بازل السويسري من المقاولون العرب بمليون ونصف يورو فقط.

صلاح لم يطمح في اللعب بالأهلي عام 2011

اللعب لنادي الزمالك أو الأهلي هو حلم يتمناه الكثير من اللاعبين الصغار، لأن هذه الأندية هي الأكثر تتويجًا بالبطولات واللاعبين الذين يلعبون للأهلي أو للزمالك هم الأكثر أجرًا والأهم أنهم الأكثر شهرة بين اللاعبين الكرة في مصر، لعدة عوامل كثيرة قد تكون بعضها أحيانًا تحيز الإعلاميين لبعض من هؤلاء اللاعبين، لذلك عندما يتألق لاعب ما في الأهلي أو الزمالك ويحصل على شهرة عالية ويحاول سلك تجربة الاحتراف في الخارج؛ يكون مصيره غالبًا هو الفشل، لأن في الاحتراف في البداية قد يجلس على مقاعد البدلاء لفترة لا بأس بها حتى يثبت نفسه، وبالطبع لا ينال نفس الشهرة التي كان ينالها من الجماهير المصرية،  لأنه لاعب جديد في صفوف النادي الجديد الذي يلعب له، لذلك لا يجد بعض اللاعبين الراحة إلا في العودة إلى مصر لتوافر عوامل الشهرة والمشاركة، وذلك بجانب أسلوب الحياة المصري الذي نشأ عليه اللاعب.

أما عن محمد صلاح ففي حوار صحفي له مع جريدة الأهرام عام 2011، قال إنه لم يطمح يومًا باللعب في النادي الأهلي، وعندما كان صغيرًا كان يتابع لاعبين مثل رونالدو وزيدان وتوتي ويحاول تقليدهم، وكان يحلم باللعب في ملعب أنفيلد وهو الحلم الذي استطاع صلاح تحقيقه لأول مرة عندما لعب في صفوف تشيلسي.

اقرأ أيضًا: صلاح ليس وحيدًا.. 5 لاعبين رُفضوا في بداية مشوارهم ثم أصبحوا أساطير كروية