توصلت إيران والقوى العالمية (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا)  الخميس الماضي في لوزان السويسرية إلى “اتفاق إطار” بشأن برنامج إيران النووي لعشر سنوات على الأقل، في خطوة اعتبرت تاريخية نحو اتفاقية نهائية قد تنهي 12 عامًا من سياسة ما توصف بحافة الهاوية والتهديدات والمواجهة.

وتضمن الاتفاق في مجمله تعليق أكثر من ثلثي قدرات التخصيب الإيرانية الحالية، ومراقبتها لمدة عشر سنوات إذا تمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق شامل بحلول الثلاثين من يونيو/حزيران المقبل، ونقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب للخارج، وتخفيض أجهزة الطرد المركزي.

ما هو موقف السعودية من هذا الاتفاق وكيف تتصرف الآن ردا عليه؟

رغم إعراب الملك السعودي سلمان عن أمله في أن يتم الوصول إلى اتفاق نهائي مع إيران  يؤدي إلى تعزيز الأمن والاستقرار إلا أن موقف السعودية التي تتنافس مع إيران واضح، فالسعودية قلقة جدًا من أن يكون الاتفاق، الذي توصلت إليه طهران مع الدول الست الكبرى، سببًا لتخفيف الضغط الدولي عن إيران، وهو ما قد يمنح طهران مجالا أرحب لتسليح وتمويل وكلائها في المنطقة العربية.

بل يذهب السعوديون إلى أن يكون الثمن هو قبول الغرب بالسيطرة الحوثية في اليمن، والتدخل لمنع حرب برية، وهناك من يتوقع بسط يد إيران في العراق بعدما اعترفت أمريكا لها بهذا الدور لميليشياتها الطائفية والحرس الثوري هناك في مواجهة الدولة الإسلامية (داعش)، وهناك أيضا من يرى أن الثمن سيتم دفعه في سوريا أيضا بالقبول باستمرار حكم الأسد، وأيضا القبول بسيطرة حزب الله على الساحة اللبنانية والسعي لمنع حرب إسرائيلية لبنانية عبر لجم كل طرف للقوة التي يسيطر عليها.

ويقول محللون إن ما يثير قلق السعودية وحلفائها لا يتعلق كثيرا بالتوصل لتسوية نووية نهائية، وإنما بحدوث تقارب أمريكي إيراني يقوي شوكة طهران ويشجعها على تعزيز نفوذها بالمنطقة. ولكن كيف ستتحرك السعودية لمواجهة هذا الاتفاق؟

  1. يعتبر تحرك السعودية بشأن اليمن دليلًا على حقبة أكثر صرامة وحزما للسياسة الخارجية السعودية أساسها القيام بتحركات مباشرة ضد إيران بدلا من الاعتماد على مساعدة غربية وخاصة مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، ويقول الباحث بمركز الملك فيصل بالرياض سعود السرحان: “إذا انتصرنا في اليمن كما هو مرجح فإن هذا سيمثل نهاية عقد من القوة لإيران في المنطقة وسيصبح النفوذ السعودي أقوى وأقوى”.
  2. تقوم السعودية بتطوير سياستها الخارجية لتصبح أكثر حزما، وعلى الرغم من أنها مازالت تنظر إلى واشنطن باعتبارها حليفة وثيقة فإن السعودية لم تعد تعتقد أن باستطاعتها الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عنها وعن حلفائها في مواجهة ما تعتبرها سياسة توسعية إيرانية في الدول العربية منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق عام 2003، فالسعودية باتت تشعر أن الولايات المتحدة الأمريكية حليفتها الكبرى خدعتها وتحالفت مع إيران من وراء ظهرها.
  3. شكلت السعودية تحالفًا مع دول سنية أخرى، حيث تمثل العلاقات مع دول سنية أخرى بالمنطقة عنصرا أساسيا لهذا الموقف السعودي الأكثر حزما خاصة العلاقات الأمنية مع مصر وباكستان، فقد قام رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف بزيارة الرياض فيما اعتبر سعي الملك سلمان إلى بناء تحالف إقليمي لمواجهة إيران.
  4. لمحت السعودية أكثر من مرة إلى أنها ستسعى لامتلاك أسلحة ذرية إذا قامت طهران بذلك وذكر كبار أمراء الأسرة الحاكمة أن الرياض ستسعى للحصول على نفس الحقوق النووية التي تتفق القوى العالمية عليها مع إيران في المحادثات التي جرت في مدينة لوزان في سويسرا، ويعقب عبد العزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث ومقره جدة وجنيف بالقول: “إذا امتلكت إيران قنبلة نووية فإن السعودية سيكون عليها أن تفكر بجدية شديدة في موازنة ذلك، السعودية لن تقف مكتوفة الأيدي”.
  5. ومن بين الاحتمالات التي تتردد أيضا، احتمال إقدام السعودية على شراء سلاح من باكستان أو الدخول تحت مظلتها بدلا من محاولة استخدام برنامجها النووي المدني لإنتاج قنبلة وهي عملية معقدة يصعب الحفاظ على سريتها. يقول رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز بن صقر: “أن السعودية أرسلت ما يكفي من المؤشرات. وهي تتمتع بعلاقة قوية جدا مع باكستان التي تملك بعض القدرات. إذا كان جيراني يمتلكونها فلماذا علي أن أنتظر لحين أن أصبح تحت تهديد؟ سأحمي مصالحي”.

كيف نظرت إسرائيل لهذا الاتفاق وكيف ستتعامل معه؟

الاتفاق “تهديد إستراتيجي”، “خطأ تاريخي”، “اتفاق إطار سيء”، “اتفاق خطير”، بعض من التصريحات التي خص بها قادة في دولة الاحتلال الإسرائيلي الاتفاق النووي. حيث ترى دولة الاحتلال أن الاتفاق المطروح سيؤدي إلى إزالة القيود عن المشروع النووي الإيراني في غضون بضع سنوات، مما سيتيح لإيران إنتاج عدد كبير من القنابل الذرية خلال فترة لا تتجاوز عدة أشهر.

نتنياهو الذي ألقى كلمة في الكونغرس الأمريكي للتحذير من خطورة الاتفاق، لم يكتفِ بقيام 47 من أعضاء الكونجرس بتقديم مذكرة جماعية إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما يحذرونه فيها من إبرام أي اتفاق نووي مع إيران، ولن يكف عن تكرار أن “إسرائيل” ستفعل ما بوسعها لضمان أمنها. ومن تلك الخيارات:

  1. لوحت دولة الاحتلال الإسرائيلي ردًا على هذا الاتفاق باللجوء إلى القوة لمنع طهران من امتلاك السلاح النووي، لكن الخبراء يرون أن خيارات الدولة العبرية محدودة، حيث لا يستطيع نتنياهو شن عدوان عسكري على إيران وحده، بعد التوصل إلى هذا الاتفاق مع الدول الكبرى، ومهمته باتت صعبة إن لم تكن مستحيلة.
  2. التحرك في مجالي الدبلوماسية والاستخبارات، حيث أكد وزير الاستخبارات الإسرائيلي يوفال شتاينيتز على أن “بلاده ستتحرك في مجالي الدبلوماسية والاستخبارات لكن إذا لم يكن لدينا خيار فالخيار العسكري على الطاولة”، وترشح الآن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية للتفاقم بعد التقارير التي كشفت عن قيام المخابرات الإسرائيلية  “موساد” بالتجسس على المفاوضات السرية وكل الاتصالات الأمريكية الإيرانية بشان الاتفاق الإطاري النووي مع إيران الأسبوع الماضي.

وفعليًا ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية أن “المخابرات الإسرائيلية استطاعت اختراق المحادثات السرية بين الأمريكيين والإيرانيين، وذلك بهدف إفساد تلك المحادثات والتأثير على مواقف مجموعة 5+1 التي تعبر عن الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي مع ألمانيا في مفاوضاتهم مع إيران بشأن البرنامج النووي الإيراني. وطبقا لـ”وول ستريت جورنال”، تأكد للمخابرات الأمريكية المركزية امتلاك إسرائيل لمعظم المعلومات التفصيلية عن الاتصالات الإيرانية الأمريكية النووية، وأنه تم للإسرائيليين الحصول عليها من خلال التجسس والتنصت على أطراف كانت طرفا في تلك الاتصالات السرية، واستخدام تلك المعلومات في التأثير على مواقف أعضاء في مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكي ممن يعارضون المفاوضة بين واشنطن وطهران وإمدادهم بالحجج والمعلومات السرية التي تعزز من مواقفهم الرافضة للتقارب الأمريكي الإيراني، وهو الموقف ذاته الذي تتبناه حكومة نتنياهو.

ما هو موقف الكونغرس الأمريكي من اتفاق أوباما مع إيران؟

The United States Capitol Building

تصاعد الخلاف بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما وبين الأغلبية الجمهورية في الكونغرس على خلفية الاتفاق النووي مع إيران، فتلك الأخيرة حُذرت من قبل 47 عضوًا من أعضاء الكونغرس من الغالبية الجمهورية وبينهم رئيسها، ميتش ماكونيل، ومرشحون محتملون لخلافة أوباما من توقيع اتفاق مع إدارة أوباما قد يسقطه الرئيس المقبل بجرة قلم!

ورغم أن أوباما يحاول إقناع الجمهوريين وعدد من الديموقراطيين في الكونغرس بعدم إفشال المفاوضات الدولية حول الملف النووي الإيراني قبل التوصل إلى اتفاق نهائي بحلول 30 حزيران/ يونيو إلا أن أعضاء الكونغرس يريدون وقف كل أنشطة التخصيب وشفافية البرامج العسكرية الإيرانية وإغلاق موقع فوردو.

ويحتاج الجمهوريون إلى أربعة ديموقراطيين آخرين من أجل الحصول على غالبية الثلثين الموصوفة (67 صوتا من أصل 100) الضرورية لتخطي فيتو الرئيس، ولا يستبعد المحللون أن يتحول الجدل حول الملف النووي إلى خلاف بين الحزبين مع بدء الحملات للاستحقاق الرئاسي في 2016.

ويعتقد الكاتب الأمريكي بيتر بيكر إن أوباما سيجد صعوبة في تسويق الاتفاق للكونغرس حيث يرى الجمهوريون وعددٌ من الديمقراطيين أن أوباما أصبح مهووسا بتحقيق صفقة لدرجة أنه يريد التنازل عن المصالح الأمنية لأمريكا وإسرائيل. وسيواجه أوباما مهمة صعبة لإقناع المتشككين ومنهم أصدقاؤه بحيوية الاتفاق، لذا على الرغم من التوصل لاتفاق مبدئي مفصل مع إيران مازال أمام أوباما مهمة جسيمة تتمثل في منع الكونجرس من إفساد الاتفاق النووي مع طهران والحفاظ على المحادثات من الانهيار بسبب التفاصيل الدقيقة.

يذكر أن موعد التصويت ضمن اللجان على مشروع كوركر- ميدننديز لا يزال مقررًا في 14 نيسان/ أبريل عند عودة الكونغرس من عطلة الأعياد، أما موعد التصويت في مجلس الشيوخ على مشروع القانون هذا فلم يحدد بعد، إذ لا يزال زعيم الغالبية ميتش ماكونال الذي يقوم برحلة في الخارج يلتزم الصمت حول الموضوع.

ما هي أبرز بنود الاتفاق؟

من أبرز ما تم التوصل إليه هو تخفيض قدرات التخصيب لإيران، بحيث لا يكون هناك مواد انشطارية في منشأة (فوردو)، التي اتفق على تحويلها إلى “مركز تكنولوجي وفيزيائي”، أما منشأة (آراك) فلن تنتج بلوتونيوم للتسليح، إلى جانب تخفيض مخزون إيران من اليورانيوم قليل التخصيب من 10 آلاف كيلوجرام إلى 300 كم فقط.

وبحسب الخارجية الأمريكية سيكون على إيران الالتزام بما يلي:

  • التزمت إيران إلى أجل غير مسمى بعدم إعادة معالجة أو إعادة البحث والتطوير في مجال الوقود النووي المستنفد.
  • ستقوم إيران بشحن كل وقودها المستعمل من المفاعل إلى خارج الدولة لمدة حياة المفاعل.
  • لمدة عشر سنوات، ستقوم إيران بالحد من قدرة التخصيب المحلي والبحث والتطوير وستضمن وجود جدول زمني لسنة واحدة على الأقل.
  • سيقوم المفتشون بالتأكد من مناجم اليورانيوم ومراقبة معامل اليورانيوم باستمرار حيث تنتج إيران “الكعكة الصفراء” لمدة 25 عامًا.
  • وافقت إيران على عدم بناء أي مرافق جديدة لغرض تخصيب اليورانيوم لمدة 15 عامًا.
  • العقوبات الأمريكية على إيران فيما يتعلق بالإرهاب وانتهاكات حقوق الإنسان والصواريخ البالستية ستظل قائمة بموجب الاتفاق.

وستقوم كل من أمريكا وأوروبا بتعليق العقوبات الاقتصادية المتعلقة بالملف النووي الإيراني، في الوقت الذي ستعلق فيه الأمم المتحدة كامل القرارات الصادرة بشأن البرنامج النووي لطهران، ما يعني انتهاء كل العقوبات واستفادة ضخمة للاقتصاد الإيراني ومبيعات النفط التي يتوقع أن ترتفع إلى 100 مليار دولار سنويا بدلا من 40 حاليًا.

 

المصادر

تحميل المزيد