مُتحدثًا عن التحولات الكبرى في سياسات الشرق الأوسط التي قادتها السعودية، يقول الكاتب الصحافي محمد حسنين هيكل في حوارٍ تليفزيوني: «أردنا أن نُسقط صدام حُسين فأعطينا إيران العراق، ثم قاتلنا الحوثيين في منطقة صنعاء فسقط ثلاثة أرباع اليمن في حوزتهم، وأعلنا الحرب على إيران فصارت أقوى دولة في المنطقة، ثم إنّ السعودية تحركت خوفًا من الهلال الشيعي في الشام، فأصبح الشيعة اليوم يُشكلون دائرة جغرافية كبيرة في الجزيرة العربية باتت تُحاصر القلب –المملكة- الذي يُقاتلهم».

ويُضيف: «نحن جميعًا أخطأنا؛ والمُزعج في القضية أن غياب التصورات أودى بنا في النهاية إلى أننا هزمنا جميع أهدافنا رغم كافة الجهود؛ حاربنا الإرهاب فأصبحت أطراف الإرهاب موجودة في كل دولة عربية، والحقيقة أننا صنعنا الإرهاب الذي نُحاربه الآن؛ بداية من تنظيم القاعدة إلى داعش».

هذا التقرير يشرح لك قصة الأخطاء السياسية للسعودية التي صنعت نفوذ أعدائها، بداية من تنظيم القاعدة، نهايةً بجماعة أنصار الله الحوثي.

الحلفاء القُدامى والأعداء الجُدد.. من صنع نفوذ الحوثيين في اليمن؟

حين شنت جماعة «أنصار الله» مع الرئيس اليمني المقتول علي عبد الله صالح – وكلاهما يدين بالمذهب الشيعي الزيدي- هجومًا على العاصمة صنعاء في سبتمبر (أيلول) عام 2014، تجاهلت السعودية استغاثات الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي لإنقاذ الشرعية اليمنية طيلة أربعة أشهرٍ؛ بهدف هزيمة عدّوها السُنّي «حزب الإصلاح» وطرده من معقله في العاصمة صنعاء، التي باتت تحت فكّ عدوها الشيعي، والمفارقة أنّ السعودية هي من صنعت نفوذ خصومها في اليمن –الحوثيين والإخوان المسلمين معًا- ودعمتهم ليصبحوا قوة سياسية وعسكرية نافذة، قبل أن تتدخل السياسة بطبيعتها وتحولهم لخصمين لدودين.

ويسعى الحوثيون إلى إقامة مُلك أجدادهم الضارب في التاريخ، عبر إحياء الإمامة الضائعة من الهاشميين الذين حكموا اليمن أكثر من ألف عامٍ، قبل تأسيس الجمهورية اليمنية الحالية عام 1964، وهو ما يعني دولة شيعية على أطراف المملكة السعودية، التي قامت بالأساس استنادًا إلى الدعوة الوهابية التي أطلقها محمد بن عبد الوهاب بالتحالف مع الملوك السعوديين؛ بهدف إقامة دولة سُنيّة في شبه الجزيرة العربية ودحر ما عداها، لذا حين تأسست الدولة السعودية الحالية عام 1932، وضعت نصب أعينها إسقاط المملكة المتوكلية الشيعية في اليمن.

شرعت المملكة الوليدة في ضم جازان وعسير ونجران الحدودية تحت أملاكها، كما عمدت إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للسكان، عبر زيادة أعداد السُنة ليكونوا حائط الصد أمام المدّ الشيعي في الجنوب، وهو ما كان كافيًا لإعلان المملكة المتوكلية الحرب على السعودية عام 1934، قبل أن ترضخ بالتوقيع على «اتفاقية الطائف»، التي جعلت مناطق الحد الجنوبي أراضيَ سعودية، لكنّ الثورات الفكرية المتناقضة التي قامت عليها كلا الدولتين لم تمنعهما من التحالف بعد سنين عجاف من الحروب، عندما جمعتهما السياسة والمصلحة؛ فالسعودية نفسها التي أرادت إسقاط المملكة المتوكلية دافعت عن عدوها حين آل الحكم إلى أشخاص غير مرغوب فيهم في انقلاب عام 1948.

والأمر نفسه تكرر عام 1962، عقب انقلاب الضباط الأحرار في اليمن، وبين وليلة وضحاها أضحى الإمام بدر، آخر ملوك المملكة المتوكلية في اليمن، يحصل على دعم مالي وعسكري غير مشروط ضد الجمهوريين في الجنوب، المدعومين من الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وبعدما انتصر الجمهوريون هرب الإمام الشيعي إلى السعودية في ضيافة الملك الذي ناصب سُنّة الجنوب العداء، بعدما أعلنوا الجمهورية عام 1962.

وقد تدخلت السعودية لإسقاط الجمهورية الناشئة وإحياء الحكم الزيدي بالاستعانة بالولايات المُتحدة، ودعمهم بالمال والسلاح، لكن الخُطة فشلت؛ يقول الصحافي اليمني توفيق الجند في صحيفة «السفير العربي»: «توصل الملك فيصل إلى قناعة بعدم جدوى دعم الأئمة واستحالة إعادتهم للسلطة، فاتبع خيارًا بديلًا وذكيًا وهو اختراق الجمهوريين بالتركيز على القوى التي لا تؤمن بالجمهورية كقيمة، وتكتفي بالمشاركة بالحكم، وتلك المتضررة من تدخل المصريين وطريقة إدارتهم للملف اليمني، وقد كانت ضربة موجعة للسلطة الجديدة ولمصر معًا، وبطريقة أخرى أصبح اليمن ملفًا سعوديًّا حصريًّا من تاريخه».

بعدما اعترفت السعودية بالجمهورية عام 1970، تدخلت في اختيار رؤساء اليمن الشمالي حتى وصل الرئيس علي عبد الله صالح إلى الحكم، وهو الذي دعمته عسكريًّا وماليًّا في بسط نفوذه على الجنوب، نهاية بإعلان الوحدة اليمنية عام 1990، ورغم أنّ صالح كان يدين بالمذهب الشيعي الزيدي، فلم تكن تتوفر فيه صفات الإمامة الشيعية؛ لأنه لم يكن هاشميًّا، لذا تأسست بعدها بعامين جماعة «الشباب المؤمن»، التي تحولت إلى حركة «أنصار الله» التي طالبت بالمُلك الضائع، وهو ما وضع صراع الحكم في اليمن داخل أبناء المذهب الواحد.

وبين ليلةٍ وضحاها تحول العداء السعودي صوب الحوثيين، ومنذ عام 2004 وحتى 2010، شنّ صالح بمساعدة الرياض ست حروب ضد الحوثيين ولم يتمكن أحد من استئصال قوتهم التي استعصت على الحكومة، وحين اندلعت الثورة اليمنية في فبراير (شباط) عام 2011 عاد الحُلم القديم لحركة «أنصار الله» في إعادة الحُكم الهاشمي المسلوب، لكنّ التقارب الأبرز الذي غيّر مسار الثورة اليمنية، تمثل في التحالف الذي جمع عبد الملك الحوثي بالرئيس المخلوع ليسيطر الطرفان عام 2015 سيطرة كاملة على 12 محافظة من أصل 22، لتدخل السعودية الحرب التي فشلت في إنهائها بتكلفة قُدرت بنحو 216 مليار دولار. 

تاريخ التدخل السعودي في اليمن: هل نشهد تدخلًا جديدًا لإزاحة الحوثيين؟

تنظيم القاعدة.. كيف أسست السعودية الجهاد العالمي؟

في شهادتها أمام الكونجرس الأمريكي حول دعم السعودية للمجاهدين الأفغان، لخصت وزيرة الخاريجة الأمريكية السابقة هيلاري كلينتون قصة الجهاد العالمي قائلةً: «نحن استخدمنا العلامة التجارية للإسلام الوهابي من أجل هزيمة الاتحاد السوفيتي، دعونا نعترف أنّ الذين نقاتلهم اليوم، كُنا ندعمهم قبل 20 عامًا، لم يكن استثمارًا سيئًا؛ فقد أسقطنا الاتحاد السوفيتي في النهاية».

لكنّ القصة الأقرب تبدأ من الملك السعودي الحالي الملك سلمان، أمير مكة آنذاك، حين كان رئيس «لجنة الإغاثة» المسئولة عن جمع التبرعات للجهاديين الأفغان، بالإضافة إلى مبعوث العائلة غير الرسمي أسامة بن لادن، الذي أصبح زعيم تنظيم القاعدة فيما بعد، والذي نمت فروعه لتصل إلى أفريقيا، والشرق الأوسط، وجنوب آسيا.

في عام 1979، شنّ الاتحاد السوفيتي حربًا في أفغانستان لدعم الحكومة ضد هجمات المجاهدين الإسلاميين، الذين حصلوا على دعمٍ ماليٍ واستخباراتي سخي من الولايات المتحدة والصين والسعودية، ولأول مرة في تاريخ واشنطن استقبل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان مقاتلين إسلاميين داخل البيت الأبيض، ووصفهم بأنهم يناضلون من أجل الحرية، وكان ذلك الغطاء الأخلاقي الذي تأسس عليه تنظيم «القاعدة» فيما بعد.

كان السبب الرئيس للولايات المتحدة لدعم الإسلاميين هو منع الإمبراطورية السوفيتية من التوسع على الأراضي الأفغانية، لكنها في الوقت نفسه لم تشأ أن تدفع تكاليف تلك الحرب، لذا قامت الاستخبارات الأمريكية بزيادة محصول الأفيون وبيعه في السوق السوداء؛ لتمويل المقاومة الإسلامية للسوفييت.

ومن جهة أخرى، تحمّلت السعودية الشقّ الأكبر من النفقات في تلك الحرب، فبينما دفعت الولايات المتحدة حوالي 800 مليون دولار، كان السعوديون يتحمّلون الفاتورة الأكبر والدور المهم في تلك الحرب، بداية من تمويل الحرب بأموال النفط، نهاية باستخدام مكانة البلاد الدينية لحث المسلمين من 30 دولة على الانضمام لحركة «الجهاد» عبر «مكتب خدمات المجاهدين»، وقد بلغ تعداد المتطوعين نحو 100 ألف مقاتل.

حصد الأمريكيون مغانم المعركة ممثلة في تورط السوفيت في حربٍ دامية استمرت نحو 10 سنوات، وانتهت بانسحابهم من أفغانستان عام 1989، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي، وعلى العكس تكلّف السعوديون بالمغارم التي بدأت عقب عودة المتطوعين العرب إلى بلادهم ومعهم أفكار غير مرغوب فيها، ثم تأسيس «تنظيم القاعدة» فيما بعد، ليبدأ فصل جديد من العداء بين السعودية والجهاديين الذين صنعتهم.

وحين سمحت الحكومة السعودية للقوات الأمريكية بدخول المملكة للدفاع عنها، خلال حرب الخليج الثانية عام 1990، ثار الجهاديون على طريقتهم؛ فشهدت المملكة سلسلة تفجيرات وعمليات استهدفت المصالح الأمريكية، ووصلت إلى حدّ اغتيال وزير الداخلية السعودية وقتها، الأمير محمد بن نايف.

وفي تلك الأثناء كان السودان يشهد انقلابًا يؤسس للمشروع الإسلامي الذي رسمه حسن الترابي، وحملت ديباجة دستور الحركة الإسلامية نصوصًا واضحة للمشروع الإسلامي، وهو ما جذب أسامة بن لادن الذي انتقل للسودان ومكث فيه خمس سنواتٍ، ويصف الترابي تلك المرحلة قائلًا: «دخل ابن لادن السودان كما يدخل النسيم على البلاد أو يهطل الغيث على الأرض»، واللافت أنه حين غادر عام 1996 ترك نحو 12 مليون دولارًا بهدف استخدامها في عمليات الجهاد، وهو العام نفسه الذي اتهم فيه السودان بمحاولة اغتيال الرئيس المخلوع حسني مبارك، أثناء حضوره مؤتمر «منظمة الوحدة الأفريقية» بإثيوپيا.

وفي 11 سبتمبر عام 2001، شارك 15 سعوديًا من أصل 19 في الهجمات التي استهدفت قلب الولايات المتحدة، وقد اضطرت السعودية لدفع ملايين الدولارات لجماعات الضغط من أجل تحسين صورتها، في ظل توتر علاقاتها مع إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، على خلفية «قانون جاستا»، والذي يسمح بمقاضاة المحاكم الأمريكية للسعودية استنادًا إلى ما اعتبر من الطرف الأمريكي، تورطها في الهجمات، وهو القانون الذي ما زال يُهددها إلى اليوم. 

كيف صنعت الولايات المتحدة «الجهاد» و«تجارة المخدرات» في أفغانستان؟

الإخوان المسلمون.. حين هتف الملك السعودي: «كُلنا إخوان»

في عام 1936، وبعد ثماني سنواتٍ من تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، استقبل الملك السعودي عبد العزيز آل سعود، مؤسس الجماعة حسن البنا استقبالًا رسميًّا حافلًا تصفه الجماعة في أدبياتها بأنه «لم يكن مجرد لقاء»، خاصة أنه جاء في وقتٍ رفضت فيه المملكة المصرية آنذاك الاعتراف بالدولة الوليدة، وحين طلب البنا إنشاء فرعٍ لجماعة الإخوان المسلمين في السعودية رد الملك المؤسس: «كلنا إخوان».

في البداية تلاقت أهداف الجماعة مع الحكام السعوديين، فالأيديولوجية السياسية وقتها ارتكزت على الوحدة الإسلامية التي يتبناها الملك الذي قامت دولته على ارتباط ديني – الدعوة الوهابية- مقابل تيار الناصرية والقومية التي تنشرها مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وفي المقابل ساهمت سياسة استقطاب الوفود في موسم الحج التي تبناها الإخوان بمباركة وتشجيع مباشر من الملوك السعوديين في تأسيس ما بات يُعرف الآن «التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين» بعدما صار لهم أتباع في عدد كبير من الدول الإسلامية.

في عهد الملك فيصل -1953: 1963- فتحت المملكة أبوابها للإخوان المسلمين الهاربين من بطش النظام المصري، وصاغ الإخوان المناهج التعليمية التي توافقت مع رؤية السعودية ومذهبها الديني، إلى جانب طموحها السياسي، والذي كان قوة ردع ضد أعدائها الإقليميين، وفي مقدمتهم النظام الناصري في مصر؛ لذا كان التاج السعودي وقتها مُزينًا بـ«إخوان الدعوة الوهابية» و«جماعة الإخوان المسلمين» اللذين دعَوَا لحركة الجامعة الإسلامية والدولة الدينية والخلافة الإسلامية، والمفارقة أنّ أحفاد الملوك السعوديين ساهموا بالتعاون مع بريطانيا في إسقاط الدولة العثمانية عام 1923.

في عام 1982، بعد ثلاثة أعوام من انفجار الثورة الإيرانية، تولّى الملك فهد الحُكم في ظروفٍ قاسية؛ فأفكار جماعة الإخوان المُسلمين التي هربت من مصر في السبعينيات وجدت لها أنصارًا، اجتذبوا عددًا ضخمًا من الشباب، وظهر تيار «الصحوة» الذي اعترض على سياسات الحكومة السعودية، كما هاجم النظام الوهابي الذي قامت عليه المملكة، وطالب بتقديم خطاب ديني معتدل، وإصلاحات سياسية واقتصادية واسعة، وتحوَّلت الخطب المُسجلة للشيخ سلمان العودة وقتها عبر الشرائط إلى رسائل غضب، سرعان ما انتشرت عبر أرجاء الممكلة، ونظمّت المعارضة لأول مرّة مظاهرات جريئة في شوارع الرياض أزعجت الملك فهدًا، ولم يهزمها إلا عنف الشرطة.

ورغم أنّ السُلطة انتصرت في النهاية، فإنّه بدا واضحًا أنّ هناك جيلًا كبيرًا من المُثقفين لا يؤمن بالفكرة الدينية السائدة: «السمع والطاعة لوليّ الأمر»، فبدأ الحكام السعوديون ينظرون إلى المناهج التعليمية التي صاغها الإخوان، بأنها تمثل بوادر قوة معارضة في بلد حسم وجهته السياسية بالولاء التام للملك والعائلة المالكة.

والتحوّل الجذري من عد الإخوان «جماعة معتدلة» إلى عدهم «حركة إرهابية» بدأ في عهد الملك عبد الله الذي تزامن عهده مع ثورات الربيع العربي، التي أوصلت الجماعة إلى انتصار تاريخي تمثل في رئاسة مصر، وفوز «حزب النهضة التونسي» باكتساح بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي، إلى جانب تصدر الجماعة المشهد في اليمن وليبيا، بعد سقوط نظامي القذافي وعلي عبد الله صالح.

وبعدما أصبحت الجماعة منافسًا على السُلطة، حتى بعد هزيمتها في أغلب معاقلها عام 2014، أصبحت السعودية تكيل لها العداء الواضح هي والدول التي تدعمها على السواء، فقاطعت قطر في يوليو (تموز) قبل عامين، إلا أنها حتى الآن فشلت في حشد المجتمع الدولي لحظر الجماعة، التي ساهمت هي في الأساس في صعودها.

الرئيس الأسبق محمد مرسي.. 6 سنوات من «وقائع موت مُعلَن»!

 

المصادر

تحميل المزيد