لا يخطر في بال الكثير أن الحياة قد تضعُنا في مواقف صعبة من الطوارئ الطبية، يكون لسرعة تصرفنا فيها الدور الأبرز في إحياء أرواح الآخرين ضحايا تلك الوقائع، حتى لو لم نكنْ من العاملين في المجالات الطبية، فأوقات الخطر لا تنتقي عادةً أنسب الأشخاص في أنسب الأزمنة والأمكنة.

لكن قبل التطرق إلى تفاصيل أشهر تلك الحالات الطبية الطارئة؛ لا بُد من التأكيد أولًا أنَّ حمايةَ نفسك أولويةٌ قصوى أثناء سعيك في إنقاذ أرواح الآخرين. وبالطبع لا يُنتَظَر من الجميع أن يصبحوا محترفين يجيدون التعامل الطبي المتقدم، بل نتحدث عن سرعة البديهة وحسن التصرف المبنيين على معرفةٍ سليمة، في الدقائق الأولى التي قد تكون فارقة في حياة المريض.

1- توقف القلب: الإنعاش القلبي الرئوي كافٍ في زمن الكورونا

أخطر الطوارئ الطبية وأحوجُها لسرعة التصرف من الموجودين  لحظتها؛ هو توقف عضلة القلب المفاجئ، الذي يُوقِف الدورة الدموية، ويُتلف أعضاء الجسم خلال دقائق، وأهمها المخ. ما لم يبدأ الإنعاش القلبي الرئوي فورًا، فالوفاة حتمية أو قد ينجو المريض بضرر جسيم في المخ.

يسقط أحدهم فجأة فاقدًا الوعي، وقد يسبقها شكواه من ألم بالصدر، واضطراب ضربات القلب، فأشهر أسباب توقف القلب هو جلطة شرايين القلب، أو اضطرابات كهربية القلب مثل الرجفان البطيني

  • الخطوة الأولى هي ضمان سلامتك وسلامة المريض (إذا كنت في الشارع مثلًا، انقله إلى جانب الطريق) ثم تأكد سريعًا، من وجود نبض القلب، عبر تحسس رقبة المريض بأصابعك، ووجود حركات التنفس بمراقبة الصدر والبطن، وكذلك مناداته بصوتٍ عالٍ. 
  • قبل بدء الإنعاش، اطلب المساعدة أولًا والإسعاف.
  • أساس الإنعاش هو الانضغاطات الصدرية بمعدل 120 في الدقيقة، وهدفها أن تمثل قلبًا خارجيًّا للمريض يضخ الدم مؤقتًا، حتى يُستعاد النبض الذاتي. والطريقة السليمة للانضغاطات الصدرية موضحة في الفيديو التالي:

  • كل دقيقتيْن من الانضغاطات، نتوقف لثوانٍ معدودة لاختبار النبض والتنفس، ثم نواصل حال غيابهما، ويُنصَح بالتبادل مع الآخرين لمنع الإجهاد.
  • في الأماكن العامة ببعض البلدان، يوجد جهاز صدمات القلب الأوتوماتيكي (مزيل الرجفان البطيني الآلي) فإذا توافرَ، شغِّله طبقًا للتعليمات المكتوبة عليه، وأوصله بصدر المريض، ليقرأ حالة القلب أوتوماتيكيًّا، ويُوجِّه الصدمة الكهربية المناسبة لاستعادة النبض الطبيعي.
  • لا تتوقف عن الانضغاطات الصدرية إلا إذا أفاق المريض أو وصل الإنقاذ الطبي.
  • تقليديًّا، وجزءًا من الإنعاش، كان يُنصَح بإعطاء نفَسيْن للمريض بالفم، كل 30 ضغطة صدرية، لكن مع تفشي وباء كورونا لا يُنصح بهذا، والانضغاطات الصدرية الفعَّالة كافية لحين وصول الإسعاف.

2- جلطة القلب وتمزق الشريان الأورطى: تتشابه الأعراض والاختلافات قاتلة

أهم علامات وقوع متلازمات الشريان التاجي الحادة، (وأخطرها جلطة شرايين القلب) هو ألم الصدر المعروف باسم الذبحة الصدرية. ألم ثقيل أو ضيق في منتصف الصدر، ينعكس للكتف، أو العضد الأيسر، أو الفك، يصحبه عرق أو ميل للقيء  أو ضيق التنفس، ويتفاقم الألم بالمجهود العضلي أو الانفعال.

نخشى أكثر من وقوعها ما وُجِدت عوامل الخطر لدى المريض مثل: التدخين والسكر والضغط وارتفاع الكولسترول وتاريخ مرضي أو عائلي للجلطات، أو الإصابة بفيروس كوفيد-19.

إذا شككتَ في إصابة أي شخص بتلك الحالة، افعل الآتي:

  • هدئ روعه وامنع المجهود البدني مطلقًا، وإلا قد تقع اضطراباتٍ لضربات القلب أو توقف عضلة القلب.
  • أعطِه أربعة أقراص من أسبرين الأطفال مضغًا لسرعة الامتصاص.
  • اطلب الإسعاف فورًا أو انقله في دقائق معدودة  إلى أقرب مستشفى للطوارئ بها قسم للقلب والقسطرة الطارئة.
  • إن فُقدَ وعي المريض فجأة، اختبر وجود النبض والتنفس، فإن غابا، اطلب الإسعاف فورًا، وابدأ الإنعاش القلبي الرئوي.

وهناك حالة خطيرة أخرى، عرَضُها الرئيس ألم شديد في منتصف الصدر، ينعكس إلى منتصف الظهر، وهي الإصابة بتمزُّق أو تمزق الشريان الأورطى، وقد يُصاب المريض أيضًا بألم شديد في البطن أو فقدان الوعي.

إذا حدث ما سبق لمن يحملون عوامل الخطر كارتفاع الضغط، أو أمراضٍ وراثية تسبب تمدد الأورطى، كالصمام الأورطى ثنائي الشرفات أو متلازمة مارفان، افعل الآتي:

  • هدئ من روعِه، وامنعه من أي مجهود بدني، لتجنب ارتفاع الضغط وضربات القلب، وتفاقم المشكلة.
  • لا تُعطِهِ أدوية سيولة الدم (الأسبرين)، فقد يكون قاتلًا.
  • اطلب الإسعاف، أو انقله سريعًا إلى أقرب مستشفى متخصص في جراحات القلب والصدر الطارئة ليُخضَع لجراحة طارئة لإنقاذه.

3- جلطة ونزيف المخ.. إياك ومنح المريض أسبرين!

تحدث جلطة أو نزيف المخ، بفعل عوامل الخطر التي ذكرناها في فقرة جلطات القلب. إن أصابت أعراض السكتات الدماغية الطارئة – الجلطة أو النزيف – وأهمها صداع شديد مع غثيان وقيء أو فقدان للوعي، أو اعوجاج الفم، أو ضعف حركة أي من الأطراف أو شعور بالتنميل  أو مشكلات في الرؤية في إحدى العينين أو أجزاءٍ منها، أو في كليهما، او ازدواج الرؤية، أي شخص توجد معه، فلا تُعطِ المريض أدوية سيولة للدم مثل الأسبرين، لأن سبب أعراضه قد يكون نزيفًا بالمخ، فتسوء الحالة أكثر، واطلب الإسعاف فورًا أو انقله إلى مستشفى يُعالج السكتات الدماغية ليُفحَص جيدًا، ويُخضَعْ للأشعات العاجلة كالأشعة المقطعية، أو الرنين المغناطيسي على المخ.

4- مضاعفات كوفيد 19: هذه الأعراض خطيرة وحان وقت مستشفى العزل

لا صوتَ يعلو فوقَ صوتِ وباء كوفيد-19 الذي حصدَ أرواح ما يقارب 4 ملايين إنسان، من أصل أكثر من 178 مليون مصاب. ومع انتشار عدواه في كل مكان، فقد يجد أيٌّ منَّا نفسه مسؤولًا عن رعاية أحد أقربائهِ مصابًا بكوفيد-19، لا سيَّما حالات العزل المنزلي الطفيفة والمتوسطة.

وأهم الطوارئ الطبية التي يتوجب علينا اتخاذها مع حالات كوفيد-19 المحيطة ما يلي:

أولًا:  التأكيد مُجدَّدًا أن مساعدة الآخرين لا تتضمَّن إيذاء أنفسنا، فيجب التحرُّز من العدوى، بأخذ التطعيم، وارتداء كمامة طبية عالية الحماية (FFP2 أو N95) أثناء الاحتكاك المباشر، أو الاكتفاء بالكمامة المعتادة إن ارتدى المريض مثلها، وغسل اليدين جيدًا بالماء والصابون، وتقليل الاحتكاك المباشر قدر المستطاع.

ثانيًا: التعرف إلى علامات الخطورة التي تُوجب طلب الخدمة الطبية الطارئة، لوقوع المضاعفات الطبية للكوفيد، كاشتداد الالتهاب الرئوي والفشل التنفسي، أو الإصابة بجلطات شرايين القلب، أو الشريان الرئوي،  وأبرزها:

  • ألمٍ شديد في الصدر يرجح وجود ذبحة صدرية غير مستقرة أو جلطة بشرايين القلب.
  • تسارع شديد  (أكثر من 120 نبضة/دقيقة)، أو تباطؤ شديد في ضربات القلب (أقل 45 نبضة/دقيقة).
  • ضيقٍ التنفس فجأة، وتسارع ضربات القلب والتنفس، وألم الصدر كالوخز بالإبر.
  • هبوط نسبة التشبع الأكسجيني بجهاز القياس المنزلي عن 92-94%.
  • تدهور الأعراض التنفسية والجسمانية خلال ساعات قليلة (حرارة لا تنكسر بالخوافض والمياه – اشتداد السعال – ضيق التنفس).
  • انقطاع البول تمامًا أو نقص كميته.
  • الإغماء المفاجئ، فورًا افحص النبض والتنفس جيدًا لاستبعاد توقف عضلة القلب، ثم اطلب الإسعاف وابدأ الإنعاش القلبي. 

5- غيبوبة نقص السكر: دقائق قد تتلف المخ أو تتسبب في الوفاة!

يكادُ لا يخلو بيت من مصابٍ بالسكري. والانخفاض أو الارتفاع الشديديْن في سكر الدم يمثلان خطورة صحية كبرى. ونتناول هنا غيبوبة نقص سكر الدم، (انخفاض سكر الدم العشوائي «الجلوكوز» بشدة عن 40 مجم%)  بسبب جرعة زائدة من دواء السكر، أو تناوله دون طعام. وهي أخطر من ارتفاع السكر، لأن دقائقَ قليلة قد تسبب تلف المخ والوفاة، بينما يتحسن المريض سريعًا إذا تلقى العلاج مُبكِّرًا.

أولًا: لاحظ أعراض الإنذار المبكر لنقص السكر مثل العرق الغزير، والغثيان، والتوتر، والانفعال، وتسارع القلب والتنفس.

ثانيًا: لا تنتظر قياس السكر العشوائي، بل أعطِ المريض فورًا طعامًا سريع الامتصاص يحتوي على السكر (عصير مُحلَّى بالسكر العادي – شيكولاتة – ماء مُحلَّى). ورغم مشابهتها لأعراض ارتفاع السكر، فإن الشكَّ يُأوَّل إلى صالح احتمالية النقص، لأنه قاتلٌ خلال دقائق، أما الارتفاع، فيحتاج إلى ساعات قبل المضاعفات.

ثالثًا: إن تطوَّر الأمر إلى الغيبوبة، فلا تُطعمه بالفم، فقد يسقط الطعام في الجهاز التنفسي، ويسبب التهابًا رئويًا شديدًا  (aspiration pneumonia)، واطلب الإسعاف، أو انقله فورًا إلى أقرب مشفى ليُعطى الجلوكوز المُركزَّ وريديًّا، في أسرع وقتٍ ممكن.

6- التشنُّجات الصرعية: احفظ المريض آمنًا إلى أن تمر نوبة الصرع

يعاني الآلاف من مرض الصَّرع، ويمكن أن تُصيبَهم النوبات الصرعية في أي زمانٍ أو مكان، فكيف التصرف إن حدث هذا في وجودنا؟

  • الأولوية ضمان سلامة المريض، بإبعاده عن أي مصدر خطر أثناء التشنج.
  • لا تحاول وضع أي شيء بين أسنانه، أو تحجيم الحركات الصرعية.
  • راقب المريض واحسب مدة النوبة الصرعية، فهذا مهم في تقييم شدة الحالة.
  • بنهاية النوبة، يكون المريض في غيبوبة مؤقتة، فضعه في وضع الإفاقة، بثني ركبته اليمنى، ثم إمالة جسمه إلى الأيسر من خلال شده منها، وإمالة رأسه لأسفل لفتح المسارات الهوائية، ولمنع ازدراد أي شيء في الجهاز التنفسي أثناء الغيبوبة.
  • إن استمرَّت النوبة لأكثر من 5 دقائق، أو طالت الغييوبة اللاحقة، اطلب الإسعاف فورًا.

7- حوادث المنزل: إياك والهلع!

لا تخلو بيوتنا من مصادر الخطر، لا سيَّما على الأطفال العابثين بكل ما تطوله أيديهم وحواسَّهُم. العنصر الأهم في التعامل مع حوادث المنزل هو تماسك أعصابنا، وتجنب الهلع، وقبل هذا الوقاية بإبعاد كافة مصادر الخطر المُحتَمَلة عن المتناول.

– الحروق.. لا تستخدم الماء شديد البرودة!

لا نقصد الحروق المحدودة من الدرجة الأولى، فهذه لا تحتاج إلا تبريد الجلد المصاب، ووضع كريمات الحروق لبضعة أيام، لكن ما نستهدفه هو الحروق الأخطر في النوع (استنشاق البخار الساخن – حروق الكهرباء والكيماويات)، والأكبر امتدادًا جسمانيًّا، أو الأعمق (تغير لون الجلد إلى الأبيض أو الأسود) أو إصابة الأماكن الأخطر في الجسم (الوجه – المفاصل – اليدين – القدمين – الأعضاء التناسلية). أولًا اطلب الخدمة الطبية الطارئة في حال ظهرت أعراض اختناق (يحدث عند استنشاق بخار حارق أو ملتهب، حيث يتورم مسار التنفس)، أما إذا لم تظهر أعراض اختناق، فافعل ما يلي، حتى وصول الإسعاف:

  • أبعِد المصاب عن النار، وإذا كان اللهب امتد إلى ملابسه وجسده، ودفعه الهلع إلى الجري هنا وهناك، ادفعه أرضًا بحذرٍ، واجعله يتقلَّب على الأرض لإطفاء النار.
  • خلع الملابس المحترقة، وخواتم الأصابع قرب موضع الحرق، قبل أن يجعل التورُّم خلعها مستحيلًا. وإن كانت الملابس التصقت بالجلد، أزِل ما حولَ الجزء المُلتَصق فقط.
  • تبريد مكان الحرق بالماء – يُمنَع شديد البرودة أو الثلج – لمدة 20 دقيقة.
  •  تغطية مواضع الحرق بشاشٍ طبي أو قماش نظيف، لتجنب العدوى، ودون لواصق. ويُمنع وضع البن أو الزبدة ومعجون الأسنان، ويمكن وضع مرهم مضاد حيوي. وإعطاء مسكن للألم بالفم أو الحقن إن أمكن.

الاختناق: الثانية تُحدث فارقًا

قطعة مكعبات، أو حبة خضروات، قد تصبح أداة قتل لطفلٍ صغير. عندما تتسرب من البلعوم إلى الحنجرة أو القصبة الهوائية الرئيسية، أو أن تكون كبيرة لدرجة سدِّ البلعوم، فتسبب اختناقًا، ويصبح الطفل فريسة لتوقف القلب والتنفس في بضع دقائق.

كيف يكون التصرف السليم في حالات الاختناق؟

بظهور أعراض الاختناق، كصعوبة في التنفس أو الحديث، وتغير لون الوجه إلى الأحمر أو الأزرق. أو وضع الطفل يديه على رقبته، تحرَّك فورًا:

  •  إن كان الطفل مُميِّزًا، هدئ روعَه، وشجعه على السعال، فإن فشل، تدخَّل فورًا.
  • افتح فم الطفل، فإن رأيت ما يسد البلعوم، حاول إخراجه برفق، ولا تدفعه إلى الأسفل وتزداد المشكلة.
  • إن فشل ما سبق، اجعل الطفل ينحني لأسفل، ووجِّهْ ضربات متتالية إلى ظهره لأعلى، مع استمرار محاولته للسعال. وإذا كان الطفل صغيرًا، احمله بحيث يكون بطنه على ذراعك، ويداك تفتح فكه السفلي، ووجه بيدك الأخرى خمس ضرباتٍ متتالية إلى ظهره، ثم اقلب الطفل، ووجه خمس ضربات أخرى برفق بين حلمتي صدر الطفل، فإذا لم ينجح هذا، كرِّر ضربات الظهر، وهكذا، مع طلب الخدمة الطبية الطارئة تحسُّبًا للفشل.

  • إذا كان الطفل كبيرًا، وفشل ما سبق، احتضنه من الخلف (كما في هذا المقطع)، وضع قبضتيْ يدك على فم المعدة أسفل صدره مباشرة، واضغط للداخل ضغطاتٍ متتابعة، ثم انظر هل خرج شيء من الجوف أم لا.
  • إذا فشل ما سبق، وشعرت بضعف أنفاس الطفل، أو فقد الوعي، فابدأ عملية الإنعاش القلبي الرئوي فورًا ريثما تصل الإسعاف.

المصادر

تحميل المزيد