نراه في الأعمال الدرامية وشعره مُبعثر، ويتحول من شخصية لشخصية في لحظة واحدة: من طيب إلى شرير، أو من مهذّبة إلى مُنحلة، وكأن الأمر يحدث بضغطة زر؛ حتى تحوّل الأمر إلى مثار للسخرية، ومثال مضحك على شخص يحمل في جناب شخصيته تناقضًا كبيرًا؛ فيسأله البعض ساخرين: «هل أنت مُصاب بالشيزوفرنيا؟».

 الأمر الذي دفع أكثر من طبيب ومريض إلى التحدث بوضوح للعلن عن هذا المرض الذي أطلقوا عليه «المرض المُساء فهمه على نطاق واسع»؛ حتى يصحّحوا تلك المغالطات عن المرض. فهل مريض «الشيزوفرنيا» أو الانفصام على أرض الواقع يشابه ما نراه في الدراما؟ وكيف يرى مريض الانفصام نفسه والعالم؟

في هذا التقرير نأخذكم في رحلة مع تصريحات بعض مرضى الانفصام؛ حتى ندرك كيف يقع هذا المرض على صاحبه.

«نحن لسنا أقلية».. 70 مليون مُصاب حول العالم

الـ«الشيزوفرنيا» مرض تشريحي يصيب المخ، وليس مرضًا نفسيًّا معتادًا كما قد يعتقد البعض، هكذا صرّحت بيثاني ييسير مؤلفة كتاب: «رحلتي من الشيزوفرينيا إلى التعافي»، والذي كتبته عن رحلتها مع هذا المرض بمساعدة الطبيبة النفسية هيلين فاريل.

في كتابها أوضحت بيثاني أنها ترى بعض المفاهيم الخاطئة حول هذا المرض، ومن أهمها ظن البعض أنه خلل نفسي، في حين أن الإصابة بالـ«شيزوفرنيا» تكون لأسباب وراثية، أو تغيرات بيولوجية في بنية الدماغ والكيمياء العصبية، وهو – من وجهة نظرها – يجب التعامل معه على أنه مرض جسدي، وليس نفسيًا، والمصابون به ليسوا أقليّة، فهناك 70 مليون شخصًا مصابًا في العالم.

ضحايا الهلاوس المُرعبة.. «نحن نخاف المرض مثلكم تمامًا»

«الشيزوفرنيا» كما عرّفها الطب النفسي؛ هي مرض عقلي مزمن ومُرهق لصاحبه، يدفع صاحبه لرؤية الهلاوس والخيالات المُخيفة التي تُرعب صاحبها وتصيبه بالفزع أحيانًا؛ مما يؤدي إلى أفكار وسلوكيات غير منظّمة، ولكنها ليست بالضرورة عنيفة، وتلك التصرفات غير المنظمة أو المتوترة تترك انطباعًا خاطئًا لدى البعض حينما يتعاملون مع مريض الانفصام فيهابونه.

من أتحدث معهم أراهم كما ترى الشخص الجالس بجوارك الآن، وليس مجرّد خيالات بعيدة، وحتى اليوم الذي تحدثت فيه إلى شخص متخيّل بأحد المصالح الحكومية؛ نظر إلي الجميع بخوف وتشكك، وأدركت حينها أن هذا الشخص ليس له وجود. بعدها وقبل التحدث مع أي شخص أتحقّق بيدي من وجوده المادي. *تصريح لأحد مرضى الشيزوفرنيا

مايكل هيدرك مُتعايش مع مرض الشيزوفرنيا، ويبذل جهودًا من أجل تصحيح صورة المرض؛ حتى يتقبّل المجتمع أصحابه على أنهم جزء منه، وليسوا تهديدًا له، مؤكدًا أن الدراسات الطبية الحديثة تشير بوضوح إلى أن أصحاب الأمراض النفسية هم الأكثر عرضة ليكونوا الضحية في الجرائم، وليس العكس، كما يُروج في الإعلام بأن جرائم إطلاق النار والمذابح الوحشية تقع على يد المرضى النفسيين ومرضى الانفصام.

وقد يعود هذا – يوضح مايكل – للصورة الذهنية الرائجة عن صاحب هذا المرض بكونه لديه شخصية أخرى مستترة، وعادة ما تكون شريرة وقاتلة، بينما الشخصية الأخرى الصالحة لا تدرك شيئًا عما تفعله الأولى، مؤكدًا أن تلك الصورة الذهنية ليست سوى خرافة، وأن ما يعانيه مريض الشيزوفرنيا ليس له ضحية سواه؛ لما يراه من هلاوس مخيفة.

ما يقولونه عن جهلك بجنونك حتى يخبرك الطبيب بالخبر صحيح تمامًا، ولكن الهلاوس هي ما دفعتني لاستشارة طبيب، عندما سمعت أصوات تناديني بوضوح وأنا وحدي بالمنزل، ولكن العرض الأسوأ كان رؤية الحشرات والخنافس العملاقة تهاجمني وكأنها حقيقة لا شك فيها. *تصريح لأحد مرضى الانفصام

«نظرة الرعب من الجميع له تصيبه بمزيد من الرعب»، هكذا يؤكد مايكل، موضحًا أن مريض الشيزوفرنيا مثله مثل الآخرين، بل إنّه أكثر حساسية وهشاشة، والتصرفات الغريبة التي تصدر منهم ليست سوى ردود أفعال للأوهام التي ينسجها العقل، ويقع المريض فريسة لها، موضحًا بقوله: «نحن نخاف هذا المرض مثلكم تمامًا، بل ربما أكثر».

ولكن.. «أحيانًا نؤذي الآخرين دون قصد»

يخبرك الطب النفسي – وفقًا لما ورد في إحدى تقارير التحالف الوطني للأمراض العقلية بالولايات المتحدة الأمريكية – بأن رؤية أشخاص مُتخيّلين، ليس الهم الأكبر لدى مريض «الشيزوفرنيا»، بل الجزء الأخطر على هذا المريض هي المعتقدات الخاطئة التي تترسخ في ذهنه دون الأمل في تغيرها إلا بالعلاج.

وعادة ما تكون تلك الأفكار غير صحيحة وغير منطقية من الأساس، مثل اقتناع أحد المرضى أن جاره يستطيع تحريك الأشياء عن بُعد وأنه يخطط لإيذائه، أو أن الشخص الذي يتحدث في التلفاز كائن فضائي، ثم يأتي العرض الذي صوّر مرض الانفصام كما يراه العالم الآن، وهو توهم المريض أنه شخص آخر مثل شخصية تاريخية مشهورة، وبسبب ذلك تصيبهم أعراض جنون العظمة، أو اضطهاد الآخرين لهم لكونهم شخصية عامة وتاريخية ناجحة، وتلك المعتقدات يصنفها الطب النفسي بكونها «أوهام الاضطهاد»، ولكنها لا تحدث كما تراها في الأفلام.

في شهادة لأحد مرضى الانفصام، اعترفت صاحبته أنها منذ إصابتها بالمرض أصبحت أكثر شكًّا في الآخرين وفيما حولها. في ليلة تناولت مشروبًا مع زميل عمل وبعدها أصيبت بالأرق، فاتهمت زميلها أنّه خدّرها بالميثافين، وتلك الاستنتاجات وصلت إليها من خلال الأوهام التي صوّرت لها أن موسيقى الراديو ترسل لها رسائل مشفرة لكشف زميلها ومؤامرته عليها؛ فتهجمت عليه في المنزل وحطمت منزله بحثًا عن أجهزة التجسس والكاميرات التي يراقبها بها، وعندما أشفق عليها زميلها وأخذها إلى المستشفى استنتجت أن الحكومة الأمريكية هي من أرسلت جارها، وفي تلك اللحظة يحاولون التكتم على الأمر واتهامها بالجنون، وظلت تصرخ «أنا لست إرهابية».

«لسنا قضية خاسرة».. وليست تشنّجات جنونية

مرض الانفصام ليس نهاية الحياة للمريض أو سجنًا بالمصحّة النفسية لمدى الحياة

 هكذا صرّح مايكل مؤكدًا أن هذا المرض يمكن التغلب عليه وعلاجه، وأن المريض لديه القدرة على أن يكون عضوًا فعالًا في المجتمع، وقد لا يتخلّص المريض من الأعراض كاملة، ولكنه على الأقل لديه القدرة على التعايش معها مثل التعايش مع أعراض أي مرض جسدي، ويؤكد مايكل أنّه على عكس ما يتوقّع البعض؛ مريض الـ«شيزوفرنيا» قد يحقّق أهدافًا عظيمة بغرض تغيير الفكرة السائدة عن المريض بكونه غير مفيد للمجتمع.

وفقًا لمنظمة الصحة العالمية؛ يُظهر غالبية المصابين بالانفصام تحسنًا كبيرًا من خلال العقاقير المُخصّصة لهذا المرض، ولكن في المراحل الأولى الحادة من المرض قد يكون الاستشفاء داخل مصحة والانعزال عن العالم مهمًا لصاحب المرض، ولكن بمجرد المرور من تلك المرحلة يمكن للمريض الخروج للعالم، ولن يعاني سوى من الأعراض الجانبية للعقاقير، والتي تتمثل في النعاس والأرق والتقلّصات العضلية وجفاف الفم والرعشة وعدم وضوح الرؤية والطفح الجلدي.

بعض تلك الأدوية قد تتسبّب في آثار جانبية متعلّقة بالحركة البدنية، مثل التشنّجات العضليّة المستمرّة أو الارتجاف؛ وقد  يظن البعض أن مريض الانفصام مُصاب بهذه الأعراض الجانبية بسبب «جنونه» أو مرضه النفسي، ولكنها في الواقع أعراض لمراحل العلاج، تزول بانتهاء فترة تعاطي العقار.

الأثر الجانبي الأكثر خطورة لعقاقير علاج الانفصام هي الأعراض طويلة الأجل، مثل خلل الحركة المتأخر، وهو يسبب الحركات اللارإدية، وعادة ما تكون في منطقة الفم والشفاة واللسان؛ ولكن هذا العرض نادر الحدوث، ومرتبط بعقاقير لا ينصح بها الأطباء بكثرة.

العرض الذي دفع أسرتي لاستشارة الطبيب هو صراخي في كل مرة أستحمّ فيها طالبًا منهم إنقاذي من شخص لا يراه أحد سواي، وبعد قضاء ثلاثة أسابيع في المستشفى، ومن بعدها تناول العقاقير بانتظام اختفت الهلاوس البصرية واقتصر الأمر على  الأصوات والتي أدرك في وقتها أنها من خيالي.

*تصريح لأحد مرضى الانفصام.

على الجانب الآخر؛ العقاقير قد تُنهي الهلاوس البصرية، ولكن بالنسبة للهلاوس السمعية فتقف العقاقير أحيانًا عاجزة أمامها، هكذا شارك أحد المرضى برأيه، مؤكّدًا أن العقاقير كما تخفي مشاعر جنون العظمة والخوف؛ فهي تخفي المشاعر كاملة وتترك المريض في حالة من البلادة، وإن سعى المريض إلى تطوير عقله وتحفيزه؛ فقد يصل إلى مرحلة جيّدة يقدر فيها على  التعامل مع الآخرين، ولكن ليس لدرجة تسمح له بالعمل أو الخروج من المنزل فترات طويلة.

ا

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!