تملك الولايات المتحدة أكبر قوات بحرية على الأرض وأحدثها، وتملك البحرية الأمريكية أيضًا ثاني أكبر سلاح جوي في العالم، بعد سلاح الجو الأمريكي نفسه؛ لما لديها من أسطول حاملات طائرات ضخم. وبرغم امتلاك الولايات المتحدة أعظم تكنولوجيا في العالم، استطاعت غواصة سويدية واحدة تعمل بالديزل، ولا تتجاوز تكلفتها 100 مليون دولار، اختراق الأسطول الأمريكي ودفاعات السونار المتعددة، وإغراق حاملة طائرات بلغت تكلفتها 6.2 مليارات دولار.

فكيف استطاعت تلك الغواصة فعل ذلك، والهرب دون أن يلحق بها خدش؟ ومتى وأين ألحقت بالبحرية الأمريكية تلك الهزيمة؟ هذا ما نتناوله في السطور التالية.

ألعاب الحرب والمحاكاة العسكرية

في عام 2005، التقى الأسطول الأمريكي تتقدمه حاملة الطائرات الأمريكية رونالد ريجان، بغواصة سويدية واحدة تعمل بالديزل، وتمكنت الغواصة السويدية المحترفة، من التسلل عبر دفاعات السونار المُفعّلة من رونالد ريجان، وبقية الأسطول المرافق لها بأكمله؛ وتسجيل عدد من الضربات الثمينة، التي أغرقت حاملة الطائرات، لتفلت الغواصة السويدية دون أن يُصيبها خدش تقريبًا.

حدث ذلك في إحدى المناورات الحربية بين البلدين، خلال ألعاب الحرب أو تمارين المُحاكاة العسكرية، التي يجري مُحاكاتها افتراضيًّا بين عدد من الدول الحليفة، أو دول منفردة بين أفرع قواتها العسكرية. وتهدف تلك التمارين العسكرية التي تُجريها الجيوش لاختبار مدى جاهزية قواتها المسلحة، أو اختبار أسلحة أو تكتيكات، أو استراتيجيات عسكرية معينة دون الدخول في معركة أو حرب حقيقية، بالإضافة إلى تطوير أدائها وتعزيز مهاراتها الميدانية، وتقوية الروابط العسكرية بين الدول المشتركة.

Embed from Getty Images

وتُقام هذه التدريبات العسكرية منذ قرون، وتُساعد الدول في اختبار قدرتها على التعامل بشكل جماعي مع التهديدات الخارجية، وفي ظل التقدم التكنولوجي المتصاعد في الآونة الأخيرة، أصبحت تُحاكى التمارين العسكرية افتراضيًّا بالعديد من الأشكال المختلفة، وبدرجات متفاوتة من الواقعية. ومؤخرًا، اتسع نطاق عمليات المحاكاة ليتعدى العوامل العسكرية ويشمل أيضًا إدراج العوامل السياسية والاجتماعية للبلاد المتنازعة خلال الحروب، والتي تُعد بدورها عوامل متداخلة تداخلًا غير قابل للانفصام في نموذج الحرب الواقعية.

الدول التي تملك أكبر أسطول للغواصات حول العالم

«ستيرلينج».. محرك يتغلب على عيوب الديزل ويتفوق على المفاعلات النووية

توقفت البحرية الأمريكية عن استخدام الديزل في تشغيل غواصاتها منذ عام 1990، إذ كان الأمر الذي يعيب استخدام الغواصات التي تعمل بالديزل في الماضي، هو الحاجة إلى الظهور للسطح ظهورًا متكررًا من أجل تشغيل محركاتها الصاخبة والمستهلكة للهواء؛ ما يعني أنها لا يمكنها البقاء تحت الماء سوى بضعة أيام فقط، قبل الحاجة للظهور إلى السطح من جديد.

وبطبيعة الحال، يجعل هذا الغواصة أكثر عرضة للخطر، ويمكن تتبعها بسهولة أكبر، عند ظهورها إلى السطح. لذلك كان يجري استخدام محرك الديزل التقليدي للتشغيل، عند العمل على السطح أو خلال الغطس. وعلى الجانب الآخر، لا تتطلب الغواصات التي تعمل بالمفاعلات النووية إمدادات هوائية كبيرة لتشغيل محركاتها، وتستطيع البقاء في هدوء لأشهر تحت الماء، ويمكنها السباحة أسرع.

أما الغواصة السويدية من طراز «جوتلاند»، والتي يبلغ طولها 200 قدم وتزن 1.6 أطنان، فقد زُوّدت بمُحرك لا يتطلب إمدادات هوائية متكررة، ويعتمد على نظام «الدفع المستقل الجوي» (AIP)، الذي يستخدم بطاريات متطورة ذات 75 كيلووات. وكانت تلك الغواصة التي جرى تقديمها في عام 1996، أول ما استخدم ذلك المُحرك الذي سُمي بـ«محرك ستيرلنج»؛ نسبةً إلى المهندس الذي صمّمه، ويعمل باستخدام الديزل والأكسجين السائل، إلى جانب إمكانية عمل الغواصة على طاقة البطارية فقط.

وباستخدام محرك «ستيرلنج»، تستطيع الغواصة «جوتلاند» أن تبقى تحت سطح الماء، لمدة تصل إلى أسبوعين بمتوسط سرعة يبلغ ستة أميال في الساعة، أو يمكنها استخدام طاقة البطارية لتزيد من سرعتها حتى تصل إلى 23 ميلًا في الساعة. إلى جانب ذلك، يُدير محرك ستيرلنج الغواصة بهدوء أكثر من المحركات التي تعمل بالطاقة النووية، والتي يصدر عنها ضجيج بفعل المضخات المُبردة في مفاعلاتها.

كيف اخترقت «جوتلاند» الدفاعات المضادة لـ«ريجان»؟

أحبطت الغواصة السويدية «جوتلاند» متخصصي مكافحة الغواصات الأمريكيين، بعد أن تمكنت من التهرب من دفاعات حاملة الطائرات الأمريكية «ريجان» المضادّة للغواصات، إلى جانب عدد كبير من أجهزة الاستشعار التي تتضمنها سفن الأسطول الأمريكي وطائراته. فكيف استطاعت غواصة رخيصة الثمن مقارنة بالأسطول الأمريكي، وتبلغ تكلفتها حوالي 100 مليون دولار، أي ما يُعادل تكلفة مقاتلة من طراز «F-35» تقريبًا تحقيق ذلك؟

بالإضافة إلى مُحركها الذي يُمكّنها من الغوص لفترات طويلة مُتخفية في هدوء عميق، تمتلك غواصة «جوتلاند» العديد من الميزات الأخرى، التي تجعلها بارعة في الهرب من الكشف عبر أجهزة السونار، والتي تتمثل في تزويدها بـ27 مغناطيسًا كهربائيًّا، صُمم لإبطال إمكانية اكتشاف شارتَها المغناطيسية عبر أجهزة الكشف عن الشذوذ المغناطيسي، وقد زاد المصممون أيضًا من قدرتها على التخفي بمنع العثور عليها عبر الأشعة تحت الحمراء، حتى عند ظهورها إلى السطح.

علاوة على ذلك، جرى طلاء هيكل السفينة بنوع من الطلاء المقاوم للسونار، بالإضافة إلى تغطية شراعها بمواد ماصة للرادار. أما المقصورة الداخلية، فقد جرى تغليف الآلات الموجودة في الداخل، بمُخفضات مطاطية كاتمة للصوت ومُضادة للاهتزاز؛ وذلك لتقليل تراكم الضوضاء الناتجة من عمل الأنظمة الميكانيكية المختلفة، وتقليل إمكانية الكشف عنها عبر السونار؛ الأمر الذي يجعلها أشبه بمقاتل «نينجا» خفيّ.

ولجعل مقاتلة «النينجا» السويدية أكثر فتكًا؛ صُمم نظام إدارة القتال الخاص بها، تصميمًا يجعل منه قطعة فنية فريدة من نوعها. لكن تفرده ذلك لا يجعله بالضرورة معقدًا؛ إذ يمكن إدارة واجهة الاستخدام الخاصة به بسهولة وسلاسة متناغمة، وخلال هجوم واحد، يستطيع نظام إدارة القتال توجيه قذائف متعددة في ضربة واحدة؛ الأمر الذي يمكن أن يؤدي أكثر من مهمة قتال، وتسديد ضربات متعددة في نواحي مختلفة، حتى ضد المقاتلات البحرية الضخمة مثل حاملات الطائرات.

موقف البحرية الأمريكية من «الهزيمة النكراء»

بعد أن أثبتت مقاتلة «النينجا» السويدية أنها تُمثل التحدي الأكبر للسفن الأمريكية المضادة للغواصات خلال التدريبات الدولية؛ ذهبت البحرية الأمريكية إلى السويد على أمل استئجار واحدة من غواصاتها من طراز «جوتلاند»، والطاقم الخاص بها مدة عامين كاملين؛ من أجل إجراء تدريبات مضادة للغواصات. وقد وافق السويديون على الطلب الأمريكي، وجرى شحن غواصة «جوتلاند» إلى سان دييجو، وخلال العام الأول من التدريبات، لعب الفريق السويدي دور المنافس ضد مجموعة البحرية الأمريكية الضخمة من مقاتلات السطح المضادة للغواصات، وطائرات الهليكوبتر، والطائرات ذات الأجنحة الثابتة، علاوةً على الغواصات النووية.

إذ بدأت ألعاب المحاكاة الحربية فور وصول الغواصة السويدية، التي استطاعت فيها «جوتلاند» إغراق العديد من الغواصات الهجومية النووية الأمريكية السريعة، وغيرها من السفن الحربية، واستمرت في اختراق صفوف الدفاع، حتى وصلت إلى «المنطقة الحمراء» بعد تجاوزها الحلقة الأخيرة من الدفاعات المضادة للغواصات دون أن يجري اكتشافها.

كانت «جوتلاند» السويدية الصغيرة صامتة ومتخفية بدرجة، جعلتها تبدو لأجهزة الاستشعار الأمريكية غير موجودة فعليًّا، وأقنعت هذه النتائج، البحرية الأمريكية أن مجسَّاتها تحت البحر، لم تكن قادرة على التعامل مع قوارب التخفي؛ وأدى ذلك إلى اتجاه البحرية الأمريكية إلى تغيير أولوياتها داخل مجتمعات الحرب السطحية والجوفية.

Embed from Getty Images

وفي العام الثاني من التدريبات، أخذت البحرية الأمريكية تبحث كيفية التعامل مع هذا التهديد القاتل، وتُحاول وضع الخطط والتكتيكات لمواجهته. وفي منتصف عام 2007، جرى شحن «جوتلاند» في نهاية المطاف من أجل العودة إلى موطنها عبر بحر البلطيق.

وتحاول البحرية الأمريكية اليوم، تطبيق الدروس المستفادة من مواجهة جوتلاند، وتعزيز قدرتها على الحرب المضادة للغواصات، من خلال تطبيق التكتيكات والتقنيات الجديدة، خاصةً في ظل ازدياد قوة الغواصات الباليستية النووية الصينية.

وجدير بالذكر أن «جوتلاند» السويدية كانت أول تصميم، للعديد من تصاميم الغواصات التي تعمل بنظام «الدفع المستقل الجوي» (AIP)، بل إن بعض تلك الغواصات أكثر تقدمًا منها، ويملك ضعف قدرة جوتلاند على التحمل تحت الماء. ونظرًا إلى أن هذه الغواصات تُكلّف الملايين، بدلًا من مليارات الدولارات؛ فإن ذلك يجعل منها وسيلة رخيصة إلى حد ما للسيطرة على الشحن في الممرات المائية الرئيسية في العالم، أو ملاحقة الأهداف السهلة على السواحل مثل سفن الميناء، ناهيك عن إمكانية تحطيمها لبعض من أقوى قوات مكافحة الغواصات في العالم.

وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن السويد ليست الدولة الوحيدة التي تملك تلك الغواصات، بل تملكها عدة دول أخرى مثل الصين، وروسيا، وإسبانيا، وفرنسا، واليابان، وألمانيا. وقد باعت هذه البلدان بدورها غواصات «AIP» التي تُنتجها إلى قوات بحرية أخرى في جميع أنحاء العالم، مثل الهند، وإسرائيل، وباكستان، وكوريا الجنوبية.

كوريا الشمالية تمتلك أقوى بحرية في العالم.. فهل ينبغي الخوف منها؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد