فاطمة نادي

29

فاطمة نادي

29

تُعد شبكات التواصل الاجتماعي أحد أكثر الأنشطة الإلكترونية شعبية لدى مستخدمي الانترنت؛ فهي لا تكتفي بتيسير التواصل بين مستخدميها خارج الحدود المحلية فحسب، بل توفر كذلك إمكانيات لمشاركة المحتوى، الذي يُنشئه المستخدمون مثل الصور ومقاطع الفيديو والألعاب الاجتماعية.

تزايد عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي عالميًا في السنوات الأخيرة، من 0.97 مليار مستخدم عام 2010 إلى 2.46 مليار في العام الجاري 2017، ويُتوقع أن تستمر الأعداد في الازدياد مع ارتفاع معدلات تفاعل المشاركين، وتسهيل الوصول إلى تلك المنصات من خلال تطبيقات الهواتف الذكية.

جيل الألفية الأكثر نرجسية في التاريخ

تُشير الإحصائيات الخاصة بعام 2017، أن نسبة مستخدمي الشبكات الاجتماعية تبلغ 71% من العدد الإجمالي لمستخدمي الإنترنت حول العالم، ويتوقع أن تستمر هذه النسبة في النمو. بينما في عام 2001، بلغت نسبة من يملكون حسابًا على أحد مواقع التواصل، من سكان الولايات المتحدة أكثر من 81%.

علاوةً على ذلك، في كل يوم تُرفع أكثر من 80 مليون صورة على موقع إنستجرام، ويُسجل أكثر من 3.5 مليار إعجاب على فيس بوك، كما ينشر عليه حوالي 1.4 مليار مستخدم (ما يُعادل 20٪ من سكان العالم) أحداثهم اليومية.

مع تزايد انتشار هذه الوسائل، أخذت ظاهرة ‹‹نرجسية وسائل التواصل الاجتماعي Social media Narcissism›› تصحبها في الانتشار. يتصور العلماء أن جيل الألفية الحالي (مواليد الفترة بين عامي 1980 و2000) قد يكون الأكثر نرجسية وكسلًا في التاريخ. يُعد انتشار النرجسية على وسائل التواصل أحد الأمثلة التي تدعم هذا التصور، لكنه لا يعني بالضرورة كون جميع مستخدمي تلك المنصات من النرجسيين، بل إنها تُمثل المكان المفضل لهم في قضاء أوقاتهم.

النرجسية وأنواعها

تُعرف النرجسية عادةً بالأنانية المفرطة، والإعجاب بالنفس المبالغ فيه، يصحبه سعي مستمر لإشباع الرغبات ذاتيًا أو بمساعدة الآخرين. طرح عالم النفس الشهير‹‹سيجموند فرويد Sigmund Freud››  أفكاره عن دوافعها ومراحل تطورها، عندما قدمها في مقاله عن النرجسية لعام 1914، ثم أصبحت منذ ذلك الحين موضع دراسة مُفضلًا لدى الباحثين والمعالجين.

لاحقًا، وضعت لها تعريفات أكثر تفصيلًا، أدرجت في الطبعات المختلفة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية والعقلية DSM، تحت مصطلح ‹‹اضطراب الشخصية النرجسية Narcissistic Personality Disorder››.

يتصف الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة غالبًا بالعجرفة والتلاعب وكثرة مطالبهم، وسعيهم المفرط والمستمر لنيل إعجاب الآخرين، وجذب الانتباه إليهم.

يؤمن من يعانون من اضطراب الشخصية النرجسية كذلك، بكونهم من جنسٍ أرقى أو متفوقين على غيرهم بشكلٍ خاص، وغالبًا ما يفضلون الارتباط بأشخاص يعتقدون أنهم فريدون أو موهوبون بطريقةٍ ما مثلهم. يُعزز هذا الارتباط لديهم حب الذات وثقتهم بأنفسهم، التي عادة ما تطفو هشَّة على السطح.

وفي حين توجد طرق مختلفة لتصنيف النرجسيين، إلا أن الدراسات الحالية تركز على فئتين هامتين من النرجسية؛ الأولى ‹‹النرجسية المبالغة Grandiose Narcissism››، يتسم أصحابها بالثقة الشديدة في تفوقهم على الجميع، ويتفاخرون بمدى إعجاب من حولهم بهم. هؤلاء عرضة للوقوع في نوبات غضب انتقامي ضد أي شخص يجرؤ على انتقادهم، كما يمكن أن يسعوا بعدوانية لفرض سيطرتهم على غيرهم من الأشخاص.

أما الفئة الثانية ‹‹النرجسية الضعيفة Vulnerable narcissism››، يميل أفرادها لكونهم أكثر تحسسًا من الناحية العاطفية؛ بمعنى أنهم يشعرون بالأسى عندما لا يتلقون المعاملة التي يشعرون أنهم يستحقونها،  وغالبا ما تنتابهم مخاوف من الرفض أو التخلي عنهم. تتولد النرجسية لدى هؤلاء كنوعٍ من التعويض عن هشاشة ثقتهم بأنفسهم، أو نتيجة تاريخ من الإهمال قد يعود إلى مرحلة الطفولة المبكرة.

شبكات التواصل بين تعزيز الثقة بالنفس وتغذية النرجسية

يتصدر موقع فيس بوك حاليًا ريادة شبكات التواصل الاجتماعي؛ بامتلاكه أكثر من 1.86 مليار مستخدم نشط شهريًا على صفحاته. شكَّل الموقع الصورة التي تبدو عليها منصات التواصل الاجتماعي منذ انطلاقه، ولايزال يُدخل التحديثات المستمرة عليها.

نشر ‹‹جيفري هانكوك Jeffrey Hancock›› أستاذ التواصل بجامعة ‹‹ستانفورد Stanford›› بحثًا في مجلة‹‹Cyberpsychology Behavior and Social Networking››، يُفيد أن فيسبوك قد يملك تأثيرًا إيجابيًا على تقدير الذات لدى طلاب الجامعات؛ لأنه في الغالب يُظهر النسخة الإيجابية من أنفسنا. كذلك، وجدت دراسة أخرى نُشرت في نفس المجلة، أن استعراض وتعديل حساب الفيسبوك الخاص بك، يمكنه أن يُعزز ثقتك بنفسك وتقديرك لذاتك.

على النقيض، أجرى باحثون كنديون بجامعة ‹‹يورك York›› دراسة على مجموعة من مستخدمي فيسبوك، تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 25 عامًا. قاموا خلالها بتحليل طريقة استخدام كل فرد للموقع، ومراجعة المحتوى الذي ينشره على حسابه الشخصي. توصلت النتائج إلى أن الأفراد الذين يُمضون أوقاتًا أطول على الفيسبوك، يميلون لامتلاك شخصيات نرجسية وشعورًا دفينًا بعدم الأمان.

تبين لهم ذلك من خلال البحث عن أدلة، تُشير لاستعمال المستخدمين حساباتهم في الترويج لأنفسهم؛ فيما يُعرف بمصطلح ‹‹الترويج الذاتي self-promotion›› مثل تحديث حالتهم كل خمس دقائق، ورفع صور لأنفسهم بشكل متكرر، بجانب نشر صور مشاهير يُشبهونهم، إضافةً إلى كتابة اقتباسات وعبارات يُمجدون فيها أنفسهم.

خرجت عديد من الدراسات الأخرى بنتائج تُشير إلى وجود صلة مباشرة، بين الزيادة الحادة في تشخيص اضطراب الشخصية النرجسية خلال العشر سنوات الأخيرة، وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي في كل مكان. فضلًا عن تصنيف الباحثين بعض السلوكيات، التي يتبعها رواد تلك الشبكات مثل السعي لاجتذاب مزيد من المتابعين، والظهور في صورة إيجابية أمامهم طوال الوقت، ومشاركة تفاصيل حياتهم معهم، ضمن صفات الشخصية النرجسية على وسائل التواصل.

صغيرات السن العازبات هن الأكثر ارتباطًا

في السياق ذاته، أجرى قسم العلوم النفسية بجامعة ‹‹بيرغن Bergen›› النرويجية دراسة، تهدف إلى بحث العلاقة بين إدمان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والنرجسية، واحترام الذات. أجريت على شريحة من المتطوعين البالغ عددهم 23,532 فرد، تتراوح أعمارهم بين 16 إلى 88 عامًا.

شارك المتطوعون فيها عبر ملء استبيان على شبكة الإنترنت، يتضمن ‹‹مقياس بيرغن لإدمان وسائل التواصل الاجتماعي BSMAS››، و‹‹جرد الشخصية النرجسية Narcissistic Personality Inventory-16››، بالإضافة إلى ‹‹مقياس روزنبرغ لاحترام الذات Rosenberg Self-Esteem Scale››.

أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين سجلوا درجات مرتفعة على مقياس بيرغن، كانوا في الأغلب إناثًا صغيرات السن عازبات، وطالبات ذوات مستوى تعليم أقل من غيرهم، يُظهرن صفات تتسم بنرجسية عالية، وتقدير منخفض للذات.

جاءت النتائج مؤيدة لبعض الآراء التي تربط إدمان استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، بالحاجة إلى إشباع الأنا/الغرور Ego، ومحاولة تعويض تقديرهم السلبي لذاتهم. أشارت كذلك إلى أن النساء أكثر عرضة إلى إدمان استخدام الأنشطة، التي تتضمن ألوان التفاعل الاجتماعي من الرجال.

الجدل حول شبكات التواصل: سبب أم نتيجة؟

خلال الربع الثاني من عام 2016، قُدرت الفترات التي يقضيها المستخدمون الأمريكيون على وسائل التواصل الاجتماعي، بأكثر من 215 دقيقة أسبوعيًا عبر الهواتف الذكية، و61 دقيقة أسبوعيًا على أجهزة الكمبيوتر الشخصي، و47 دقيقة أسبوعيًا على أجهزة الكمبيوتر اللوحي.

بهذا نجد أنفسنا في مواجهة معضلة فلسفية، هل تتسبب شبكات التواصل في تحويل مستخدميها، من أفراد متواضعين نسبيًا إلى حشود من النرجسيين المتعطشين للشعبية والشهرة، أم أنها طبيعة متأصلة في أنفسنا بالفعل؟

يؤمن عالم النفس ‹‹سياران ماك ماهون Ciarán McMahon›› أن الصلة بين النرجسية واستخدام شبكات التواصل الاجتماعي ليست واضحة كفاية. في رأيه، يتمحور جدال الأكاديميين حول بيانات دراساتهم وكيفية قياسها، ويرى أن هناك انتشارًا للنرجسية، يقابله على نحوٍ موازن زيادة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، لكن لا يمكن الجزم كليًا، ما إذا كان هناك ارتباط وثيق بينهما.

يعتقد أيضًا أنه ربما انتشرت النرجسية بشكلٍ واسع في ثقافات المجتمعات أولًا، ثم أدى ذلك بطبيعة الحال إلى انعكاس ظهورها على شبكات التواصل؛ فحتى تصبح وسائل التواصل بهذه الدرجة من الشعبية، لابد أن يسبقها وجود فعلي للنرجسية من قبل.

على جانبٍ موازٍ، تعتقد المستشارة والمعالجة النفسية ‹‹لوسي كلايد Lucy Clyde››، أن كلًا منا يملك ميولًا نرجسية، أصبحنا أكثر وعيًا بصفاتها ببساطة؛ بسبب انتشار وسائل التواصل الاجتماعي. لا تتصور ‹‹لوسي›› وسائل التواصل الاجتماعي سببًا في اضطراب الشخصية، بل تنظر إليها كوسيلة تعبير.

مما يعني أنه لا يمكن تحديد ما إذا كانت طبيعة النرجسيين تدفعهم نحو شبكات التواصل الاجتماعي، أم أن طبيعة هذه الشبكات هي ما تجعل مستخدميها أكثر نرجسية، وربما يكون الأمر مزيجًا من هذا وذاك.