اسمه مايكل سيكونتي، وهو طرازٌ فريدٌ من القضاة، لا يستطيع أي شخصٍ مَثلَ في حضرته يومًا أن ينساه. وسواء كنتَ جانيًا أم مجنيًا عليك، ستجد في الأحكام التي يصدرها دروسًا جديرة بالتأمل، ليس فقط في القانون، ولكن أيضًا في الحياة. 

أحكامه فريدة من نوعها، ورغم بساطتها إلا أن فسلفتها عميقة: الشباب بحاجة إلى من يوقف انزلاقهم إلى مستنقع الجريمة منذ البداية، وإلا ستتفاقم الأمور، وبمجرد دخولهم السجن سيصبحون «مجرمين أذكياء» بمقدورهم ارتكاب جرائم أكبر. 

أدرك سيكونتي، بخبرته الطويلة في سلك القضاء، أن عُتاة المجرمين لا يولدون زعماء عصابات أو قتلة متسللين، بل تبدأ القصة عادة بتجاوزاتٍ بسيطة، لا تجد من يتعامل معها بحكمةٍ في أول الأمر، ثم يجرفهم التيار بعيدًا حين يقضون أوقاتًا عصيبة داخل السجون، ويواجهون صعوبات أكبر في إعادة الاندماج بعد إطلاق سراحهم. 

«التفكير خارج الزنزانة»

والنتيجة المبهرة التي أنجزها القاضي الحكيم بأحكامه غير التقليدية هي أن نسبة عودة المدانين إلى الجرائم في القضايا التي حكم فيها انخفضت إلى 10% مقارنة بـ75% على المستوى الوطني، وفقًا لتقرير صادر عن وزارة العدل الأمريكية عام 2014.

انطلاقًا من اعتقاده بـ«أن التطبيق الحرفي للقانون ليس هو الطريقة الوحيدة لخدمة العدالة»، أصبحت العقوبات المبتكرة قرارًا معتادًا يتخذه القاضي الذي ينظر في 30 إلى 40 قضية يوميًّا داخل قاعة محكمة بينسفيل في ولاية أوهايو. وفي ما يلي بعض أحكامه غير التقليدية:

المشي خيرٌ من النصب

حين تهرَّبت فيكتوريا باسكوم (18 عامًا) من الدفع لسائق سيارة الأجرة مقابل رحلة طولها 30 ميلًا، خيَّرها القاضي بين قضاء 30 يومًا في السجن، أو المشي مسافة 30 ميلًا في غضون 48 ساعة. 

كانت الرسالة التي أراد القاضي إيصالها، هي: أن المرء إذا لم يكن يمتلك المال لركوب سيارة أجرة، فبإمكانه السير، بدلًا من التهرب من الدفع. وللتأكد من أن فيكتوريا تعلمت الدرس؛ وضعها القاضي تحت المراقبة لمدة أربعة أشهر، وبالطبع دفعت 100 دولار لسائق سيارة الأجرة، وهي تشعر بأنها محظوظة لأنها لم تدخل السجن بتهمة السرقة.

 «مكبّ نفاياتٍ» مقابل حبس كلب

اعترفت أليسا مورو بالإهمال والقسوة، في معاملة كلبها (سبع سنوات)، حين تركته لمدة أسبوع في منزلٍ يمكن وصفه بأنه مكب نفايات. فخَيّرها القاضي بين قضاء 90 يومًا في السجن، أو جمع القمامة من مكب نفايات لمدة ثماني ساعات. كان القاضي سيكونتي يأمل أن الفتاة، بعد مرورها بهذه التجربة «المقززة»، ستشعر بالمعاناة التي اضطرت إليها كلبها باحتجازه في ظروف قاسية. 

خدمة المجتمع قد تمحو جريمة السرقة

حين أقرّ جودران والش بسرقة دراجة هوائية، خيّره قاضي بينسفيل بين قضاء 60 يومًا في سجن مقاطعة ليك، أو خدمة المجتمع لمدة 10 أيام. لم يكن الاختيار صعبًا، ورحب الشاب بركوب دراجة تحمل بالونات تُرَوِّج لجمعية خيرية محلية. 

وبفضل القاضي الحكيم حصل والش على فرصة ثانية، بدلًا من دخول السجن بسبب «خطأ غبي». والمفارقة أن صاحب الدراجة المسروقة كان سعيدًا أيضًا، وصافح والش بعد النطق بالحكم، مهنئًا إياه على «نجاة مستقبله». 

Embed from Getty Images

وحيدة في الغابة بدون طعام

وعندما أدينت ميشيل موراي برمي 35 هرة صغيرة في حديقة محلية، ما أدى إلى موت تسع منها بين عشية وضحاها؛ خيرها القاضي بين السجن لمدة 90 يومًا، أو التبرع بـ500 دولار للحديقة التي تركت فيها القطط، بالإضافة إلى قضاء ليلة في الغابة بمفردها، بدون طعام أو كتب أو أموال، أو أي مستلزمات أساسية أخرى. 

مع الخنزيرة دوللي.. تعلَّم احترام رجال الشرطة

وبالتأكيد شعر ستيفن ثومبسون، من ولاية أوهايو، بالندم؛ لأنه وصف ضابط شرطة بأنه «خنزير»، حين حكم عليه القاضي بالوقوف أمام مركز الشرطة المحلي في مدينة بنسلفيل بولاية أوهايو لمدة ساعتين، ومعه خنزير يبلغ وزنه 350 رطلًا اسمه دوللي، رافعًا لافتة كتب عليها: «هذا ليس ضابط شرطة».

الاستماع إلى «صوت الطبيعة» يغسل الروح من الضوضاء

أدين كينياتا ريد (22 عامًا) بـ«تكدير السلم العام»؛ لأنه رفع صوت الموسيقى حد إزعاج الآخرين، فحكم عليه القاضي بالجلوس وحيدًا لمدة ثلاث ساعات في الغابة يستمع إلى «صوت الطبيعة». 

مسيرة بصحبة حمار

حين تشاهد جيسيكا لانج وبريان باتريك (كلاهما يبلغ من العمر 19 عامًا)، وهما يقودان حمارًا في شوارع فيربورت هاربور، بولاية أوهايو؛ فلا بد وأن هذا حكم قاضي بينسفيل الشهير. 

بالفعل، كانت هذه طريقته لجعلهما يعتذران عن تشويه تمثال لـ«الطفل يسوع» سرقاه عشية عيد الميلاد. وبعد المسيرة التي استغرقت 30 دقيقة، اقتادهما رجال الشرطة لقضاء عقوبة السجن لمدة 45 يومًا، والعلاج من المخدرات والكحول، وكان عليهما أيضًا استبدال التمثال.

وعادة ما يخرج القاضي سيكونتي بنفسه ليتأكد من التزام المدانين بالعقوبة التي فرضها عليهم، مثلما فعل مع ثلاثة شبان من بينسفيل ألقوا الصخور من على جسر أوهايو 2 في مقاطعة ليك، فحكم عليهم بحمل لافتة تحمل اعتذارًا علنيًّا عن سلوكهم السيئ.

حقوق الملكية الفكرية لقرد.. 7 من أغرب القضايا التي نُظرت أمام المحاكم

استحضار «روح القانون» لإنقاذ المدانين

قاضي محكمة بينسفيل في ولاية أوهايو، مايكل سيكونتي، ليس رجل القانون الوحيد الذي يبتكر أحكامًا غير تقليدية، فهناك العديد من القضاء حول العالم يتبعون النهج ذاته؛ في محاولةٍ لإصلاح سلوك المدانين وتهذيب أخلاقهم بدلًا من الانتقام منهم.

معاينة جثث ضحايا حوادث السيارات.. لتعليم أخلاقيات القيادة

حين اعتُقل جوناثان تاراسي، 27 عامًا، في مقاطعة ليك بولاية أوهايو، بتهمة قيادة السيارة تحت تأثير الكحول، خيره القاضي بين السجن، أو معاينة جثتي اثنين من ضحايا حوادث السيارات، إلى جانب غرامة قدرها 600 دولار، وسحب رخصة القيادة.

ولأن هذه كانت المرة الأولى التي يدان فيها جوناثان بهذه التهمة، أوقف القاضي تنفيذ السجن لمدة 60 يومًا من العقوبة التي تبلغ مدتها 65 يومًا، وسمح له بحضور برنامج قيادة لمدة ثلاثة أيام، وقضاء اليومين المتبقيين في معاينة جثث ضحايا حوادث السيارات. 

الردع لا الإيذاء.. العين بالعين والرشَّة بالرشَّة

حين مثلت دياموند جاستون أمام المحكمة بتهمة رش رذاذ الفلفل في وجه بائع داخل محل برجر كينج؛ طبّق القاضي قاعدة «العين بالعين» حرفيًّا، فسمح للضحية بأن يرش وجهها بالمادة المسيلة للدموع. 

لكن تبين لاحقًا أن السائل الذي رشّه عليها البائع في قاعة المحكمة، لم يكن سوى محلول ملحي، من النوع الذي تستخدمه الشرطة في التدريبات؛ ذلك أن القاضي كان يريد تخويفها دون إلحاق الأذى بها.

تحكمي في غضبك عبر غزل «التريكو»

كانت المواطنة البريطانية أماندا ماكابي في طريقها لشراء خيوط التريكو، عندما تشاجرت مع امرأة أخرى، فما كان من أماندا إلا أن قفزت من سيارتها ولكمت المرأة الثانية في وجهها. 

حين ذهبت أماندا المتهمة إلى قاعة المحكمة، أعطاها القاضي مهلة لمدة شهر لغزل بعض الأشياء التي يمكن بيعها لصالح جمعيات خيرية أو دخول السجن.

«لا تقُد سيارتك على الرصيف لاجتياز حافلة»

شعرت شينا هاردين من كليفلاند في ولاية أوهايو بالإحباط حين توقفت حافلة مدرسية لإنزال الطلاب أمام سيارتها، فقررت أن تجتاز الحافلة من خلال القيادة عبر الرصيف المخصص للمشي. 

وحين مثلت هاردين أمام قاضي محكمة كليفلاند بينكي كار، حكم عليها بالوقوف بالقرب من المكان الذي وقع فيه الحادث وهي تحمل لافتة كتب عليها «فقط الأحمق هو من يقود سيارته على الرصيف؛ لاجتياز حافلة مدرسية». بالإضافة إلى ذلك، سُحَبَت رخصة هاردين لمدة 30 يومًا، وتكبدت غرامة قدرها 250 دولارًا. 

الغرامة لا تكفي عقوبة الضوضاء

لدى قاضي بلدية فورت لوبون في كولورادو، بول ساكو، عقوبة مثيرة للأشخاص الذين يخرقون قوانين الضوضاء؛ إذ يجبرهم على الجلوس والاستماع إلى موسيقى لا يحبونها لمدة ساعة كاملة أربع مرات في العام، بعدما لوحظ استسهال المدانين بهذا النوع من الجرائم دفع الغرامات، ثم العودة مرة أخرى إلى سلوكهم المزعج.

ونظرًا إلى أن مرتكبي هذا النوع من التجاوزات يستمعون عادة إلى موسيقى «الهيب هوب» أو أحدث أغاني «الروك آند رول»، حاول القاضي أن يجعل عقابهم مؤلمًا قدر الإمكان بإجبارهم على الاستماع إلى لون مختلف من الموسيقى مثل أغاني الأطفال والأغاني القديمة.

«سيادة القاضي.. ساعدني في تأديب طفلي»

عندما حصلت امرأة من لوس لوناس في نيومكسيكو على مخالفة مرورية؛ لأن ابنها البالغ من العمر ست سنوات لم يكن يثبت حزام الأمان، أوضحت للقاضي أنها تربط الحزام لابنها بالفعل لكنه يفكه باستمرار أثناء قيادتها السيارة، وطلبت من المحكمة مساعدتها في تأديب ابنها. 

وبالفعل استجاب القاضي جون سانشيز بإرسال الطفل إلى مدرسة المرور، والجلوس بين يدي مدرس قيادة في حصةٍ تدريبية لشرح مدى أهمية تثبيت حزام الأمان. 

إقامة جبرية في شقة متداعية للشعور بمعاناة المستأجر

أدين نيكولاس ديونيسوبولوس من كليفلاند بولاية أوهايو بانتهاك قوانين المباني في عشرات الممتلكات التي يديرها حول المدينة. وكانت العقوبة التي أصدرها القاضي ريمون بيانكا هي قضاء ستة أشهر من الإقامة الجبرية في إحدى شققه المتداعية، ولا يُسمح له بمغادرة العقار إلا لإصلاح ممتلكاته الأخرى أو الذهاب إلى الكنيسة أو حضور المناسبات العائلية الخاصة.

كما كبده القاضي غرامة قدرها 100 ألف دولار، وإعادة الأموال التي دفعها المستأجرون من أجل أعمال الإصلاح التي لم يقم بها، وتسليمها إلى محكمة كليفلاند للإسكان، لتستخدم في عمليات الإصلاح والتنظيف. وبموجب أمر المراقبة الصادر بحقه، مُنع نيكولاس الذي يمتلك 41 عقارًا في المنطقة، من شراء المزيد من العقارات دون إذن من المحكمة، ووضعت تحركاته تحت مراقبة شركة أمنية. 

أحيانًا يكون استحضار روح القانون أفضل من الالتزام بنص العقوبة، ويحدث المراد من القانون بتهذيب المخطئ وإصلاحه

باقة زهور ودعوة للعشاء تعفيك من عقوبة «العنف الأسري»

وجد جوزيف براي (47 عامًا)، من مدينة بلانتيشن بولاية فلوريدا، نفسه أمام المحكمة يواجه اتهامًا في نزاعٍ عائلي، بدأ عندما نسي عيد ميلاد زوجته. وبدلًا من مواجهة تهمة «العنف الأسري» حكم عليه قاضي مقاطعة بروارد جون هيرلي بشراء أزهار لزوجته والتأنق واصطحابها للعشاء ولعب البولينج، إلى جانب الذهاب معًا للحصول على استشارة أسرية. 

كما أسهمت شهادة الزوجة في تخفيف الحكم، إذ أكدت أن زوجها دفعها فقط أثناء المشاجرة لكنه لم يضربها، وطلبت من القاضي أن يعيده معها إلى المنزل، وقد كان موقفًا مؤثرًا بلا شك.

ستظل صورة الضحايا أمامك طيلة فترة العقوبة

أدينت ميليسا دون سويني (28 عامًا)، المقيمة في ولاية تكساس، بإساءة معاملة الحيوانات، بعد أن جوّعت حصانيها، وتركتهما في العراء خارج منزلها المتنقل دون طعام أو مأوى لمدة أربعة أشهر؛ لأنها كانت «كسولة». 

نتيجة لذلك، حكم عليها القاضي مايك بيترز بقضاء 30 يومًا في السجن، لا تحصل في أول ثلاثة أيام منها إلا على الخبز والماء فقط، وهو «أكثر مما منحته لخيولها» على حد قول القاضي مايك بيترز، الذي قضى أيضًا بتعليق صور مكبرة للحصانين على جدار زنزانتها أثناء فترة الحبس لتذكيرها بجريمتها. 

 ضَعْ نفسك مكان المرأة «حرفيًّا» التي اعتديت عليها

حين مَثلَ جيسون هاوسهولدر (23 عامًا) وجون ستوكوم (21 عامًا) أمام المحكمة بتهمة إلقاء زجاجة بيرة على امرأة في سيارة، خيرهما القاضي ديفيد هوستيتلر بين قضاء 60 يومًا في السجن أو السير وسط مدينة كوشوكتون، التي يبلغ عدد سكانها 12 ألف نسمة. 

المبتكر أنهما سيسيران وهما يرتديان فستانين نسائيين، ويضعان شعرًا مستعارًا، وأيضًا ماكياج، إلى جانب غرامة قدرها 250 دولارًا لكل منهما. وكانت العقوبة تهدف إلى تعليم الشابين احترام النساء، لكن ربما يكونا قد تعلما مهارة إضافية، هي السير بالكعب العالي.

حظر العلاقات الحميمة عقوبة الاعتداء على صديقتك

حين قُبض على ستيفن كرانلي (24 عامًا) بسبب الاعتداء على صديقته السابقة، وقال الأطباء إنه يواجه صعوبة في التأقلم مع الرفض، حكم عليه القاضي ريس مورجان بالامتناع عن إقامة «علاقة رومانسية ذات طبيعة حميمة مع أي أنثى» لمدة ثلاث سنوات. 

خلال هذه الفترة، تلقى كرانلي استشارات اجتماعية، لكن في منتصف المدة، اعتدى مرة أخرى على امرأة أخرى من معارفه، وحُكِم عليه بالسجن لمدة عامين. 

حضور قداس الأحد لا يكفي لإصلاح عتاة الإجرام

بعدما نفد صبر القاضي كريستين دالتون حيال السجل الإجرامي الطويل والعنيف للمجرم العتيد باتشينو هيل (29 عامًا)، من دافنبورت، خيره القاضي بين السجن لمدة تصل إلى عامين؛ بسبب الهرب من الشرطة وانتهاك حظر القيادة، أو حضور ثمانية آحاد متوالية في الكنيسة، والخضوع لبرنامج المشورة الكنسية، ودفع غرامة، والخضوع للرقابة لمدة عام. لكن في غضون 10 أشهر، حوكم هيل مرة أخرى بتهمة القتل غير العمد أثناء اقتحام منزل، بالإضافة إلى تورطه في حادث طعن منفصل.

سجون عائليّة وأخرى بدون حراسة.. 5 من أغرب سجون العالم

المصادر

تحميل المزيد