بعد قرون من ازدهار الحضارة الإسلامية في الأندلس، تدهورت أحوالها تدريجيًّا لتنتهي آخر مراحلها بسقوط غرناطة عام 1492، وقد جرى بين عامي 1609 و1614 طرد الموريسكيين -المسلمين الذين عاشوا في إسبانيا بعد سقوط غرناطة. وكان الطرد هذه المرة نهائيًّا من إسبانيا، لا مجرّد نفي داخل الأراضي الإسبانيّة كما حدث سابقًا. وقد رأى الإسبان في الترحيل القسريّ الحلّ النهائيّ لـ«مشكلة» عدم اندماجهم في المجتمع الجديد، وبذلك أنهى القرار تسعة قرون كاملة من الوجود الإسلامي في المنطقة، بينهم قرن كامل من التخفّي.

كان قرار الطرد قد ظل لعقود طويلة أحد الحلول المطروحة لـ«مشكلة» وجود أقليّة تَدين بدين مختلف عن الأغلبية المسيحية، لكن المؤرخين يشيرون إلى اختلاف رجال الكنيسة حول القرار؛ فقد كان بعضهم يرى مواصلة العمل بالوسائل التقليدية من وعظ وتعليم لتنصير الموريسكيين، حتى لو كان ذلك على المدى البعيد؛ بينما كان البعض الآخر ممن اقترب من الموريسكيين مباشرة يرى عدم جدوى الوعظ في تنصيرهم، وقد ساند هؤلاء قرار الطرد، لكن أغلب رجال الكنيسة لم يكونوا من أنصار القرار حين تم اتخاذه، ولا كان «بابا الفاتيكان» في روما مؤيّدًا له.

اقرأ أيضًا: هكذا طُرد الأندلسيون: القصة الكاملة لطرد أهل الأندلس من ديارهم

قرار الطرد رغم المعارضة

كل الموريسكيين كانوا يبكون ولم يكن هناك قلب إلا انفطر على الأسر التي يتم ترحيلها، فقد كان منهم كثيرون أبرياء واثبتوا ذلك. *المؤرخ بيرنارد فينسنت يصف مشهد الرحيل

كان «فيليبي الثاني» قد قرر -منذ سنوات- ترحيل الموريسكيين من غرناطة بعد «حرب البشرات» التي قاموا يها ضد التاج القشتالي، وتوزيعهم متفرقين على أنحاء «مملكة قشتالة» في محاولة لحل «مشكلتهم» ودمجهم في المجتمع، ولمّا لم يحدث ذلك، اتخذ «فيليبي الثالث» قرار الطرد، لكي تتوحد مملكته تحت راية العقيدة الكاثوليكية، بالرغم من تحفظات رجال الكنيسة، كما فشل نفوذ بعض السادة ومساعي بعض البلديات لاستبقاء الموريسكيين لأسباب اقتصادية؛ فقد تميزوا بقدرتهم الكبيرة على الإنتاج.

كتب الكاردينال «ريشيلو» -وهو أحد رجال الدين والنبلاء الفرنسيين- عن عملية الطرد: «إنها أكثر الأعمال وحشية في التاريخ، وإن آثارها الاقتصادية والديموغرافية كانت عنيفة جدًا».

صورة لوحة طرد الموريسكيين- جابرييل بويج رودا

وقد أشار المؤرخ «بيرنارد فينسنت» إلى أن عدد من بقي من الموريسكيين في إسبانيا بعد الطرد النهائي كان كبيرًا أيضًا، وأن بعضهم تعلل بحجج تستثنيهم، كما اختفى بعضهم وسط المسيحيين القدامى الذين تواطؤوا معهم.

كما كتب أحد الرهبان حول الوضع الاقتصادي للبلاد بعد الطرد مؤكدًا «حدوث نقص في الأيدي العاملة»، واصفًا القرار الذي كان دافعه «التقوى» بأنه «سبّب نقصًا كبيرًا في الأمور الدنيوية، فهناك أراض زراعية لا تجد من يزرعها».

وبشكل عام؛ لم تتوفر دراسات كثيرة حول الموضوع، لكن المؤرخين جمعوا من خلال الشهادات المعاصرة صورة للوضع الذي عاشته المدن الإسبانية والقرى في تلك الفترات المظلمة من تاريخها.

اقرأ أيضًا:مترجم: مأساة الأندلس.. درسٌ عمره 400 عام لم يتعلَّمه الغرب

«الحق ما شهدت به الأعداء»: الموريسكيون أهل صنعة ومهارة

كانوا مهرة بالفعل في الزراعة، لكنهم كانوا يمتصّون بهذه الطريقة أموالنا، ويتعاونون حتى لا يكون بينهم فقراء، بينما يحرمون المسيحيين من تلك الفوائد، ولا ينفقون شيئًا من المال ولا يشترون الخمر، وقد كان أحد الأبواب الرئيسية للإنفاق.* أحد المؤرخين المؤيدين لقرار الطرد

منذ اللحظات الأولى لقرار الطرد -وقبله أيضًا- كان واضحًا حجم التأثير الاقتصادي الكارثيّ الذي يمكن أن يسبّبه في المنطقة، حتى أكثر الأصوات المؤيدة للطرد لم تكن تنفي تلك الآثار، وإن اتخذت طرقًا تعبّر عن الكراهية، فتذكر مثلًا اجتهاد الموريسكي في العمل مقترنًا بـ«الشح والبخل»، والرغبة في الحصول على المال فقط واكتساب بعض الوجاهة.

ترك الموريسكيون أراضيهم وممتلكاتهم ولم يمكنهم حملها كلها معهم- مصدر الصورة

بعض المؤيدين إذن كان يحاول التقليل من الآثار الاقتصادية للطرد، دون أن ينفوا مهارة الموريسكيين، بينما يرى مؤلف آخر الأمر بطريقة مختلفة؛ فيقدّر نسبة الموريسكيين بحوالي 4% من سكان إسبانيا في ذلك الحين، وهي في رأيه -وإن كانت نسبة منخفضة مقارنة بمجمل السكّان- كانت تمثل نسبة مرتفعة من فئة القادرين على العمل، إذ ليس بينهم نبلاء ولا جنود ولا رهبان ولا متسولون، وكانوا يعملون بكد، كما كانوا يزهدون في الطعام، ويوفرون كثيرًا من المال.

وهكذا طالت الآثار الاقتصادية كل القطاعات بسبب علاقات التبعية بين الأقاليم، فكان الإضرار بقطاع ينتقل إلى القطاعات الأخرى، وكان رجال الإقطاع بين المتضررين بشكل مباشر، وقد حاولوا تحميل الضرائب التي كان الموريسكيون يدفعونها على المستوطنين الجدد.

اقرأ أيضًا: البحث عن «كنوز» الأندلسيين.. حُمَّى أصابت المجتمع الإسباني بعد رحيل الموريسكيين!

رحيل الموريسكيين يُضعف الاقتصاد في أنحاء إسبانيا

كانت أكثر المناطق تأثرًا بتهجير الموريسكيين هي تلك التي تعتمد على الزراعة؛ فقد خلّف رحيلهم أراضي واسعة لا تجد من يعمل بها، خاصة ما يحتاج منها لأيدٍ كثيرة مثل الكروم، كما تضررت كذلك محاكم التفتيش من خسائر كبيرة، لكنها حصلت على تعويضات كان من بينها تخصيص بعض الممتلكات التي خلّفها الموريسكيون.

في إشبيلية غاب بقرار الطرد حوالي 6% من السكان، كانوا هم من يزودون المدينة بما تحتاجه من ضروريات، وفي مرسية كانت الآثار أخطر في المدينة، وفي المناطق الريفية كان حوالي 8 آلاف موريسكي أو 10 آلاف يأتون إلى المدينة من «فالنسيا» لبيع الحرير، وكانوا يدفعون الضرائب ويدفعون حركة التجارة في المدينة، وسرعان ما أرسل السكان الشكاوى المطالبة بتخفيض الضرائب؛ نظرًا للعجز الذي تسبب به رحيل الموريسكيين، وحذر المسؤولون في إسبانيا من أن «مرسية» معرّضة للخراب إذا لم تستورد مادة الحرير من الخارج.

اقرأ أيضًا: التاريخ المجهول للموريسكيين المسلمين ونسلهم في أمريكا اللاتينية

كانت أخفّ الآثار في «ملقة»، وأكثرها في «المرية» إذ كانت مملكة فقيرة، وشكا ممثلو الملك فيها -حتى قبل الطرد- من الفقر الشديد، وكان دخل الكنيسة من ضرائب العشور التي تُدفع على الإنتاج الزراعي والماشية قد انخفض بشدة مع تنفيذ قرار الطرد.

وفي عام 1609، أعلن رئيس دير «المرية»: أن الإقليم أصبح خرابًا؛ لأن أرضه سيئة، والسكان الذين استوطنوا بعد رحيل الموريسكيين لا يعملون بجد، وبسبب المجاعة التي حدثت بعدها بسنوات غادر السكان الجدد تاركين الأرض.

ترك الموريسكيون أراضي كثيرة لم تجد من يزرعها

في بلد الوليد كانت الشكوى من اختفاء عمال البساتين، كما برز النقص الشديد في مهنة «البغالة»، وهي المهنة التي فضّلها الغرناطيون المشرّدون في «قشتالة»، فانخفضت وسائل النقل بسبب اختفاء 5 آلاف بغّال موريسكي.

وفي «أراغون» ظهرت مشكلة كبيرة استمرت طويلًا بسبب عدم معرفة السكان المسيحيين بنظام الري الذي كان الموريسكيون يتبعونه بدقة، وتأخرت المملكة في استرداد ازدهارها والوصول إلى معدّل الإنتاج السابق.

ومن جانب آخر ازدهرت تجارة الحرير، وصناعة الخمر التي تخصص فيها المسيحيون، إذ كانوا يشعرون ببعض الاشمئزاز من زراعة الأرز وقصب السكر، فضلًا عن أنها -وخاصة زراعة الأرز- شاقة وغير مناسبة للصحة.

إعادة توطين القرى التي غادرها الموريسكيون لم ينجح أغلبها

أُعيد توطين المدن التي رحل عنها الموريسكيون، ووصلت آلاف الأسر الإسبانيّة لتعيش في المدن والقرى التي سكنها المسلمون سابقًا، لكن مشاكلهم لم تتوقف؛ فقد كان عليهم مواجهة السلطات المحلية التي اعتادت استغلال الموريسكيين بوصفهم أقلية ضعيفة، إلى جانب مواجهة خطر العصابات والمنفيين، وعادت معظم هذه الأسر من حيث أتت، أما القادمون الجدد للإقامة في المناطق الساحلية: فكان عليهم مواجهة خطر القرصنة أو الجهاد البحري.

اقرأ أيضًا : كيف دمر «الجهاد البحري» اقتصاد أوروبا خلال القرنين الـ15 والـ16؟

الذّهب ذهب مع الموريسكيين

كان خروج الأموال أحد الآثار المهمة الأخرى، سُمح للموريسكيين بالخروج مع جزء من أموالهم وجواهرهم، وأخفى بعضهم ثروته أملًا في عودة مستقبلية أو شماتة في الأعداء الذين أخرجوهم من ديارهم، وكان هذا هو ميلاد الأسطورة التي تنامت عن وجود كنوز في البيوت الموريسكية، وقد عاد عدد من الأسرى الإسبان من شمال إفريقيا -حيث استقر بعض الموريسكيين- ومعهم خرائط تدل على أماكن الكنوز، وقد وجدها البعض وأخفى أمرها. وبصرف النظر عن مصير هذه الكنوز، فقد اختفت كميات يصعب تقديرها من الذهب والفضة مع رحيل الموريسكيين، واختفت كميات كبيرة من العملات التي أخرجها الموريسكيون من الإقليم بشكل قانوني أو سريّ.

اقرأ أيضًا: آخر حصون الأندلسيين.. لغة «الألخميادو» السرية

مصائبُ قوم عند قوم فوائد

كانت الطبقة الدنيا أو المعدمة تتصور أن قرار الطرد سيكون في صالحها، فرحبت به لأسباب اقتصادية؛ فبالنسبة للعامل والحرفي، كان الموريكسي منافسًا مزعجًا، وقد يعني رحيله توفر ممتلكاته التي لا يمكنه حملها معه إلى مهجره بأسعار زهيدة، وقد خلّف الموريسكيون وراءهم أراضي كثيرة أسالت لعاب الكثير من المُعدمين والفقراء الإسبان، وكان بعضهم مدينًا للموريسكيين أيضًا، فرأى في رحيلهم الخلاص من الدين الذي يثقل كاهله، لكن وعلى غير المتوقع، طالبتهم الهيئة الملكية بسداد الديون في البداية باعتبارها من مستحقاتها، ثم دُفعت بعد ذلك للإقطاعيين باعتبارهم أكثر تضررًا بالطرد من غيرهم.

تضرّرت كذلك الطبقة المتوسطة من حملات التهجير تلك، إذ كانت تستثمر مدخراتها في نشاطات خاصة كان ضامنوها هم الموريسكيون، وبرحيلهم أعلن بعض هؤلاء إفلاسهم، إذ لم تعد الأموال لديهم تكفي لسدّ الديون، ما اضطر الملك إلى تخفيض الأرباح على المدخرات.

رحيل الموريسكيين يخلط الأوراق

بعد عشرات السنين، تردّت الأوضاع المعيشية في قشتالة، وحدث ركود شديد في المعاملات وكساد في التجارة بسبب طرد الموريسكيين؛ لأن أغلبهم كان من أصحاب معاملات دافعي الضرائب الذين ينعشون الخزينة الملكيّة، وبرحيلهم اضطرت إدارة الملك إلى تخفيض الضرائب المفروضة على الإقليم، بسبب عجز السكّان عن الدفع.

الملاحظ أن رحيل الموريسكيين كان مبررًا عامًا لكل المصائب التي ألمّت بالولايات القشتالية بعد ذلك، لكن في النهاية: يُجمع المؤرخان «أنطونيو دومينغيث أورتيث» و«برنارد فينسينت» على أنّ الآثار الاقتصادية لقرار الطرد لم تظهر على الإطلاق في الأقاليم الشمالية؛ بل كانت محدودة في بعض الأقاليم، وقاسية في «أراغون» و«فالنسيا»: «وهي وإن لم تتسبب في الخراب الذي تحدثت عنه بعض الدراسات التاريخية، لكنها كانت ذات ثقل، إذ كانت من العوامل التي جعلت من القرن السابع عشر قرن تردٍ وانحطاط».

المصادر

تحميل المزيد