من خلال اعتبار النظام السوري حصنا في مواجهة الانتفاضات العربية، ذهبت القوى الكبرى التي بإمكانها إنهاء الحرب في سوريا تسعر نيرانها بدلًا من أن تطفئها.

باتت الأزمة السورية دائرة سياسية مغلقة، بالرغم من أن نظام البعث هو المسؤول الأول عن إيجاد هذه الدائرة، إلا أن عددًا من الأقطار غير المجاورة دفعت بنفسها إلى قلب الأزمة.

بغض النظر عن التكتيكات التي يتم اللجوء إليها، فشلت كل هذه القوى في تطوير استراتيجيات في سوريا، وبذلت جهودًا هائلة لإخفاء الحقائق الأساسية حول كيفية حل هذه الأزمة.

يمكن التعرف على ثلاثة عوامل في السياسات والمقاربات والتحليلات التي جرى تبينها في سوريا منذ مارس (آذار) 2011. أما أولها فهي التحليلات التي بدأت في سوريا، ولكنها انتهت عند نقطة لا صلة لها بسوريا، ولا تعني لها شيئًا.

وأما العامل الثاني فهو المساعي التي ركزت على حماية نظام الأسد، قبل وبعد ظهور «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، بينما العامل الثالث هو السعي بطريقة لا أخلاقية بتاتًا إلى التستر في سوريا على أكبر مأساة إنسانية تقع على الإطلاق.

معظم اللاعبين من خارج الجوار فسروا الأزمة السورية على اعتبارها فرصة سانحة لوقف الانتفاضات العربية، بدلًا من أن يروا فيها ثورة يقوم بها السوريون ضد ديكتاتورية البعث التي جثمت عقودًا فوق صدورهم.

بدلًا من السعي إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة وفي العالم على المدى البعيد، استثمرت تلك القوى في تحقيق مكاسب آنية قصيرة المدى؛ مما نجم عنه تصاعد الإرهاب حول العالم، وما رافق ذلك من مشكلة الهجرة الجماعية.

وبالتالي لم يعد أحد يتحدث عن نظام الأسد، وذلك بالرغم من أنه قتل مئات الآلاف من شعب سوريا، واستخدم الأسلحة الكيماوية، ودعا صراحة المجموعات الإرهابية إلى البلاد، وساعد بعد ذلك على انتشارها ثم تسبب في هجرة الملايين من الناس.

الأسد كمحفز

بالطبع، أولئك الذين بادروا إلى حماية نظام الأسد، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لم يفعلوا ذلك حبًا فيه.

كانت هناك حاجة إلى محفز دموي وفوضوي لوقف موجة التغيير التي أشعلت شرارتها الانتفاضات العربية، وما نجم عنها من إطاحة بـ«زين العابدين بن علي» وبـ«معمر القذافي» وبـ«حسني مبارك»، ثم فقد إدارة «نوري المالكي» السيطرة في العراق، ثم تشديد إسرائيل للحصار المفروض على غزة.

وكما أنه قد ثبت بوضوح أنه لا الأنظمة الإقليمية ولا الأقطار الغربية قادرة على التعامل بعقلانية مع ما يجري في سوريا، فقد اختار كلا الطرفين الاستثمار في الأسد بوصفه لاعبًا هامًا في الثورة المضادة في منطقة الشرق الأوسط.

تحولت الانتفاضات إلى مأساة إنسانية مهولة، لدرجة أن المطالبة بحقوق الإنسان الأساسية وبالديمقراطية اعتبرت مبررًا للفوضى الدموية التي أعقبت ذلك. وما لبث النظام القديم أن عاد في مصر، وتعمقت حالة انعدام الاستقرار في ليبيا، وبثت الحياة من جديد في الوضع القديم الذي كان قائما قبل الثورة في تونس.

ومع تتابع الأحداث، بقيت تركيا البلد الوحيد الذي يتمسك الموقف نفسه منذ اليوم الأول، وهو الموقف الذي يستمر في تأكيد حقيقة أن المصدر الأساسي للمشكلة هو الأنظمة التي سفكت الدماء وقمعت المطالبات الشعبية بالتغيير.

أصرت تركيا على أن الإرهاب الإقليمي والدولي سيستمر في التصاعد ما لم تتوقف المذابح التي يرتكبها نظام الأسد، وأن مشكلة الهجرة الكونية لن يتسنى التحكم بها والسيطرة عليها ما لم يتم إقامة منطقة آمنة داخل سوريا.

أولئك الذين تجاهلوا تحذيرات تركيا استمروا في دعم الحروب التي تشتعل بالوكالة داخل سوريا، بل اتخذوا خطوات باتت تشكل تهديدا على وحدة الأراضي السورية، وتلك المقاربات هي التي أدت خلال السنوات الخمس الماضية إلى تنامي وتمدد كل من داعش و«حزب العمال الكردستاني» اللذين قتلا مئات المدنيين والجنود والشرطة داخل تركيا على مدى العام الماضي.

اختبار الإخلاص

طالما رأى زعماء الحروب بالوكالة من أصحاب التفكير قصير المدى في داعش عدوًا ملائمًا، سمح لهم بتصوير سوريا على أنها مجرد ساحة حرب ضد هذه الجماعة، ونحن نرى في ذلك صورة غاية في البشاعة.

لقد تمكن التحالف الدولي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، من جمع الولايات المتحدة مع روسيا، وإيران مع إسرائيل، والمملكة العربية السعودية مع العراق في خندق واحد ضد داعش، ومع ذلك ظلت المنظمة على قيد الحياة.

بالطبع، السبب لا يكمن في قوة داعش، ولكن في حقيقة أن التحالف لا يملك جوابًا على السؤال التالي: ما الذي سيحدث لسوريا فيما لو هزمت داعش؟

بمعنى آخر، أولئك الذي ظنوا أن بإمكانهم إخماد مطالب الشعب السوري في الأيام الأولى من الأزمة من خلال طرح السؤال المخادع «ما الذي سيحدث بعد الأسد؟» غير قادرين الآن على الإجابة على سؤال «ما الذي سيحدث سواء للأسد أو للبلد في مرحلة ما بعد داعش».

دوما يُنظر إلى الأمر من وجهة نظر أولئك الذين ما يزالون يؤملون في الاستفادة من حروب الوكالة، فإن بقاء نظام الأسد ونجاته، والفوضى التي تعم سوريا، ووجود داعش أو غيابها ولد الأزمات نفسها.

ولهذا السبب نفسه، وبمجرد أن عبرت تركيا الحدود، سارع أولئك الذين طالما اتهموا تركيا ولسنوات بعدم قتال داعش إلى وصف الحملة التركية ضد داعش بأنها احتلال، محولين أنفسهم بذلك إلى مدافعين عن داعش.

التوصية التركية

كان من الممكن حل هذه الدائرة المغلقة، لو أن القوى العالمية أعارت التحذيرات التركية على مدى السنوات القليلة الماضية بعض الاهتمام. وكانت تركيا قد حذرت من أربعة أمور:

(1) المصدر الحقيقي للمشكلة هو نظام الأسد.
(2) لا مفر من إقامة منطقة آمنة لمنع المأساة الإنسانية ووضع حد لأزمة الهجرة.
(3)  خوض معركة على الأرض أمر لا مفر منه إذا ما أردنا أن نخوض حربا فعالة ضد داعش وضد غيرها من المنظمات الإرهابية.
(4) لا ينبغي السماح بإقامة مناطق منفصلة ذات طابع فصائلي أو عرقي أو ديني، طالما استمرت المذابح في سوريا.

لا يوجد في يومنا هذا توصيات أكثر واقعية من هذه التوصيات تجاه الأزمة السورية.

حزب العمال الكردستاني والأسد

النقطة الأخرى المهمة بالنسبة لتركيا في الأزمة السورية هي حزب العمال الكردستاني في سوريا. من المعلوم أن العلاقة بين حزب العمال الكردستاني ونظام الأسد ليس شيئًا طارئًا، وذلك مع التأكيد أن الأكراد في سوريا يشكلون مجموعة عرقية، طالما عانت أشد ألوان القمع على أيدي نظام البعث فيها.

وبينما كان الأكراد يعانون من الفظائع الدموية التي ارتكبها بحقهم نظام البعث لسنوات، كان زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان يعيش في كنف نظام الأسد وحمايته، وينعم بحياة مريحة لسنوات داخل دمشق، وطوال تلك الفترة لم يكن حزب العمال الكردستاني يخطر بباله طرح أسئلة حول مصير الأكراد السوريين أو حول الفظائع التي واجهها الأكراد في سوريا.

لم ينعم أكراد سوريا ببعض من الانفراج في أوضاعهم إلا في الفترة الواقعة ما بين عام 2003 وعام 2011، ويعود ذلك إلى حقيقة أن الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، كان قد كثف نقاشاته مع الأسد حول القضية عندما كانت تركيا وسوريا في وئام وانسجام.

خلال تلك الفترة كانت العلاقة بين نظام الأسد وحزب العمال الكردستاني قد تدهورت، لكنها ما لبثت أن عادت إلى سابق عهدها بمجرد انطلاق الثورة السورية.

في فترة ما قبل عام 2011، كان وجود حزب العمال الكردستاني في أوساط أكراد سوريا لا يكاد يذكر سواء من الناحية الاجتماعية أو من الناحية التنظيمية، إلا أن حزب العمال الكردستاني ما لبث أن تحول إلى لاعب وهمي في حالة «فراغ السلطة»، التي تكرست فيما بعد بفضل المساعدة والتسليح اللذين تلقاهما من الدول الغربية ومن نظام الأسد في الوقت نفسه.

في البداية، هاجمت قوات حزب العمال الكردستاني وحزب الوحدة الديمقراطي مختلف الجماعات الكردية المنظمة في سوريا، ثم نكلت بعد ذلك بالسكان العرب والتركمان ومارست ضدهم شكلًا من أشكال التطهير العرقي.

ما من شك في أن القوات المشتركة لحزب العمال الكردستاني وحزب الوحدة الديمقراطي حققت مكاسب على الأرض، من خلال ملاحقتها لداعش وكسبت قدرًا من الشرعية بسبب الزعم بأنها «الجماعة التي تتصدى لقتال داعش». يذكر في هذا المجال أن أول موجة هجرة لمئات الآلاف من الأكراد السوريين إلى تركيا، اشتملت على أكراد فروا من بطش حزب العمال الكردستاني. «منطقة متمردة خاصة» في شمال سوريا، تشبه تلك التي شكلها كل من تنظيم داعش و«حزب الله»، بل قامت أيضا بتنظيم هجمات انتحارية، قتل بسببها المئات من المدنيين وضباط الأمن في تركيا منذ عام 2015.

خلال صيف عام 2016 بالذات، تصاعد الإرهاب الذي مارسته القوات المشتركة لحزب العمال الكردستاني وحزب الوحدة الديمقراطي، وكذلك عناصر داعش في تركيا، الأمر الذي فرض على تركيا القيام بعملية مباشرة عبر الحدود.

العناصر واللاعبون الذين لا علاقة لهم

ما من أحد من أولئك الذين يدلون بدلوهم في الأزمة السورية أو الذين تورطوا بشكل أو بآخر في الأزمة، يرتبط جغرافيا بسوريا، بل ما من أحد منهم يواجه مخاطر سياسية أو اجتماعية ذات أبعاد أمنية مصدرها سوريا.

في المقابل، تركيا التي تشترك مع سوريا بحدود يكاد طولها يقترب من ألف كيلو متر، وتستضيف اليوم ما يقرب من ثلاثة ملايين لاجئ سوري، تتأثر لا محالة بكل تطور يحدث في سوريا.

أولئك الذين نسوا هذه الحقيقة الباردة بالأمس حينما كانوا يلهثون وراء حلم على امتداد الحدود بين تركيا وسوريا، بما جلب ذلك من تعكير للواقع الجيوسياسي، سوف يجدون اليوم صعوبة على الأغلب في فهم لماذا دخلت تركيا إلى سوريا لقتال داعش.

على مدى السنوات الأربع الماضية تمتعت القوات المشتركة لحزب العمال الكردستاني وحزب الوحدة الديمقراطي بمساندة ودعم تحالف دولي عريض. والآن آن للذين اختلقوا حكاية قتال القوات المشتركة لحزب العمال الكردستاني وحزب الوحدة الديمقراطي ضد داعش، أو بالغوا في تصوير أهميتها أن يروا كيف ألحق الجيش السوري الحر الهزيمة بداعش في أربعة أيام فقط؛ بفضل دعم متواضع من تركيا.

أولئك الذين ما فتئوا يقولون لسنوات إن الهم الأكبر في سوريا هو داعش، ينبغي عليهم الآن أن يشرحوا لنا لماذا لم يتخذوا أية خطوة لحسم هذه «القضية الأولى»؟ إذا لم يكونوا قادرين بعد على ممارسة هذا النقد الذاتي، فسيكون من حقنا التساؤل بشأن من الذين سيتحولون إلى عناصر ولاعبين لا علاقة لهم بالوضع في سوريا حينما تهزم داعش وتولي الدبر.

هذا المحتوى منقول عن عربي 21

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد