عبر زيارة مفاجئة ودون ترتيب مُسبق، كسر الرئيس السوداني عمر البشير العزلة الإقليمية والدولية على سوريا، والتقى ببشار الأسد، ليكون بذلك أول رئيس عربي يزوره منذ اندلاع الثورة السورية 2011، وسط تفسيرات متباينة لمآلات هذه الزيارة.

يرفع من أهمية هذه الزيارة تزامنها مع العديد من المتغيرات الإقليمية في الشرق الأوسط، على رأسها ضعف الموقف السعودي في العديد من الملفات على إثر قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، وإدانة مجلس الشيوخ الأمريكي لولي العهد في هذه القضية، إلي جانب مرور السودان بأزمات مالية صعبة، وتظاهرات احتجاجية على ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية.

يحاول التقرير التالي التعرف على التحولات في مواقف البشير تجاه دمشق، فضلًا عن التعرف على الدوافع الحقيقية وراء هذه الزيارة، وموقف السعودية وروسيا من هذه التقارب بين الخرطوم ودمشق.

البشير الذي يفعل الشيء ونقيضه في آن واحد

قبل أقل من عامين، وخلال زيارة الرئيس السوداني عُمر البشير إلى المملكة العربية السعودية، أدلى البشير بحوار طويل لصحيفة «عكاظ» السعودية، أشار فيه إلى أن: «بشار سيقاتل إلى أن يُقتل، وهو رئيس طائفة أقلية، ويقاتل بطائفته المتماسكة»، وذلك في إشارة إلى رفضه سياسات الأسد، واستنكاره التدخل الإيراني  وممارسات حزب الله في هذه المنطقة.

لم يكتف البشير حينذاك بإلقاء اللوم على سياسات الأسد في سوريا، متماهيًا مع الموقف السعودي الرافض لبقائه في الحُكم آنذاك، بل امتد الأمر إلى إطلاق تصريحات بدت وكأنها رسالة لوم وعتاب لنفسه على سياساته التي تتقارب مع إيران، الداعم الرئيسي لاستمرار الأسد، في السنوات السابقة، إذ أشار لذلك بالقول: «من الواضح أن لإيران مشروعًا توسعيًا؛ لكننا لم نكن نعلم عن تحركاتهم ومخططاتهم وسعيهم إلى تشييع الناس في البلد، وعندما اكتشفنا ذلك؛ تعاملنا مع الأمر مباشرةً، واكتشفنا صحة سلوكيات المملكة في تنبيهنا السابق لطردهم».

وشكلت التصريحات الصادرة آنذاك انقلابًا وتحولًا عن الموقف السوداني من الثورة السورية منذ اندلاعها؛ فقد أيد بقاء الأسد، ودعم الحل السلمي، قائلًا: «أنه مع الحل السياسي في سوريا على أن يكون (الرئيس بشار الأسد) جزءًا من الحل خلال مرحلة انتقالية، وأنه يجب أن يكون هناك حل يستوعب الجميع ولا يستثني الأسد»، مضيفًا أنه: «إن لم يكن جزءًا من الحل فإنه سيظل يقاتل حتى النهاية».

وقد تزامن هذا الموقف آنذاك، مع تقارب الخرطوم مع طهران، وتدهور العلاقات السياسية مع السعودية، والتي كانت الإشارة الأهم لذلك هو منع السلطات السعودية لطائرة البشير المتجهة إلى طهران من المرور في الأجواء السعودية، والتي كانت في طريقها إلى إيران، وبررت ذلك بكونها «لم تحصل على إذن مسبق للمرور فيها».

اليوم؛ يعود البشير إلى موقفه الأول الداعم لما يسمى بالحل السلمي، وبقاء الأسد، عبر زيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقًا إلى دمشق، ويلتقي فيها ببشار الأسد، ليكون بذلك أول رئيس عربي يزور سوريا منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011.

لتعود على الساحة مرة أخرى تصريحات البشير الداعمة لوحدة سوريا، والتي كان قد ذكرها قبل أربعة أعوام، إذ ذكر بيان صادر عن الرئاسة السودانية أن الرئيسين السوداني والسوري «أكدا على أن الأزمات التي تعاني منها المنطقة العربية تتطلب إيجاد مقاربات جديدة للعمل العربي، تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية»، بينما أشار بيان صدر عن الرئاسة السورية أن البشير أوضح أن: «سوريا دولة مواجهة وإضعافها هو إضعاف للقضايا العربية».

«روسيا» التي لا تغيب.. الطرف المجهول في الزيارة الغامضة

إحاطة زيارة البشير بالسرية، وتكتم المسؤولين عن الإفصاح وراء مضامين هذه الزيارة، فتحت الباب أمام التكهنات والتفسيرات المحتملة للأسباب الحقيقية للقاء البشير مع الأسد؛ خصوصًا أنها جاءت بالتزامن مع دعوات في العديد من سكان المدن السودانية للاحتجاج في الشارع، تنديدًا بارتفاع الأسعار والأزمات الاقتصادية الكبرى.

Embed from Getty Images

ترسم المؤشرات والدلائل دورًا روسيًا واضحًا في الدفع نحو هذه الزيارة؛ أبرزها أن وسيلة نقل البشير إلى سوريا كانت طائرة روسية تتبع وزارة الدفاع، وهي المسألة التي رفض المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية التعليق عليها.

وترتفع احتمالية الدور الروسي في هذه الزيارة، من واقع البيان الصادر عن وزارة الخارجية الروسية، الذي رحبت فيه بأول زيارة لرئيس دولة عربية إلى سوريا، وعن أملها بأن: «تساعد نتائجها في الاستئناف الكامل للعلاقات بين الدول العربية وسوريا، والاستئناف السريع لمشاركتها الشاملة في (عمل) جامعة الدول العربية».

ويدعم هذه الفرضية، أيضًا تصريح منشور للصحافي والمحلل السياسي الطاهر ساتي، لجريدة «العربي الجديد»، قائلًا: «إن الزيارة تمت بترتيب سوداني روسي، وبدعم وجهات أخرى»، مشيرًا إلى أن العلاقات السودانية السورية «استمرت رغم مقاطعة كثير من الدول العربية للنظام السوري»، وأن الجانبين ظلا يتبادلان الزيارات طوال الفترة الماضية.

وكانت هذه المؤشرات قد بدأت من واقع اتهام السودان للولايات المتحدة الأمريكية بـ«دورها التخريبي التي نفذته في سوريا»، خلال زيارة البشير لموسكو نهاية العام الماضي، والتي أشار فيها كذلك إلى: «تطابق الموقفين الروسي والسوداني بشأن ضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة في سوريا، والتأكيد على أن تسوية الأزمة فيها غير ممكنة دون الرئيس بشار الأسد».

وقد حدث تقارب كبير بين روسيا والسودان، خلال العامين الأخيرين، بعدما اقترح الرئيس السوداني تأسيس قاعدة عسكرية روسية على ساحل البحر الأحمر السوداني، والتوسع الروسي في الإمداد العسكري للجيش السوداني، إلى جانب توقيع مؤسسة «روس جيولوجيا» الحكومية الروسية اتفاقية مع وزارة النفط والغاز السودانية؛ للتنقيب عن النفط والغاز والاستثمار في «مربع 15» على الجرف القاري في البحر الأحمر.

بدوره فسر الصحفي السوداني بشير السر، هذه الزيارة قائلًا: «يبدو لي البشير ساعي بريد تقاطعت مصلحته مع مصلحة الجهة التي أرادت له هذا الحراك، فموقف روسيا من بشار يشجع الشخصيات المُهدَدَة سلطتها على الاقتراب منها، و روسيا هي الأخرى تريد انسجامًا ولو بالحد الأدنى بين حلفائها الفعليين والمفترضين في المنطقة».

ما هو موقع «السعودية» في الزيارة؟

تمتعت العلاقة بين الخرطوم والرياض خلال الشهور الأخيرة بتقارب كبير في الملفات الخلافية بينهما، ودعم سوداني للمملكة في القضايا الإقليمية بمنطقة الشرق الأوسط، خصوصًا في قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والدفاع عن وجهة نظر الرياض في بيان رسمي.

Embed from Getty Images

ويتأرجح احتمالان حول موقع الرياض من هذه الزيارة، الاحتمال الأول الذي يربط بين زيارة البشير بتوتر مُستجد مع الرياض، ورغبة الرئيس السوداني في مُكايدة السعودية، أما الاحتمال الثاني وهو الأرجح، فينحصر في الدفع بالسودان للعب دور الوسيط بين المملكة ودول الخليج مع سوريا ورئيسها بشار الأسد.

ووفقًا لتقرير صحافي منشور في جريدة «السودان اليوم» والمُقربة من السلطات الرسمية، فقد فسر دوافع هذه الزيارة بالقول: «أن البعض أراد بعث رسائل إلى الرئيس الأسد عن رغبتهم فى العودة إلى دمشق، وكان الرئيس البشير هو الوسيط الأنسب الذي يحاول فتح الباب ويمهد الطريق لعودة بعض العرب إلى العلاقات الطبيعية مع سوريا، خاصة وأن السودان لم يقاطع سوريا مثل بعض إخوانه العرب وظل محتفظًا بعلاقات طبيعية مع دمشق ولم يتم إغلاق السفارتين في البلدين في ذروة الأزمة، مما يجعل الرئيس البشير الأكثر أهلية لحمل رسائل الصلح من العرب لسوريا».

ويقول مصدر سوداني مُطلع، ومُقرب من الدوائر الإعلامية الحكومية الرسمية في الخرطوم، لـ«ساسة بوست» إن: «السعودية كانت على علم مُسبق بهذه الزيارة، وأنها جاءت بالتنسيق مع المملكة، بعدما ضعف موقف الأخيرة في دوائر واشنطن، والتي دفعها إلى تعزيز تقاربها مع روسيا من بوابة سوريا، إلى جانب إدراك الرياض صعوبة إزاحة الأسد».

ويُبرهن المصدر السوداني على صحة تفسيره، قائلًا: «الاتصالات بين السعودية والسودان لم تنقطع قبل أو بعد الزيارة للتعرف على الرد السوري، موضحًا أن الثمن الذي ستقبضه السودان من وراء تقريب المسافة بين الرياض ودمشق سيكون كبيرًا».

المؤشر شديد الأهمية على إطلاع السعودية على المفاوضات، ودعمها لتواصل البشير مع الأسد، هو استباق هذه الزيارة بصدور بيان شديد الأهمية، من جانب رئيس البرلمان العربي، مشعل بن فهيم السلمي، وهو سعودي الجنسية، ومُرشح السعودية الرسمي لهذا المنصب، حول أهمية عودة سوريا لجامعة الدول العربية، فضلًا عن: «العمل على عودة السوريين إلى ديارهم وتذليل كافة الصعوبات التي تحول دون عودتهم الآمنة إلى أراضيهم»، وهو ما يشير إلى تغيير كامل في الموقف للبرلمان العربي، الذي يخضع لنفوذ الرياض، وبالتبعية تغير في موقف الرياض من الأزمة السورية.

يُدلل على ذلك وصول وفد من وزارة الدفاع السعودية يقوده رئيس هيئة أركان الجيش السعودي للخرطوم أمس، في مؤشر واضح على تداخل الجانب السعودي في هذه الزيارة، أو على أقل التقديرات حرصه على الاطلاع على نتائج الزيارة، دون أن يكون هناك موقف تصعيدي كما كان الحال في التقارب السعودي مع خصوم المملكة مثل منع مرور طائرة البشير المتجهة لطهران قبل أربعة أعوام، باعتبارها رسالة تحذير له من جانب الرياض.

لكن بلال سليطين، الصحافي السوري، يطرح تفسيرًا آخر لهذه الزيارة، وذلك في تصريحات لـ«ساسة بوست»، قائلًا: «هذه الزيارة من الممكن أن تحمل بعدًا آخر أيضًا، فالسودان لم يقطع علاقته الدبلوماسية مع سوريا، وما زالت هناك سفارة سودانية في دمشق وسفارة سورية في الخرطوم وسفير سوري في السودان ويمارس مهامه، والسوريون يدخلون السودان من دون فيزا وهناك رحلات مباشرة بين دمشق والخرطوم، وبالتالي فإن الرئيس البشير هو الشخص المثالي الذي من الممكن أن ينقل رسائل إلى دمشق من دول الخليج، أو أن يكسر العزلة عن سوريا ويفتح الباب أمام زيارات لمسؤولين عرب آخرين، ولا يمكن استبعاد أن يكون مرسلًا من السعودية نفسها».

وأضاف سليطين أن: «الروس داعمون للزيارة، لكنني لا أرجح أن يكون لهم دور في التحضير لها، يعني هم داعمون للانفتاح العربي على دمشق لكن أشك بأنهم ساهموا في التحضير للزيارة».

المسألة الأخيرة في هذه الزيارة هي محاولة وسائل الإعلام السودانية المُقربة من السلطات الرسمية على تسويقها وكأنها محاولة من الخرطوم للرد على كافة الأخبار الكاذبة حول تطبيع بين السودان وإسرائيل، من خلال زيارة سوريا، التي وصفوها باعتبارها «رمز المقاومة».

إذ كان هذا واضحًا في تقرير منشور بصحيفة السودان اليوم، والذي ذكر أن: «تصريح الرئيس السوداني حول أن سوريا دولة مواجهة خلال زيارته هي وسيلة بالغة الأهمية، أرادها الرئيس البشير في بريد الإدارة الأمريكية وبعض الدول الغربية مثل بريطانيا وفرنسا إضافة إلى العدو الصهيوني الساعي صباح مساء إلى تفكيك الدول العربية وزرع الفرقة بينها بالزيارة العلنية إلى مسقط والإعلان عن محطات قادمة منها المنامة والخرطوم».

وفي هذا الصدد يوضح سليطين أن:  «الزيارة هي بمثابة إعلان براءة من أنباء تطبيع إسرائيل مع السودان، على اعتبار أن دمشق رغم ظروفها حافظت على موقفها من الاحتلال الإسرائيلي، رافضة التطبيع، ومستمرة في مهاجمة الاحتلال سواء بالخطاب السياسي، أو في وسائل إعلامها المقربة من الحكومة».

ويضيف: «من هنا يمكن القول بأن البشير وجه رسالة مفادها: أنا في هذا المحور، ولا توجد بوادر تقارب مع الاحتلال».

المصادر

عرض التعليقات
s