ليس من المبالغة وصفُ حوادث المرور في الجزائر بـ«العشرية السوداء الثانية» بالنسبة للبعض؛ ففي أسبوع واحد فقط من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) أودى «إرهاب الطُرقات» بحياة 44 شخصًا، بالإضافة إلى 1112 جريحًا في 994 حادث على المستوى الوطنيّ. ذلك الأسبوع الدمويّ لم يكن استثناءً، أو فريدًا من نوعه فيما يتعلّق بالعدد المهول للضحايا الذين يلقون حتفهم في حوادث السير بشكل دوريّ في الطرقات الجزائريّة، إذ إنّ الأسبوع الذي سبقه شهد مقتل 31 شخصًا لنفس الأسباب، أمّا في الأسبوع الذي سبقهما فقد توفي خمسة أشخاص في ظرف 24 ساعة فقط. هذه الإحصاءات تُعطي إشارة واضحة بأنّ الطرقات الجزائريّة صارت واحدة من بين أكثر مسبّبات الوفيات في الجزائر، لكن الأخطر هو أن مثل هذه الأخبار صارت اعتيادية للغاية لدرجة أنها لا تُحرّك المسؤولين لاتخاذ إجراءات حقيقية لإنهاء هذه الجحيم المروري الذي يحصد الآلاف سنويًّا.

تُشير الاحصاءات الرسميّة إلى أنّ معدّل الوفيات السنوي بسبب حوادث السير في الجزائر يبلغ أكثر من 3 آلاف شخص سنويًّا (2800 في سنة 2017 و3992 سنة 2016)، أي أنّه في كلّ يوم يمكن أن تقع وفاة تسعة أشخاص على مستوى التراب الوطنيّ. هذه الحصيلة السنويّة الثقيلة أكبر بكثير من مجموع ضحايا حوادث أعمال «الإرهابيّة» في الجزائر منذ 1999 على الأقلّ؛ إلا أنها لا تستدعي الاهتمام نفسه والحس الاستعجالي بالنسبة للسلطة والمجتمع على حدّ سواء، إذ أضحى مِثل هذا الموضوع يتم التعامل معه باعتباره ثمنًا لا بُدّ منه، أو ضريبة لا مفر منها لاستخدام الطريق والتنقّل في السيارة.
لكن الواقع وتجارب البلدان المتقدّمة تُثبت أن هذه المشكلة الدمويّة لها علاجات فعاّلة في بلدان كانت تُعاني من المشاكل نفسها. من بينها السويد التي استطاعت القضاء على 80% من الحوادث منذ سنة 1970، رُغم أنّ عدد السيّارات في طُرقها قد تضاعف في نفس الفترة. ألمانيا هي الأخرى تشير الإحصاءات إلى أنّ معدّلات الوفيات بسبب حوادث المرور فيها تبقى متدنية، فرغم أنّ عدد السيارات الموجودة في الطرق الألمانيّة يبلغ أكثر من 45 مليون سيّارة؛ إلاّ أنّ عدد الوفيات في سنة 2017 انخفض إلى حوالي 3214، في حين أنّ الجزائر تشهد نفس عدد الضحايا رغم امتلاكها لـ6 ملايين سيارة فقط.

الأولى أوروبيًّا في التحرش الجنسي.. 12 حقيقة قد لا تعرفها عن السويد

«الرؤية 0».. خطّة السويد المذهلة للقضاء على حوادث المرور تمامًا

الكثير من البلدان المتقدّمة استطاعت وضع استراتيجيّات وطنيّة لمكافحة حوادث المرور بعد دراستها بشكل عميق ومعرفة أسبابها ومحاولة معالجته من خلال القوانين والاهتمام بالبنية التحتيّة تارة والتوعية والإجراءات العقابية الصارمة تارة أخرى.

في سنة 1997 أطلقت السويد خُطّة حكوميّة سمّيت بـ«الرؤية صِفر» التي تهدف إلى الوصول إلى عدد صفر حوادث مرور سنة 2020، وقد جاءت الخطّة في شقّين: الأوّل متعلّق بالقوانين الرادعة والمعاقبة للمخالفين، والثانية على هيئة تغييرات في الطرقات والبنى التحتية. ومن أجل الحدّ من الحوادث اعتمدت السويد على إنشاء طُرق دائرية أكثر وتقاطعات أقل (Intersections) بعد أن وجدت بأنّها أكثر عُرضة للتسبب في الحوادث، ومنعت السيارات من الدوران إلى ممرّات الراجلين، وأنشأت جسورًا أكثر للراجلين ووضعت طُرقًا منفصلة للدراجات، بالإضافة إلى عقوبات وإجراءات مشدّدة ضدّ السائقين المخمورين.

اختبار نسبة الكحول للسائقين صارت تتمّ بطريقة رقميّة لتسهيل العمليّة – المصدر: تقرير الحكومة السويدية

وتشير التقارير إلى أنّه منذ تطبيق هذه الخطّة، استطاعت السويد التخلّص مِن نصف عدد الوفيات بسبب حوادث المرور، ففي سنة 2016 توفي 270 شخصًا فقط، في الوقت الذي توفي فيه 514 شخصًا في سنة 1996 قبل انتهاج الخطّة.

أحد العوامل الرئيسة الأخرى في استراتيجيّة الدول التي استطاعت خفض عدد حوادث المرور كان اختبارات السياقة المشدّدة، إذ تُعرف هذه الاختبارات في كلّ من السويد وألمانيا بأنّها شديدة الصعوبة، وتستلزم تكاليف باهظة تفوق أحيانًا ألف يورو، وبالتالي فإنّها تتطلّب جديّة في التعامل والتزامًا حقيقيًّا؛ إذ يُفرض على من يريد استخراج رخصة سياقة اجتياز ساعات من الشروحات النظريّة يعقبها امتحان يضمّ عدّة أسئلة، تتعلّق بالتعامل في وضعيّات مختلفة أثناء السياقة، ثم يُجري الممتحن عدّة تدريبات إلزامية للسياقة يعقبها امتحان قد يستغرق ساعة كاملة من السياقة إلى جانب الممتحن، وقد يؤدّي أي خطأ صغير للفشل في الامتحان.

بالإضافة إلى ذلك تُشدّد السويد على مصنّعي السيارات فيما يتعلّق بمعايير السلامة، وتعتمد في ذلك على المؤشّر الأوروبي لسلامة السيّارات «NCAP» الذي جرى إنشاؤه في بلجيكا سنة 1997 بالتعاون مع عدّة بلدان أوروبيّة، ويُرتب السيّارات من ناحية السلامة من خلال إجراء التجارب المختلفة، مثل الاصطدامات في سرعات متنوّعة ووضعيّات متباينة، ثم يُصنف السيّارات من خلال عدد النجوم؛ فتكون خمسة نجوم دليلًا على أنّ السيّارة آمنة للغاية.

نحن بكل بساطة لا نقبل أيّ وفاة او إصابة على طرقاتنا
*هانس بيرج، المسؤول في منظمة النقل السويدية.

هل ستنجح السويد في الوصول إلى رقم «صفر حادث مرور»؟ تشير التقارير إلى أنّ هذا الأمر ممكن، خصوصًا مع تقدّم التكنولوجيا المدمجة داخل السيارات، إذ إنّ السيارات قريبًا ستستطيع قياس نسبة الكحول في دم السائق والتنبيه على ذلك من خلال تحليل الأنفاس، دون الحاجة إلى تدخّل الشُرطة. وبشكل عام فإن إدخال التكنولوجيا أكثر فأكثر في عمليّة السياقة والتحوّل تدريجيًّا إلى السائق الآلي سيؤدي إلى تخفيض عدد الحوادث، والاقتراب من رقم الصفر.

السرعة المفرطة هي أحد أبرز أسباب الحوادث حول العالم، وتشير إحصاءات الدرك الوطني الجزائري إلى أنّ 85% من حوادث الطرقات سببها الرئيس الإفراط في السرعة. أحد الحلول التي انتهجتها سنغافورة التي شهدت نجاحًا حقيقيًّا في تخفيض عدد حوادث المرور هو تعميم الكاميرات وأجهزة رصد السرعة في كل مكان، وبالتالي فإن اكتشاف السيّارات التي تُفرط في السرعة أصبح أسهل، ومن ثمّ معاقبة سائقيها. ويُعرف النظام السنغافوري بشكل عام بالحزم الشديد في القوانين والتعليمات.

أحد أسباب الحوادث أيضًا هو عدم احترام  مسافة الأمان بين السيارات، والذي يبقى من بين أكثر أسباب الحوادث القاتلة حول العالم؛ إذ تشير الاحصاءات إلى أنّه يقتل أكثر من 1700 شخص كلّ سنة، ويصيب نصف مليون آخرين بجروح. ولذلك يعدّ عدم احترام مسافة الأمان من المحرّمات في الطُرُق الألمانيّة، ويعني غرامة تصل إلى 450 يورو.

مضغ اللبان وترك المرحاض متسخًا.. أغرب 10 ممارسات تعرضك للعقاب في سنغافورة

السُرعة الجنونيّة تسبب الحوادث؟ الألمان لا يتّفقون

تنتشر في مختلف الطرقات الإشارات والتحذيرات من السرعة المفرطة، وتُرجع السُلطات أسباب أغلبية الحوادث كما ذكرنا إلى الإفراط في السُرعة، لكن التجربة الألمانيّة تختلف مع هذا التقييم، فالطُرق الألمانية السريعة المعروفة باسم «أوتوبان» والتي لا تضع أيّ حدود للسرعة المسموحة تُعرف بأمانها بشكل كبير، فألمانيا حقّقت انخفاضًا كبيرًا في عدد الوفيات المتعلّقة بحوادث المرور، بالرغم من انتشار طُرُق الـ«أوتوبان». يرجع هذا لعدّة أسباب: أهمّها الصيانة الدوريّة والمستمرّة للطرقات الألمانية حتى تكون في أحسن حالاتها دائمًا، دون وجود حُفر أو مطبّات أو عوائق. كذلك فإن تصميم الطريق نفسها يتمّ بشكل يقلّل قدر الإمكان من احتماليّة حدوث اصطدامات.

رغم ذلك فإنّ هنالك أصواتًا قويّة في ألمانيا تدعو إلى فرض سُرعة قُصوى يمنع تخطّيها في الـ«أوتوبان» كما اقترح ذلك سياسيّون ألمان، وذلك بسبب الارتباط المباشر الذي وصلت إليه التقارير بين السرعة المفرطة واصطدامات السيّارات.

ماذا لو أدار الشعب حساب الدولة على «تويتر»؟ تجربة السويد المثيرة تخبرك

المصادر

عرض التعليقات
s