وهي مدينة جميلة، والجمال لا يُصور حقيقتها، بنيت فوق تل درسة، إزاء جبال بني حزمار، وأحيطت ببساتين يسقيها وادي مارتيل، وإذا كنت مقبلًا عليها نهارًا، بدت لك من بعيد بعماراتها وبيوتها وكأنها مجموعة من الزهر الأبيض، نسّقتها الطبيعة تنسيقًا يستهوي العين، ويسعد الخاطر، ويأخذ بمجامع القلوب. *أحد زائري تطوان

ارتبط تاريخ المغرب لسنوات طويلة بتاريخ الأندلس، واستمرت الهجرات بين البلدين على مر العصور؛ كانت الهجرة في البداية من شمال إفريقيا إلى الأندلس في عصور ازدهارها، ولاحقًا وبالتدريج صارت من بلاد الأندلس إلى المغرب في فترات ازدهارها.

كانت هجرات الأندلسيين قد بدأت قُبيل سقوط الأندلس؛ إذ تبدّى الوضع لسكانها، وشعر بعضهم بانعدام الأمل في منع تقدّم القشتاليين نحو المدن الأندلسية، واتخذوا قرارهم مبكرًا بالهجرة منها إلى المغرب العربي.

ولاحقًا بعد سقوط غرناطة، ثمّ صدور قرار طرد المسلمين من الأندلس؛ تفرّق الأندلسيون إلى بلاد مختلفة، انصهروا في الغالب مع سكان البلاد التي هاجروا إليها، لكن ما ميزّ هجرة الأندلسيين إلى المغرب العربي بعد الطرد من إسبانيا، أنهم احتفظوا بخصوصيتهم، وأقاموا في مدن وقرى حملت الطابع الأندلسي لفترات طويلة؛ قبل أن يندمجوا في المجتمع.

 

تطوان.. الحمامةُ البيضاء!

مثلّت مدينة تطوان نموذجًا للحضور الأندلسي على أرض المغرب، فاحتفظت به في طابعها العمراني، وفي مختلف مظاهر حضارتها، وفي عاداتها وتقاليدها، والموسيقى والطبخ والملبس، وحتى اللهجة، إذ لايزال سكان تطوان يحتفظون باللهجة الشّعبية والموسيقى الأندلسيّة، كما تحمل الأسر هناك ألقابًا أندلسيّة.

يرد ذكر تطوان في مواضع متفرقة من كتاب التاريخ القديم، ويبدو أنها لم تصمد طويلًا أمام تفوُّق المدن المجاورة؛ فطواها النسيان، إلى أن قدِم إليها النبيل الغرناطي أبو الحسن علي المنظري، وكان أحد قادة جيوش حاكم غرناطة أبي عبد الله الملقب بالملك الصغير، وبقدومه إليها أعاد مع المهاجرين الأندلسيين تأسيس المدينة.

يعتبر البعض أنّ سقوط غرناطة عام 1492 كان ميلادًا للحضارة الأندلسية على أرض المدينة المغربية الصغيرة التي تقع في الشمال الغربي من بلاد المغرب، وتبعد عن شاطئ البحر الأبيض المتوسط بنحو 10كم، إلى جانب مدن مغربية أخرى.

كان لشكل المدينة في عهد مؤسسها «سيدي المنظري» خصوصية لم تُعرف في المدن المغربية الأخرى التي استقبلت الأندلسيين، مثل فاس وسلا والشاون. في تطوان وشفشاون تحديدًا حافظ المهاجرون الأوائل على علاقاتهم مع الوطن الأم، ولم يكن مجرد ذكرى يحملونها في القلوب، تمكّن المنظري من بناء مدينة تطوان بالاستعانة بالخبرة الأندلسية التي حملها أتباعه من الأندلس، واستعمل في ذلك  أيضًا الأسرى المسيحيين الذين كان يأسرهم في هجومه على مراكبهم.

وتباعًا تواصل تكوين النسيج الاجتماعي لمدينة تطوان، واختلف مع تتابع السنوات باختلاف الوافدين عليها؛ إذ جمعت المدينة طوائف مختلفة، وأسهم أيضًا اليهود المهاجرون من غرناطة في تعميرها في عهد المنظري الذي عيّن لهم موضعًا بحومة البلد لإنشاء مساكنهم، يُعرف حاليًا بالملاح البالي، ويقع شمال شرق الجامع الكبير بالمدينة.

بعد صدور قرار طرد الموريسكيين من إسبانيا عام 1609 قدِمت إلى المغرب جالية أندلسية مختلفة، لم تجد سهولة في الاندماج في المدن المغربية، إذ عاشت لفترة طويلة بين مسيحيي إسبانيا؛ فقدت فيها كثيرًا من هويتها الإسلامية، وهكذا استقبلت تطوان آلاف من الموريسكيين لتعيش فيها فئات متنوعة ميزتها بطابع خاص.

اقرأ أيضًا: البحث عن «كنوز» الأندلسيين.. حُمَّى أصابت المجتمع الإسباني بعد رحيل الموريسكيين!

 

النبلاء الغرناطيون يحقِّقون انتصارات في المغرب

حين وصل الأندلسيون إلى المغرب في القرن السادس عشر كان الكثير من المناطق الساحلية المغربية قد تحوّلت إلى ساحة حرب بين المغاربة والبرتغاليين، حتى أن كثيرًا من السكان كانوا يدفعون الضرائب إلى البرتغال.

لكن وصول الأندلسيين وتتابع هجراتهم – قبل سقوط غرناطة، وحتى صدور قرار الطرد – حوّل مدينة تطوان إلى مركز لهذه الحرب، ونقطة لا يمكن للبرتغاليين تجاوزها، خاصة وأن النبلاء المنهزمين والمحاربين المنفيين ممن أُطلق عليهم «زهرة غرناطة» هم أول من سلك طريق الهجرة واستقر في المغرب، ولحقتهم بعد ذلك الطبقات الأخرى من العمال والفقهاء وغيرهم، لذلك أصبحت تطوان منذ إعادة تأسيسها مدينة حربية بحرية تضم آلاف المحاربين والفرسان المهرة، ولم يعد سكانها صيّادين فقراء وغنائم سهلة.

Embed from Getty Images
حوّل وصول الأندلسيين إلى المغرب مدينة تطوان إلى مركز حربي بحري منيع

كانت هذه الهجرة نقطة محورية أخرى في تاريخ المغرب؛ إذ تمكّن الأندلسيون الموريسكيون من التصدي للزحف المسيحي البرتغالي إلى الأراضي المغربية بشكل لم يمكن للمغاربة وحدهم تحقيقه؛ بسبب ضعف القوة المغربية المركزية حينها، ومع مرور السنوات صارت تكلفة الهجمات البرتغالية كبيرة بالمقارنة مع الغنائم، بحيث لم يتحملها الملك البرتغالي كسابق عهده، فضلًا عما أضفاه وجود الفقهاء والعلماء والصناع والتجار والأدباء من تحول آخر أضفى بريقًا أندلسيًا على الحضارة الإفريقية في المغرب.

 

الطراز المعماري للمدينة

فإذا كان الليل رأيتها هيفاء يغلبها الحياء، فتتستر وراء جبل مختفية عن عينيك، ويملؤها الزهو؛ فتخرج من مكمنها سافرة تعرض عليك مفاتنها في ثوب شفاف من الضوء يظهر جمالها ويضاعف بهاءها. أحد زائري تطوان

بُنيت المدينة في ظل أخطار تحيط بها من الإسبان والبرتغاليين إذًا، فصُممت على شكل قلعة، وأحاطتها الأسوار العالية التي تتوسطها أبراج للمراقبة، وكان لها 3 أبواب فقط يمكن الدخول إليها منها، فبدت من الخارج كما لو كانت قلعة حربية، وأبدع النبلاء الغرناطيون في تشييد المنازل والقصور داخلها.

نقل الأندلسيون إلى المغرب الطراز المعماري للمدن والبيوت الأندلسية، وتميزت مدينة تطوان بأكثر النماذج الهندسية المعمارية إثارة للاهتمام في بلاد المغرب، ولا تزال المدينة تحتفظ بفن المعمار الأندلسي في جدرانها وقصورها وأضرحتها ومساجدها وفنادقها القديمة التي تتميز بالأفنية والنافورات، وهندسة البيوت، وفي كثير من أنماط الصناعات التقليدية والفنون الجميلة.

كما حفظت تطوان عن غرناطة ولع أهلها بالطبيعة؛ فأنشاوا فيها الحدائق والمتنزهات، وأشهرها متنزهات كيتان.

البيوت التطوانية.. مثل بيوت غرناطة

عُرفت تطوان بدورها المسقّفة بالقرميد، ونوافذها الخارجية، وهو طراز لم يعد موجودًا في العصر الحالي، لكن احتفظت به المباني الأثرية، وخاصة المساجد ذات الطراز الموريسكي. ومثل الدور الموريسكية في غرناطة، تميّزت الدور التطوانية العتيقة بالفناء الذي يتوسطها، وتطلّ عليه النوافذ، وتتمحور حوله مختلف الغرف والمرافق، وبينها مدخل غير مباشر يؤدي إلى الباب الرئيس.

هكذا كانت الدور عوالم صغيرة مغلقة بتباين صارخ بين الروعة الجمالية داخل الدور والبساطة خارجها، استخدم الملاط والفضاءات المكعبة واللون الأبيض والزخارف البسيطة في إنشاء الدور التي استجابت لاحتياجات السكان في حياة في المنفى، فالوضع الاقتصادي وانشغال سكان تطوان بالجهاد البحري ضد ضد السفن الايبيرية من جانب، ومواجهة الغزو البرتغالي لمدينتي سبتة وطنجة من جانب آخر؛ أضفى على الفن في هذه المرحلة بساطة، وأبعده عن الكماليات الزخرفية والإسراف في التنميق.

Embed from Getty Images
كانت الأبواب في تطوان هي مظهر الزينة الوحيدة خارج المنازل

وأقام المنظري في تطوان نظامًا للري وتوزيع الماء داخل المدينة؛ فتفرّعت القنوات، وامتدت من العيون المنبثقة والممتدة عند سفح جبل درسة الغني بالمياه الجوفية المتدفقة إلى مختلف جنبات الحي،  وكانت القنوات تتقاطع في الدروب والأزقة، وكانت أنغام انسيابه المتواصل في البيوت تذكّر أهلها بجداول غرناطة العذبة، وظلّ هذا النظام يؤمّن لسكان تطوان حاجاتهم من الماء حتى نهاية عشرينات القرن العشرين.

 

الثقافة التطوانية

ساهمت العزلة الثقافية النسبية لتطوان فترة ما قبل الاستعمار في حفظ الكثير من العادات والتقاليد التي صارت تميّز العنصر البشري التطواني عن غيره في المناطق الأخرى في اللهجة واللباس والمراسم الاحتفالية، حتى أن ثياب النساء – المعطف القصير واللفافة والقبعات العريضة – تعدّ امتدادًا للباس المرأة الغرناطية، واحتفظت الحلي كذلك برسوم ذات أصل نصري غرناطي، ولا يزال بعضها يُستعمل في زينة العروس، وهي قلادة تتكون من اللؤلؤ، وتتخللها كريّات من الذهب، وتشبه إلى حد كبير بعض الحلي النصرية التي بقيت حتى اليوم.

كما بقيت حتى الآن أسماء عائلات تطوانية تشير إلى أصلها الأندلسي، أبرزها لقب الأندلسي، وأُطلق على أفراد من أصول مختلفة يُرجّح أن أغلبهم كانوا من الموريسكيين، وأنهم أرادوا استبدال لقب الأندلسي بأسمائهم القشتالية التي فُرضت عليهم أثناء التعميد الإجباري، وبين هذه الألقاب أيضًا المالكي أو الملقي نسبة إلى ملقة، وبينها أسماء تشير إلى أصول إسبانية، مثل لوقاش وراميراز وغارسيا وموراريش، أو إلى مدن أندلسية، مثل راغون والغرناطي والقرطبي والرندي والمنظري ومندوصة ومراريش.

وتأثرت اللهجة التطوانية باللغة الإسبانية التي حملها الموريسكيون الذين وفدوا إليها، وبطريقة نطق بعض الحروف. وبقي الإرث الأكبر الذي ورثته تطوان عن غرناطة أصالة أهلها، وعلوّ أخلاقهم، وحسّهم الحضاري في السلوك والعادات، وتذوق الجمال والفنون، وهو الطابع نفسه الذي يميز سكان جنوب إسبانيا حتى اليوم عن غيرهم من سكان إسبانيا بلين طبع يبدو وثيقًا بالماضي البعيد للمنطقة.

المصادر

تحميل المزيد