ما الذي يحدث في السعودية؟ حفلات موسيقية وغنائية، وفعاليات ثقافية، ومهرجانات ترفيهية، ومؤتمرات عالمية تُقام لأول مرة في السعودية؛ وجهٌ جديد للملكة التي تتباهى دومًا باحتضانها لـ«الحرمين الشريفين» وبملكها الذي يُوصف بأنه «خادمهما» وخادم «أرض التوحيد». سيحاول هذا التقرير مقاربة سؤال: ما التغيير الذي يُطبخ على نار هادئة في السعودية؟

الوجه المُلوّن: هيئة الترفيه

وُضعت رؤية جديدة للسعودية هي رؤية 2030، تتحدث الرؤية في أولى أوراقها عن «الثقافة والترفيه» ودعمهما، ولتنفيذ هذه المهمّة جاءت الهيئة العامة للترفيه.

تؤكد الهيئة أنّها وُجدت لترفّه عن الناس، ولترفع من مستوى «الترفيه والثقافة» في السعودية، وتسعى كذلك لـ«إعادة تعريف مفهوم السعادة والترفيه»، والسؤال المُهم في نظر البغعض هنا: إعادة تعريف السعادة والترفيه، أم توفيرهما بعد طول غياب في السعودية؟ وما الغاية غير المعلنة من توفيرهما؟

اقرأ أيضًا: السعودية والإمارات.. صناعة وهم السعادة والترفيه

هيئة للسعادة والترفيه كانت شيئًا جديدًا على السعودية والسعوديين، ولعلّها كانت مُفاجأة لم يتوقعها حتى الفنان السعودي ناصر القصبي، الذي كتب في حسابه على تويتر بعد إنشاء الهيئة قائلًا:«سنصبح مثل بقية خلق الله بشر طبيعيين».

 

لم يكن من المُعتاد أن يُعلن عن حفلات موسيقية وغنائية في السعودية، أو عروض سيرك وترفيه من فرق قادمة من خارج السعودية، وهذا ما حدث، إذ إنَّ هيئة الترفيه قامت بتصعيدٍ «ترفيهي ثقافي» سريع غير معهود، يبدو أنّه بشكلٍ أو بآخر تصعيدٌ يُعيد تشكيل خارطة قوى اجتماعية وفكرية متضادة داخل المجتمع، قوى «المُحافظين» أمام «الليبراليين»، ربما يفسر كيف يعيش مجتمع بأكلمه أزمة سببها عرضٌ موسيقي أو فعالية ترفيهية.

 

https://twitter.com/TVSA8/status/846052332882317314

أُنشئت الهيئة في 7 مايو (أيار) 2016، وفي قرابة عشرة شهورٍ نظَّمت وعقدت أكثر من 100 فعالية ترفيهية وثقافية.

تُقدم الهيئة عروضًا مُختلفة في محتواها، فبعضها أمسيات موسيقية، كالتي أدارها الموسيقار المصري المشهور، عمر خيرت، أُقيمت الأمسية في مدينة جدّة، وأثير حولها جدلٌ كبير، إذ أثير سؤال: هل يصحُّ شرعًا أن تُبث المعازف على الملأ؟ بينما اعترض كثيرون على غلاء ثمن تذكرة حضور الحفل، فقد كان سعر التذكرة يبدأ من 1000 ريال وينتهي بـ2200 ريال، أي من 265 وحتى 585 دولارًا أمريكيًّا، وعلَّقت الصحف السعودية ساخرةً على هذه الأسعار الكبيرة بأنّها تكفي للسفر في رحلة سياحة خارج السعودية مع تكاليف الإقامة.

في 30 يناير (كانون الثاني) 2017،  أقامت الهيئة حفلًا للفنان السعودي محمد عبده، الذي مُنع عدّة مرات من قبل من إقامة حفل غنائي، وشهد حفله نجاحًا غير مسبوق حضره قرابة عشرة آلاف مُستمع ومشاهد، وغنّى الجمهور معه معظم أغانيه بدلًا عنه.

تتنوّع فعاليات ومهرجانات الهيئة في محتوياتها وفئاتها ومناطقها، وتسعى لتغطية مُعظم مدن ومناطق المملكة، وتشملُ فئات: النساء- الرجال- الأطفال- الأسر والعوائل- الشباب، أما محتوياتها فمنها ما هو تراثي يهتم بتراث منطقة من مناطق السعودية وتقاليدها وتاريخها وفنونها، ومنها ما يستعرض فنونًا شابة ومُعاصرة، ومنها الأدبية والشعرية، بل منها ما هو عالمي كلقاءات مع مُمثلين مختلفين، كان أبرزها أمسية خاصة في مايو (أيار) 2017 مع المُمثل المشهور آل باتشينو، الذي قدم دورًا رئيسيًّا في ثلاثية The Godfather،

شعار الهيئة العامة للترفيه

هيئة مجهولة الأيدي والتفاصيل

دورُ الهيئة -حتى الآن- تنظيميُّ وتنسيقي في أكثر الأحيان، إذ إنّها فيما يبدو تُوفّر الإذن لإقامة الفعاليات، وتتواصل مع مؤسسات ترفيهية داخلية وخارجية وتُقيّدها بشروط إلزامية لإقامة الفعاليات في داخل المملكة.

لعلك تعجبت من كلمة (فيما يبدو) في جملة: «الهيئة فيما يبدو توفّر الإذن لإقامة الفعاليات»، حسنًا، الحقيقة أن هيئة الترفيه هي أكثر الهيئات الرسمية في السعودية تكتمًا وسريّة، إذ لا يوجد مقرٌ مُعلن لها، ولم يُعلن بعد عن هياكلها الإدارية، ولا متحدث رسمي لها، فقط أُعلن عن أعضاء مجلس الإدارة ورئيسها وهو أحمد الخطيب الذي كان وزيرًا للصحة سابقًا، ثمَّ أُقيل لمشاكل مع مواطنين وجنود، وكذلك المهندس عمرو المدني، الرئيس التنفيذي للهيئة. يضمُّ مجلس الإدارة تسعة أعضاء، اثنان منهم غير سعوديّين يعملان في مؤسسات ترفيهية عالميّة، والبقيّة يعملون في مؤسسات حكومية رسمية، أو يُساهمون بحصص ضخمة في شركات اقتصادية كبيرة في المملكة، كشركة العزيزية بندة، ومجموعة عبد اللطيف جميل التي تضمُّ تحتها أكثر من 50 شركة، أمَّا الموقع الإلكتروني للهيئة ما زالَ مُعلقًا منذ إنشاء الهيئة مع عبارة «قريبًا».

هذه هي كل المعلومات المتوفرة عن الهيئة. لم يرد عن الهيئة أيُّ تصريحٍ رسمي في وسائل الإعلام باسمها، باستثناء تغريدات على حسابها الموثّق في تويتر حول إحدى الفعاليات، ولم يتحدث نيابةً عنها فردٌ من أفرادها إلا المدني في لقاء مع قناة العربية.

مثل الكثير من المؤسسات والهيئات الحكومية في السعودية، لا تتوفر أرقامٌ رسمية عن ميزانيات الهيئة ومهامها باستثناء تغريدات وقصاصات إخبارية مُشتتة كـ«تنظيم قطاع الترفيه وتطويره».

ما الهدف من وجود الهيئة؟ يرى البعض أن هيئة الترفيه بشكل أو بآخر جزءٌ من العملية الكبيرة والضخمة التي تعمل عليها الأسرة المالكة في السعودية لفتح السوق السعودية، ورفع يد القطاع الحكومي عنها، أو كما يُقال، جزء من منظومة «النيوليبرالية» التي شرع النظام السعودي بتطبيقها على الواقع. هذه الرؤية النيوليبرالية، أو رؤية السوق السعودية المفتوحة يبدو أنها المفتاح الجديد لرفع مستوى العلاقات السعودية- الأمريكية، ورمز هذه الرؤية هو الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، الذي وصفَ لقاءه بترامب بأنّه «نقطة تحول تاريخية».

اقرأ أيضًا: رغم هجومه السابق عليها.. 4 أسباب قد تجعل السعودية صديقة ترامب المفضلة

هذا النمط الجديد من الخطاب والتخطيط السعودي يخلقُ صورةً جديدةً للسعودية أمام العالم، وربما يزيدُ من لمعان رمال الصحراء الذهبية في عيون الساسة الأمريكيين، عم نتحدث؟ كتبنا سابقًا هذا التقرير الذي سيشرح لك جانبًا مثيرًا من العلاقات السعودية- الأمريكية: الجديدة «رغم هجومه السابق عليها.. 4 أسباب قد تجعل السعودية صديقة ترامب المفضلة».

إنّ وجهًا جديدًا للمملكة يتشكّل، فهي الآن سوقٌ مفتوحة لأيّ استثمار خارجي، وفضاؤها العام صارَ أقلّ انكماشًا وانغلاقًا مما سبق، فما موقف «المُحافظين» والمؤسسة الدينية مما يحدث؟

«هيئة كبار العلماء» تخبو أمام «هيئة الترفيه»

لقاء عمرو المدني، الرئيس التنفيذي للهيئة، الذي كان مع قناة العربية أثارَ الكثير من الجدالات والنقاشات في المجتمع السعودي، إذ قال إنّ الهيئة رخّصت لحفل محمد عبده الذي ذكرناه في الأعلى، وذكر أن الهيئة تعمل الآن على ترخيص السينما، ثمَّ جاء التعليق المُباشر من مُفتي المملكة عبد العزيز آل الشيخ، الذي كانَ له رأيان في الموضوع، رأى البعض أنهما مُتناقضان، ففي إحدى المقابلات قال إنّ السينما بوابةٌ للفساد ولعرض الأفكار الإلحادية، (من وجهة نظر البعض فإن المفتي تحدث ها هنا وكأنه لا وجود للإنترنت أو البرامج المجانية لتحميل الأفلام)، واعتبرها خطوة على طريق خطوات أخرى ستحُل رباط الأخلاق في المجتمع، ثمَّ، وفي انسحاب مُريبٍ في نظر البعض من المُفتي، قال في مقابلة أخرى جوابًا عن سؤالٍ من مستفتي يسأل عن حكم إقامة حفل غنائي بقوله: «المملكة في أمن واستقرار ولله الحمد وهذه الأمور ستحل بحكمة إن شاء الله، أرجو أن يوفقوا لاتباع الحق إن شاء الله وأن يقدموا دائمًا ما ينفع الأمة إن شاء الله».

كان رد المفتي الرد الأكثر وضوحًا وحدّة في وجه هيئة الترفيه، ماذا عن غيره من العلماء؟

مواقف العلماء الآخرين عبّرت عن تفهّم الهيئة الدائمة للعلماء لما يجري في السعودية من تبدّل في المنظومات الاقتصادية والاجتماعية، وطبقّت هيئة العلماء على نفسها فتاويها السابقة التي تُلزم الناس بالصمت ولو كانوا يحملون وجهات نظر مُخالفة مع الحكام، فلم يصدر منهم استنكار أو احتجاج على ما يحدث، «لأن الإصلاح لا يكون بالاحتجاج» ويكون سرًّا، أو هكذا تقول فتاوى الهيئة.

يبدو أن كبار العلماء فهموا أن دورهم لم يعد كما كانَ من قبل، إمّا لأن دورهم لا يفيد النظام الآن، وإما لأن كثيرًا من الناس لا يكترثون برأيهم، أو ربما لكلا السببين، من وجهة نظر البعض.

علَّق الشيخ عبد الله المطلق، وهو أحد أعضاء هيئة العلماء، بأنَّ الشعب السعودي لا يحتاجُ فنّانين يأتون من «هوليوود» ليسُعدوه، ولكن الأمر الأكثر إثارة في تصريحه أنّه رأى أن على هيئة الترفيه أن تُجري استفتاء شعبيًّا: هل يريد الشعب السينما أم لا، بالطبع لم يُجرَ استفتاء شعبي ومضَت هيئة الترفيه في طريقها نحو ترخيص السينما، ولكن حمل الأمر مفارقة من وجهة نظر البعض فمنذ متى باتت الهيئة تؤمن برأي الشعب؟

الشيخ صالح الفوزان، ثاني أهم وأكبر العلماء في السعودية، لم يُعلق أصلًا على أيّ من هذه الأحداث، ولم يُبيّن رأيه فيها. وهنا يطرح السؤال: هل هذا يدور ضمن عملية كبيرة تستهدف سحب البساط من تحت أقدام المؤسسة الدينية السعوديّة؟ وهل استطاع النظام السعودي أن يستخدم هذه المؤسسة الدينية ومؤسسة المثقف الليبرالي -الآن- معًا، في خدمته وخدمة أهدافه.

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد