على مدار العام الحالي كانت المدن السعودية هدفًا رئيسًا لصواريخ الحوثيين، حتى أنها بلغت أعتاب قصر اليمامة، رمز السًلطة داخل المملكة، ومقر اجتماعات آل سعود، أول أمس، وسط استعراض حوثي بالتفوق العسكري، وفي المرات السابقة  التي أعلنت جماعة الحوثي عن استهدافها للسعودية، كانت المملكة ترد بقدرة أنظمتها الدفاعية علي صد هذه المحاولات، دون وقوع خسائر.

 

يرسم التقرير التالي صورة أشمل عن القدرات العسكرية للحوثيين، والتي نجحت في تجاوز هذه الأنظمة الدفاعية، حسب شهادات تؤكد اختراق هذه الصواريخ، ووصولها لبعض الأهداف، داخل المدن السعودية، فضلًا عن استعراض خيارات السعودية أمام هذه الهجمات المتتالية.

 

قدرات الحوثيين العسكرية تُهدد مُلك «آل سلمان»!

يُشكل امتلاك جماعة الحوثي في اليمن لصواريخ تتباين قدراتها العسكرية، أحد المُحددات الرئيسة لرسم سيناريوهات مستقبلية للمعركة الدائرة رحاها علي الحدود السعودية اليمنية، والتي انتقلت مؤخرًا لاستهداف مبان حكومية داخل العاصمة السعودية، على رأسها قصر اليمامة، رمز السلطة في المملكة، ومستقر آل سعود في الحُكم.

Embed from Getty Images
وخلال العام الحالي والماضي، تمكن الحوثيون من تنفيذ بعض عمليات الاستهداف تجاه أهداف سعودية وإماراتية عسكرية داخل اليمن وداخل أراضيها. وشملت هذه الهجمات: هجومًا على سفينة إماراتية في أكتوبر (تشرين الأول) 2016، وهجومًا بزوارق انتحارية على فرقاطة سعودية في يناير (كانون الثاني) الماضي؛ أسفر عن مقتل بحارين سعوديين، وإصابة ثلاثة آخرين. وإطلاق صاروخ باليستي في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الجاري، سقط بالقرب من مدينة خميس مشيط في جنوب غرب المملكة، وصاروخ باليستي آخر، في الشهر نفسه، استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض.

 

وفي مايو (أيار) الماضي أطلق الحوثيون صاروخًا باتجاه الرياض قبل يوم واحد من زيارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، للعاصمة السعودية، لكنه أُسقط على مسافة 200 كيلومتر من المدينة، فيما خلف الصاروخ الباليستي من نوع (بركان 1)، الذي أُطلق في أكتوبر من العام الماضي على مطار عبد العزيز بجدة خسائر كُبرى.

 

وأعلن المتمردون الحوثيون في الثالث من ديسمبر (كانون الأول) عن إطلاق «صاروخ مجنّح جوال» على موقع بناء محطة براكة للطاقة النووية التي تقع على بعد 230 كيلومترًا جنوب غرب أبوظبي في دولة الإمارات العربية المتحدة.

 

لكن مسار استهداف الأهداف السعودية أخذ منحى جديدًا عبر استهداف قصر اليمامة منذ أيام بصاروخ باليستي وصلت آثاره إلى عدد من منازل المواطنين بالعاصمة السعودية.

 

ومن الواضح أن تطور القدرات العسكرية للحوثيين في اليمن جاءت في ضوء أكثر من مُحدد ساهم في ذلك، ومن أهم هذه المُحددات: وجود خبراء إيرانيين، ومن حزب الله اللبناني، داخل الأراضي اليمنية؛ من أجل تصنيع طائرات بدون طيار قادرة على القيام بمهام استطلاعية، وأخرى لحمل رؤوس متفجرة.

 

فيما يتمثل المُحدد الثاني في تنامي القدرات الصاروخية لدى مقاتلي حركة «أنصار الله» الحوثية بعد استيلائهم على صواريخ من نوع سكود، وتوشكا، وبركان، وزلزال وغيرها، من مستودعات الجيش اليمني، وتطويرها محليًا بواسطة خبراء إيرانيين ومنتمين لحزب الله، بحسب العديد من التقارير الدولية، بجانب متعلمين وفنيين حوثيين استطاعوا تطوير هذه الصواريخ وإطلاق طائرات بدون طيار لمدى أوسع للاستطلاع وللقيام بأعمال حربية، وتستهدف نوعية الصواريخ الجديدة من طراز «سكود بي» التي طورها الحوثيون مدى يصل إلى 300 كم، فيما يصل مدى «سكود سي» إلى 550 كم، أما «سكود دي» فيصل مداها إلى 700 كم.

 

ويتمثل المُحدد الثالث في: الدعم العسكري الإيراني لجماعة الحوثيين؛ وإمدادهم بصواريخ من نوعية الكاتيوشا، والجراد، وهي صواريخ من العيار الثقيل بعيدة المدى، فضلًا عن صواريخ من نوع الفاتح، وزلزال 3 وغيرها من الصواريخ الباليستية، والصواريخ ذاتية الدفع، ويُعد ميناء «ميدي» شمال غربي اليمن بوابة العبور لشحنات السلاح الإيرانية للحوثيين، حيث ضُبطت خمس شحنات، منها شحنة كانت تحتوي على 900 صاروخ ضد أهداف جوية وأرضية.

 

وحسب تقرير سري أعده مراقبو العقوبات بالأمم المتحدة، بعد استهداف الحوثيين لمطار الملك خالد بن عبد العزيز، وأكثر من هدف حيوي خلال العام الجاري، فإن «بقايا أربعة صواريخ باليستية أطلقها الحوثيون اليمنيون على السعودية هذا العام تبدو من تصميم وتصنيع إيران»، وذلك بعد تفقد المراقبين قاعدتين عسكريتين سعوديتين؛ لرؤية بقايا الصواريخ التي جمعتها السلطات بعد الهجمات على المملكة في 19 مايو و22 يونيو (حزيران) و26 يوليو (تموز) والرابع من نوفمبر، العام الجاري.

 

وتُفيد نتائج التقرير النهائية بأن «خصائص التصميم وأبعاد المكونات التي فحصتها الهيئة تتفق مع الخصائص والأبعاد التي تم الإبلاغ عنها بالنسبة للصاروخ (قيام-1) الإيراني التصميم والتصنيع»، ووفقًا لمنظمة «جلوبال سكيوريتي.أورج»، يبلغ مدى الصاروخ «قيام-1» نحو 500 ميل، ويمكنه حمل رأس حربي وزنه 1400 رطل.

 

وحسب شهادات عسكريين، فإن هذه الأسلحة بمنأى عن هجمات التحالف العربي الذي تقوده السعودية والإمارات، بالرغم من تصريح التحالف عدة مرات بتدميره لمخازن أسلحة تتبع الحوثيين، وتُشير هذه الشهادات إلى أن هذه الأنظمة الصاروخية تقع في أنفاق عميقة تحت جبلي فج عطان، والنهدين، جنوب صنعاء.

 

ويرى الخبير العسكري العراقي اللواء الركن المتقاعد ماجد القيسي، أن المنافذ المستخدمة للأعمال الإغاثية قد تكون أحد الأبواب لتهريب الصواريخ الإيرانية إلى الداخل اليمني؛ خاصة في ظل وجود قوات عربية وأجنبية كثيرة حاضرة بطول الساحل الإيراني إلى السواحل العربية، وتمركز قوات إماراتية على جزيرة سقطرى اليمنية، بجانب وجود طائرات تجسس.

 

أبرز الأسلحة الحوثية المستخدمة ضد السعودية

على مدار العامين الماضيين، سعى الحوثيون إلى توسيع نفوذهم العسكري بتطوير منظومة الصواريخ والأسلحة التي امتلكوها من مخازن الأسلحة التي تتبع الجيش اليمني، فضلًا عن الدعم العسكري الإيراني الذي أشرنا إليه سابقّا، سواء بالأسلحة أو عن طريق إرسال خبراء لتطوير صناعته الدفاعية والعسكرية.

صاروخ «قاهر»

 

النسخة المطورة من صاروخ (V75)، الذي يستخدم في نظام صواريخ أرض-جو من طراز (SA-2)، وتلقته اليمن من الاتحاد السوفيتي بكميات كبيرة (حوالي 800 إلى 1000 صاروخ) ابتداءً من سبعينات القرن المنصرم، وقد استخدم الحوثيون نوعًا آخر منه، وهو «القاهر 2» في هجوم على المملكة في مارس (أذار) العام الحالي، حيث يصل مداه إلى 400 كيلومتر، وبرأس حربي أكبر (350 كيلوجرامًا من المتفجرات مقارنةً بـ195 كيلوغرامًا في«قاهر-1»).

 

منظومة «النجم الثاقب»

منظومة صاروخية تكتيكية محلية الصنع، يصل مداها إلى 75 كيلومترًا، ومزودة برأس حربي وزنه 75 كجم.

Embed from Getty Images

أحد الأسلحة التي يستخدمها الحوثيون في مواجهاتهم مع السعودية

 

«بركان -1»

 

أول نوع صاروخ «سكود» مُرقّى تم تطويره محليًا، أطلقه الحوثيون ثلاث مرات على منطقة المدن الثلاثية (جدة – الطائف – مكة المكرمة) في شهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر من ذلك العام.

 

«بركان 2H»

 

صاروخ ينتمي لمنظومة الصواريخ بعيدة المدى، واستخدمه المتمردون لاستهداف الرياض أربع مرات على الأقل في فبراير (شباط)، ومارس ومايو ونوفمبر، ولضرب ينبع في 22 يوليو.

 

مركز الأبحاث وتطوير الصواريخ

أحد المراكز البحثية الذي كان يتبع الجيش اليمني خلال ولاية الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ويسيطر عليه الحوثيون، ويعمل كُل من فيها على تطوير أنظمة صاروخية مثل «القاهر»، «النجم الثاقب»، بدعم من خبراء إيرانيين لهم خبرة طويلة في بعض الأمور الفنية، مثل تفكيك الأنظمة القديمة وإعادة بنائها، أو توسيع خزانات الوقود، أو نقل البطاريات، أو تمديد أجسام الصواريخ، أو تلحيم أجزاء خاصة.

 

مراكب «مواجهة عن بعد»

متفجرة ذاتية التوجيه من نوع «شارك – 33»، يمكن برمجتها للتقدم على مسار محدد، أو توجيهها نحو هدف عبر استخدام نظام التوجيه بواسطة كاميرا تلفزيونية كهروضوئية، واستخدمها الحوثيون في الهجوم علي الفرقاطة البحرية السعودية، والتي وقع علي إثرها ثلاثة سعوديين.

 

خيارات المملكة أمام صواريخ «الحوثيين»: الأسلحة المتطورة ليست الحل الأمثل

 

نجح الحوثيون في تطوير الأنظمة الصاروخية لتصل إلى مسافات بعيدة، وتحقق الهدف من ذلك بوصولها إلى داخل المدن السعودية، بعدما كانت في العام الماضي تسقط وتتفكك لشظايا قبل أن تصل من الأساس.

Embed from Getty Images
وبالتوازي مع هجمات الحوثيين على المملكة بالصواريخ الباليستية؛ نجحت منظومة «باتريوت» الموزعة على طول الحدود السعودية في إسقاط بعض من هذه الصواريخ، لكنها فشلت في التصدي للأخرى التي وصلت إلى الداخل السعودي.

 

ونجحت هذه المنظومة الدفاعية التي كانت السعودية قد اشترتها من الولايات المتحدة الأمريكية، في صد الصواريخ قريبة المدى، قبل أن يقوم الحوثيون بتطويرها بعد أن كانت تحتاج لوقت طويل حتى تصل إلى أهدافها؛ مما يفقدها عنصر المفاجأة.

 

وجدير بالذكر أن إطلاق صاروخ واحد من منظومة «باتريوت» الدفاعية يتكلف بين 2 – 3 مليون دولار، فيما يتكلف الصاروخ الحوثي مليون دولار بحد أقصى، وعادة ما تطلق المنظومة أكثر من صاروخ لصد الصاروخ الحوثي؛ لتتكلف المملكة نحو 10 مليون دولار في كل مرة تتصدى فيها لصاروخ حوثي واحد، لكن الوضع تغير بشكل كبير بعدما طور الحوثيون صواريخهم لتصل لمدى أبعد في وقت أسرع، بدعم من خبراء إيرانيين.

وبحسب بحث منشور لعدد من الخبراء المختصين في الأنظمة الصاروخية في «النيويورك تايمز»، فإن صواريخ منظومة الدفاع باتريوت فشلت في تدمير صواريخ الحوثيين بالكامل؛ فهي إما أن تكون قد أصابت مؤخرة الصاروخ، وأبقت على رأسه المتفجر؛ فواصل طريقه، أو أنها أخطأته تمامًا؛ فانشطر الصاروخ بنفسه إلى قسمين.

 

ويؤكد فريق البحث الذي أشرف عليه جيفري لويس بمعهد «ميدلبوري للدراسات الدولية»، في مونتيري بكاليفورنيا، على أن منظومة الدفاع الأمريكية لا تنجح بشكل كاف في صد هذه الصواريخ، وذلك من واقع أحد شرائط الفيديو التي أظهرت سقوط بقايا من إحدى هذه الصواريخ داخل موقف للسيارات قرب مدرسة في وسط العاصمة السعودية الرياض.

 

وفي بعض المرات، وبعد وضع بقايا عُثر عليها من صاروخ الحوثي جنبًا إلى جنب؛ وجد أنها أجزاء من جسم الصاروخ نفسه، أما الرأس المتفجر فلا أثر له؛ مما يدل علي عدم تمكن أنظمة الدفاع من صد الصاروخ بالكامل.

 

ومن واقع شرائط الفيديو أيضًا التي نشرها سكان من الرياض على شبكات التواصل الاجتماعي في الرابع من نوفمبر الماضي، بعد استهداف مطار الرياض، فإن آثار وصول هذه الصواريخ تأكدت بعد اكتشاف عمود من الدخان، وتحرك سيارات الإسعاف تجاه مكان الحادث.

ويُمثل أحد أبعاد التفوق الحوثي على السعودية المُحدد الجغرافي؛ إذ تُمثل الطبيعة القاسية للأراضي اليمنية، المكونة في الغالب من الجبال والهضاب الوعرة، مسرحًا للكر والفر للحوثيين، فضلًا عن إجادة إطلاق الصواريخ منها.

وفي نظر بعض المحللين تتمثل الخيارات القريبة المُقبلة للسعودية في الأزمة اليمنية بالدخول في مسار سياسي عبر التفاوض مع حزب «الإصلاح» اليمني، فرع «الإخوان المسلمين» في اليمن، واللجوء لدعم أمريكي استخباراتي مباشر، من خلال نشر الموارد الجوية أو الصاروخية الأمريكية، واستخدامها في الكشف عن مركبات الإطلاق التي يطلق منها الحوثيون صواريخهم.

المصادر

تحميل المزيد