حذرت صحيفة فورين بوليسي في مقال نشرته للكاتب دايفيد ميلر من تبعات الصعود المتنامي لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وبلاد الشام, أو ما يعرف اختصارًا باسم تنظيم “داعش”، وما يكتنفه من تداعيات قاتمة على الصراع العربي الإسرائيلي, وخاصة ما يتعلق منه بحل إقامة الدولتين.

وأشارت الصحيفة إلى أنه وفي ظل التقدم الذي باتت تحرزه داعش من السيطرة على مناطق جديدة, وتجنيد عناصر جديدة, والدعم العسكري الذي تتمتع به, تبدو آفاق حل الدولتين غير مبشرة، وهذا ما قد يجعل من التنظيم الجهادي بمثابة المسمار الأخير في نعش عملية المفاوضات برمتها، التي تعاني بالأساس من عقبات عديدة في الوقت الراهن.

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

وشددت الصحيفة على أن الجماعات التي دعتها بالإرهابية دائمًا ما تشكل خطرًا كبيرًا على المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية لإقرار السلام. وقللت الصحيفة في هذا الصدد من تداعيات العمليات الإرهابية التي تنتهجها حماس وحزب الله باعتبارهما جماعتين تعكسان بعض التطلعات القومية في فلسطين ولبنان, خلافًا لداعش التي تمثل رمزًا للسلفية الجهادية العالمية التي تمارس إرهابًا أعتى – مقارنةً بحماس وحزب الله- من قبيل الانتهاكات التي تمارس ضد الأقليات المسلمة، والتي تشمل أعمال قتل وتعذيب واستعباد للنساء. وبالرغم من أن داعش ما تزال بعيدة عن المشهد الإسرائيلي الفلسطيني, إلا أن ذلك لا يعوق دون التأكيد على ما تشكله من تهديدات لآمال الدولة الفلسطينية.

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه الصحيفة أن الأزمات والحروب قد تمنح فرصًا عديدة للتغيير الحقيقي في الساحة العربية والإسرائيلية، كما هو الحال مع حرب 1973 التي تبعتها زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل, والانتفاضة الفلسطينية الأولى التي مهدت الطريق نحو اتفاق أوسلو, وصولاً إلى حرب الخليج الأولى التي أفضت إلى مؤتمر مدريد للسلام. بيد أن الصحيفة عادت لتؤكد على أن الأزمات قد تؤدي أيضًا إلى إشعال للصراعات.

ورصدت الصحيفة عددًا من الأسباب التي من شأنها أن تجعل من داعش معول هدم يعوق إحراز أي تقدم في عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية. خاصة وأن الولايات المتحدة أعلنت عن تشكيل تحالف دولي للقضاء على التنظيم الجهادي.

 وفيما يلي تفصيل لأبرز تلك الأسباب:

1.    الجبهة الشرقية

تتسع الفجوة بدرجة كبيرة فيما بين الطرف الفلسطيني والإسرائيلي حول الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية, وفيما يتعلق بالوجود الإسرائيلي في وادي الأردن، وكم سيتكلف من الوقت لتحقيق انسحاب إسرائيلي من تلك المناطق. ولا يخفى على البعض أن الصعود المتنامي لداعش قد زاد من اتساع الفجوة بين الطرفين إزاء هذه القضية على نطاق أوسع. كما أن تواجد أحد أفرع تنظيم القاعدة في سوريا ممثلاً في جبهة النصرة التي قامت باحتجاز عدد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والعنف الذي استهدف القوة الدولية لمراقبة فض الاشتباك في مرتفعات الجولان “أندوف” على أيدي الجماعات المسلحة بما فيها جبهة النصرة، من شأنه أن ينذر بعواقب وخيمة في المستقبل.

 ففي الوقت الذي لم تبد فيه إسرائيل ردود فعل تجاه تلك الجماعات, تتصاعد مشاعر القلق لدى تل أبيب إزاء خلايا تنظيم الدولة الإسلامية في الضفة الغربية، والدفاع عن حدودها مع الأردن. وهكذا باتت داعش عقبة أخرى تضاف إلى العقبات التي تكتنف مفاوضات الانسحاب الإسرائيلي في الضفة الغربية. وبالرغم من الاستقرار الذي تشهده الأردن حاليًا, إلا أن ذلك قد لا يكون كافيًا لوأد الفتنة. فمن كان يتخيل أن تبسط داعش سيطرتها على مدينة الموصل, ثاني أكبر المدن العراقية, في غضون ساعات معدودة, ناهيك عن الاضطرابات الواسعة التي خلفها التنظيم في شمال شرق سوريا.

 وفي ظل تلك التطورات, تبدو المواقف الإسرائيلية أكثر تصلبًا فيما يتعلق بمطالبها باستمرار الوجود الإسرائيلي، وإطالة أمد الانسحاب من الضفة الغربية. وهو ما يضع الفلسطينيين وجهًا لوجه أمام مزيد من القيود والتعقيدات لتحقيق السيطرة والسيادة على الحدود ووادي الأردن.

2.    حماس في قفص الاتهام

[c5ab_gettyimages c5_helper_title=”” c5_title=”” ]

[/c5ab_gettyimages]

اعتاد المسئولون الإسرائيليون مؤخرًا على التصعيد الإعلامي ضد حماس, وكذلك وضعها في سلة واحدة مع داعش وجماعة الإخوان المسلمين. متكئين على رسالة مفادها أن الحرب الأمريكية ضد تنظيم داعش لا تختلف عن حرب إسرائيل ضد حماس. وبغض النظر عن صحة أو خطأ تلك الرسالة, فإنها تبدو كمناورة سياسية للضغط على السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس للحصول على مزيد من التنازلات.

 ولم تقف المحاولات الإسرائيلية عند هذا الحد, وهو ما بدا في شن حملات موجهة بحق حماس, والادعاء بأن الحركة تسعى إلى انقلاب ضد عباس لبسط سيطرتها على الضفة الغربية، وهو ما سيقف كحجر عثرة أمام عملية السلام. وبينما تدفع إسرائيل باتجاه عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة من جديد, سيضطر نيتنياهو إلى تقديم تنازلات على الأرض طالما بقيت حماس بعيدة عن مخاطر التفكيك.

3.    الضغط الأمريكي على إسرائيل

في ظل حالة الاضطرابات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط, وصعود تنظيم داعش كقوة مهيمنة في المنطقة، وما تقوم به من انتهاكات من قتل للصحفيين ومطالبتها لحماس بتدمير إسرائيل, ستتجه الإدارة الأمريكية للضغط على إسرائيل للتوصل إلى تسوية بشأن عملية السلام. ومع اقتراب التوصل إلى اتفاق أمريكي إيراني بشأن البرنامج النووي الإيراني في نوفمبر المقبل, ستسعى الإدارة الأمريكية إلى دفع إسرائيل للقبول بالصفقة مع كبح جماحها لتوجيه ضربة عسكرية لطهران. غير أنه يمكن التأكيد على أن الضغوط الأمريكية على إسرائيل للانسحاب من الضفة الغربية وإنجاز التسوية النهائية ستبقى صعبة المنال مع استمرار الوجود الفعلي لجبهة النصرة بالقرب من مرتفعات الجولان, وإحراز داعش لمزيد من المكتسبات في العراق.

4.    تغير الأولويات العربية

أعاد تنظيم الدولة الإسلامية تشكيل الأولويات لدى الأنظمة العربية, لا سيما من جانب المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر والأردن. بما في ذلك خلق حالة من المصالح المشتركة مع إسرائيل. وبالرغم من التغيير الذي شهدته الأولويات العربية, إلا أن ذلك لا يعني بالقطع إغفالاً للقضية الفلسطينية. فقط يمكن القول إن حالة الصمت العربي تجاه أعمال القتل والدمار في غزة كانت أمر مذهل ومثير للانتباه. ولا ريب في ذلك فالدول العربية باتت تعتبر حماس وجماعات السنة الجهادية كقوى تشكل تهديدًا عليها بدرجة أكثر إلحاحًا مما قد تشكله إسرائيل، وهو ما يبدو جليًّا في مشهد العلاقات المصرية الإسرائيلية الحالي. ويمكن القول بأن تلك التغيرات من شأنها أن تحد من درجة الضغوطات على إسرائيل والولايات المتحدة لدفع قضية السلام نحو الأمام.

واختتمت الصحيفة المقال بقولها إن الأزمة التي خلفها تنظيم داعش لن تتوقف تداعياتها على إعادة صياغة الأوضاع في المنطقة فحسب, بل ستتعدى ذلك إلى وضع إسرائيل والدول العربية والولايات المتحدة على خط واحد. وشددت على أن حل القضية الفلسطينية مرهون بنجاح كافة الأطراف في مواجهة تهديدات من دعتهم بالمتطرفين السنة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد