مع اندلاع الانتفاضة السورية فى مارس 2011، طرأت العديد من التغييرات على تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا الذي يعيش أغلب قيادته في المنفى منذ ما يقارب 30 عامًا، في محاولة لتوفيق أوضاعه مع الأزمة السورية، التي ظل التنظيم فاعلًا في مجرياتها طيلة السنوات الماضية رغم الحظر والنفي.

اليوم، يخوض “التنظيم” دائرة المواجهة مع النظام عسكريًّا ودوليًّا بخبرة تاريخية من المواجهة الأكثر عنفًا مع نظام البعث السوري، عندما قرر التنظيم التعاون مع تنظيم جهادي يطلق عليه “الطليعة المقاتلة”، والذي تم سحقه بصورة حاسمة في مجزرة حماة في شباط (فبراير) 1982.

ونتج عنه استصدار قانون رقم 49 الصادر في تموز/ يوليو 1980، ينصّ على إنزال عقوبة الإعدام بكل من يُعرَف عنه انتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين السورية.

خلال السطور التالية، تحاول “ساسة بوست” التعرف على آليات إدارة تنظيم الإخوان المسلمين في سوريا له، وما الذي طرأ عليه من تغييرات منذ اندلاع الانتفاضة السورية، والعلاقات المتباينة مع التيارات الجهادية المسيطرة على أغلب مدن سوريا.

بروز دور الأخوات السوريات في الجماعة

في الفترة الأخيرة، برز دور “الأخوات السوريات” داخل تنظيم الإخوان المسلمين سواء كان في الخارج أو الداخل، حيث اضطلعن بدور مؤثر في التنظيم عبر التأثير في الدوائر العليا لصنع القرارات في جماعة “الإخوان المسلمين”، بعد فترة تراجع لأدوارهن في التنظيم على خلفية القمع العنيف لنظام “بشار الأسد” حيالها، ووقوع أكثر من واقعة اغتيال لهن على خلفية أدوارهن، كتعرض “بنان الطنطاوي”، زوجة الزعيم السابق للإخوان المسلمين، عصام العطار للاغتيال في منزلها في مارس 1981، وتعرض معظمهن للتعذيب داخل السجون مما استوجب تراجع أدوراهن في الفترة السابقة.

تجلى هذا الدور للأخوات في انتخاب ست نساء في مجلس شورى الإخوان في الانتخابات التي أجريت في عام 2014، وتعيين اثنتين منهن في الهرمية القيادية بالتنظيم، ومن المتوقّع أن يزداد هذا الرقم سريعًا، كما يرجح أعضاء فاعلون داخل التنظيم، كذلك في إطلاق صحيفة “العهد” الصادرة عن الإخوان المسلمين، والتي بدأ توزيعها في المناطق الخاضعة إلى سيطرة الثوّار في شباط/ فبراير 2013.

كذلك شكلت “الأخوات السوريات” منظمات أهلية وجمعيات خيرية لمساعدة اللاجئين السوريين الفارين من بطش “بشار الأسد”، كما يتعزز دورهن في فرع الشباب في جماعة الإخوان المسلمين، حيث يُشكلن 10 في المئة من عدد أعضاء الفرع، والتي تقوم بإعداد برنامج لتقديم قروض صغيرة للتجّار الراغبين في إعادة إطلاق أعمالهم في المناطق التي يسيطر عليها الثوّار، وبرنامج لتأهيل النساء اللواتي يغتصبهن الشبيحة.

هيئة درع الثورة.. مظلة الجماعة العسكرية تتراجع أمام “داعش”

في مارس 2012، سعت جماعة الإخوان المسلمين لكسب موطئ قدم في النضال العسكري أمام تمدد داعش وسيطرتها على معظم المدن السورية، فتولت تشكيل فصائل مُسلحة تركزت معظمها في إدلب، في شمال غرب سوريا، حيث احتفظ نظام الإخوان بعلاقات وثيقة مع الأصدقاء والعائلات وشبكات المتشددين في تلك المناطق، على الرغم من وجوده الطويل خارج البلاد في المنفى.

طوال عام 2013، حصلت هيئة الدروع على أسلحة متطورة، بما في ذلك أجهزة الدفاع الجوي المحمولة ومدافع الهاون وبعض الدبابات بدعم من الخليج، وقامت بعمليات عسكرية تشاركية في ريف إدلب وحمص، بينما كانت أقل فاعلية في مناطق من حلب وحماة وريف دمشق.

في دلالة رمزية على العلاقة الوثيقة بين جامعة الإخوان وهيئة درع الثورة، اتخذت الهيئة الرمز الذي تستخدمه جماعة الإخوان المسلمين شعارًا لها، وهو عبارة عن السيفَين المتصالبَين.

مع اشتداد المعارك، وتوسع المناطق التي سيطرت عليها “داعش”، دب الخلاف داخل جماعة الإخوان المسلمين بسوريا بين الكتلتين اللتين تتنافسان على السلطة في التنظيم: كتلة حماة، وكتلة حلب بعد رفض كتلة حلب استمرار دعم الجماعة “لدرع الثورة”، والتي كان قرار تأسيسها بمباركة من المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا رياض الشقفة، وهو شخصية إخوانية مولودة في حماة.

مع انخراط مجموعات متطرفة في “درع الثورة”، وارتفاع نفوذ الجماعات المتمردة المتطرفة في المناطق التي تسيطر عليها هيئة دروع الثورة، قررت “كتلة حلب” اختيار دعم الجماعات المتمردة الإسلامية المعتدلة القائمة بالفعل مثل لواء التوحيد، أو رفض العمل العسكري تمامًا والتركيز على الأنشطة الحزبية مثل النشاط الدعوي والنشاط الإعلامي والأنشطة الخيرية والأنشطة السياسة.

كانت هذه الخلافات السياسية بين الجبهتين داخل التنظيم السبب الرئيسي وراء تراجع عمليات “درع الثورة” مقابل توسع سيطرة داعش على العديد من المناطق، وكذلك تراجع الدعم المالي القادم من الخليج لصالح هذه العمليات العسكرية.

تركيا.. القاعدة الآمنة للجماعة في المنفى

يتواجد أغلب قيادات جماعة الإخوان المسلمين السورية في تركيا، حيث توفّر مكانًا آمنًا لاجتماع زعماء الحركة، وتستضيف مكاتبها وكافة الأنشطة السياسية المُناهضة لنظام بشار الأسد، وهو الأمر الذي كانت تستند عليه المُعارضة التركية في حملاتها الهجومية لأردوغان، واتهامه بدعم الجماعات المتطرفة، واستضافتهم للعديد من رموز جماعة الإخوان المُسلمين.

منذ أوائل الثمانينات، ظلت تركيا هي الملاذ الأكثر أمانًا لمعظم قيادات الجماعة بعد أن تم التخلص منها بالكامل عن طريق الاغتيالات، أو حملات الاعتقال الموسعة التي قادها نظام بشار الأسد حيالهم، فاضطروا إلى الهروب للخارج، وتمركز أغلبهم في تركيا.

كذلك جرى تشكيل الحزب السياسي للجماعة في إسطنبول في حزيران/ يونيو 2013، لكن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا طلب المزيد من التأجيل.

مؤخرًا، اكتسب التنظيم حليفًا دوليًّا “السعودية”، والتي كانت على عداء شديد معه خلال فترة ولاية الملك الراحل عبد الله، حيث أجرى عدد من قيادات الجماعة لقاءات مع أفراد الأسرة الحاكمة السعودية، وجرى تنسيق في المواقف المُشتركة، وتقدير لموقف التنظيم حيال نظام “الأسد” في الإطاحة به، وهو الموقف المُتسق مع النظام السعودي.

 ما هي مصادر تمويل الجماعة في الفترة الحالية؟

تعتمد الجماعة بشكل رئيسي على رسوم العضوية السنوية لآلاف من أعضائها، وكذلك تشكل التبرّعات دعمًا إضافيًّا.

تستفيد الجماعة كذلك من صلات العلاقة بين أعضاء التنظيم مع العديد من العائلات التجارية السورية السنّية الثريّة في الخليج، وكذلك ترتكز في عملية التمويل على المساهمات المقدّمة من الجمعيات الخيرية الدينية وشبكات المساجد، التي تجمع المال لمنظمات الإغاثة والمشاريع المرتبطة بالإخوان.

رغم النفي القاطع من محمد رياض الشقفة، المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، في مقابلة تليفزيونية، في يناير 2013، لتلقي أموال من دولة خليجية: “”أنا مستعدّ لأن أقسم على القرآن أننا لم نتلقّ دولارًا واحدًا من أي دولة عربية أو أوروبية. نحن ندفع للثورة من جيوبنا الخاصة، ومن جيوب بعض المتعاطفين من الشعوب العربية والإسلامية”، إلا أن العديد من الخبراء يرون أنه من الصعب التمييز بين “المتعاطفين” الأفراد والدعم الرسمي، في دول الخليج، حيث يتمتّع العديد من رجال الأعمال والمؤسّسات الدينية برعاية الدولة ويعملون كوكلاء للحكومة.

كيف تعمل الجماعة داخل سوريا في ظل تواجد أغلب قيادتها في المنفى؟

تتبع جماعة الإخوان السورية إستراتيجية ذات أربعة محاور لتنشيط الحركة الإخوانية داخل سوريا، من خلال تمويلها للموالين لها من غير الأعضاء في محاولة لكسب حلفاء ومصادر معلومات في الحركة الثورية، وتشمل المجموعات التي يعتقد أنها تلقت دعمًا ماليًّا من جماعة الإخوان في سوريا، كتيبة الفاروق في حمص، ولواء التوحيد في حلب، وصقور الشام في جبل الزاوية، وأحرار الشام في إدلب.

كذلك تعمل الجماعة على إحياء الشبكات القديمة، وذلك باستخدام الروابط الأسرية، وتعبئة الأسر الإخوانية السابقة. ثالثًا، تشتري ولاء القادة الرئيسيين والقادة المحليين. رابعًا، تستغل جماعة الإخوان قوتها في المعارضة الخارجية للسيطرة على المجموعات الداخلية.

يوضح علي صدر الدين البينانوني، المراقب العام السابق لجماعة الإخوان المُسلمين، بسوريا أن الأعضاء الباقين من الجماعة في سوريا هم 3 أنواع: “هناك الأشخاص الذين سجنوا ولكن أطلق سراحهم. هم ليسوا كثيرين وعددهم لا يزيد عن سبعة آلاف. إنهم موجودون، لكنهم يعيشون في ظل ظروف صعبة، وتتم مراقبتهم باستمرار من جانب الأجهزة الأمنية… وهناك أيضًا مجموعة لم يتم اكتشافها أبدًا، وهي تنظيم سري. لقد ظلوا مخفيين كل هذا الوقت ولم تكتشفهم الأجهزة الأمنية أبدًا. أما المجموعة الثالثة، والتي هي جديدة، فتصف نفسها بأنها جزء من الإخوان، ولكن ليس لدينا علاقات تنظيمية معهم. وهذه هي أكبر مجموعة”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد