كان تطور الحضارات دومًا ما يخلق رغبات واحتياجات جديدة، يكون لها نصيب من الظل، وكان ازدياد الدعارة وعزوف الشباب عن الزواج؛ ظاهرتين حاضرتين في المقام الأول بالعاصمة الفرنسية باريس في القرن التاسع عشر. فالعزاب لا يتدفقون إلا على المدن الكبيرة لسهولة الحصول على المتعة دون أي عوائق، فيذهب البرجوازيون المتزوجون لفراشهم في ساعة مبكرة، بينما الفتيات والشباب الأعزب يعيشون مثل الفنانين البوهيميين، تحت أضواء المصابيح الليلية على الأرصفة؛ فبدءًا من الساعة التاسعة، وعندما تضيء المحلات والمقاهي الباريسية، يحضر الكثير لمتابعة المتسكعين والمتسكعات.

«البرجوازيون والحيوانات البرية فقط هم من يعشقون الليل». *ديلفين دي جيراردان، 1844.

كان من المستحيل القضاء على الدعارة نهائيًا في العاصمة الفرنسية، «لأنه شر لا بد منه في المدن المكتظة بالسكان» بحسب العميد بيرو في شرطة باريس عام 1839. فأمام الشرطة كانت العاهرات تتسابق على المراحيض العامة، من أجل تعديل الثياب ووضع مستحضرات التجميل، ثم ينزلن من أعالي حي بريدا إلى شارع مونتمارتر وشارع الإيطاليين، وفي أرجلهن أحذية ذات كعب عال، وهم يرتدين فساتين ملونة ومثيرة، وأحزمة ذهبية وإكسسوارات مقلدة، وشعر مستعار مثبت بإحكام، بين الجبهة والقبعة المزينة بريش الطاووس المرتفع.

فلوبير.. «انظر.. أنا مصاب بالزهري»

رأى المثقفون الراديكاليون بائعة الهوى؛ مثل طفل يملك كل فرد الحق في اللعب معه، «إنها فتاة لكل الناس» بحسب توصيف كان يحقر من شأنها في القرن التاسع عشر، فهي ليست زوجة أو ابنة أحد، باستثناء الشعب الذي ربما يمثل لها أسرتها الوحيدة، ومنهم من لم يشعر بالشفقة تجاه العاهرات، واعتبرهن من مخلفات المدن الكبرى. فيما اتخذ آخرين موقفًا فلسفيًا ضد التقاليد، وتمردوا وأدانوا الحياة عديمة القيمة للبرجوازي المتزوج رب الأسرة، وآثروا العزوبية؛ وبين الجميع ظلت تربط الأعزب المثقف بالعاهرة علاقة، ليس بسبب المال واسم العائلة فقط، ولكن لأن الاثنين يجدان أنفسيهما دومًا على صلة بالموت واليأس والجنون.

Embed from Getty Images

لوحة «الشقيقتان»، وُجدت في مجموعة المتحف الوطني للفنون، برشلونة عام 1910.

وكتب جوستاف فلوبير في عام 1842، وكان لا يزال شابًا، خطابًا لصديقه يرنست شوفالييه، يحكي فيه انطباعه عن العاصمة، وقال له: «إن ما يبدو لي أجمل من باريس نفسها، هو ذلك الشارع الذي أعبره باستمرار، فحينما أصل كل صباح أشعر بقشعريرة تسري في أرجاء جسدي، جراء السير على رصيف مسفلت، متشبع بأحذية عاهرات سرن عليه مرتديات فساتين بألوان صاخبة، فأذهب هناك للتنزه سائرًا بهدوء، وأشاهد كل شيء من خلال النساء اللائي يعبرن أمامي».

كانت فتيات المتعة يفرضن طريقتهن الخاصة خارج نطاق التقاليد البرجوازية، فتخرج الفتاة بمظهر غريب وشاذ، يتناقض مع رتابة الملابس السوداء المعتادة والفساتين الرقيقة. وكان الشارع الذي يتنزه فيه فلوبير قد تحول إلى ما يشبه التربيعة، بواسطة فتيات متمردات اقتلعن البلاط، لأنهن يمارسن البغاء سرًا دون أن يكن مقيدات في مديرية الأمن؛ وأدمن فلوبير هذه الأرصفة حتى أنه وأصدقاءه كانوا يتباهون بإصابتهم بمرض الزهري، وبالقروح التي أصابت أعضاءهم التناسلية، دليلًا ماديًّا على فحولتهم وقوتهم الجنسية ومضاجعة العديد من النساء. حتى إن غي دي موباسان، أحد آباء القصة القصيرة الحديثة، توفي في عيادة طبيبه في باريس إثر إصابته بالزهري.

للمرأة العربية مثنى وثلاث ورباع.. ما قد لا تعرفه عن «عهد الأمومة»

بودلير وحب العاهرات الملونات

«انزعوا عن المجتمع عاهراته، وسوف يغرق في الفوضى بفعل رغباته». *القديس أوجستين

كان الشاعر شارل بودلير محبًا للعاهرات وممارسة الجنس، واشتهرت قصة شارل بودلير والآنسة بيستوري العاهرة التي كتب فيها الشعر ووصفها بالسادية. كذلك كان يكرس ساعات طويلة من يومه للتزين قبل الخروج للشارع ليلًا، حتى وصفه  ألفريد ديلافو، الصحافي والمؤرخ في يومياته الشهيرة «ليالي باريسية»، بأنه كان يبدو مثل أفعى البوا، يرتدي زيًا بنفسجيًا، وقفازات وردية، حتى يبدو في هيئة أنثوية مبالغ بها، ومقاربة لفتيات الليل.

وكتب شارل بودلير مقالة شهيرة بعنوان «رسام الحياة الحديثة»، وأكد فيها أن العاهرة تعرف كيف تصنع من جسدها مادة فنية مستفزة وبربرية؛ فمشيتها وزينتها التي تكتسب طبيعة خاصة بنظرات عينيها، تمنحها شغفًا مضاعفًا من الآخرين، حتى تمثل بامتياز الهمجية في الحضارة، لتبرز صورتها على خلفية فيض من الألوان الصارخة مثل الأحمر والبرتقالي والروز والبنفسج.

Embed from Getty Images

جولو وشقيقتها، في مولان روج، أو الطاحونة الحمراء، 1982

وكان للأخوين جونكور معشوقة عاهرة، اسمها ماريا، وكتب عنها إدموند جونكور روايته «الفتاة إيلزا» التي ظهرت فيها كفتاة عاقلة مجردة من سلوكيات العاهرات الشائنة. وذكر ضابط في سجلات شرطة الآداب أن فلوبير والأخوان جونكور كانوا يفضلون الممثلة والمغنية الشهيرة سوزان لاجييه، وكانت عاهرة وزبونة في الوقت نفسه لميولها المثلية، إذ كانت تدفع للعاهرات لتمارس معهن الجنس. ولم تخف سوزان مثليتها، حتى كتب الأخوان جونكور على لسانها: «إن السحاق حرية، تتشابه لحد ما مع تلك الحرية التي ينعم بها الرجال فيما بينهم».

بلزاك.. الأعزب والعاهرة طرفي المعادلة

بأسلوب متوارٍ يحميه من تلويث سمعته؛ برر أونوريه دي بلزاك الدعارة ورأى أن مضاجعة النساء شر لا بد منه، حتى لمن ينوون الزواج، وذلك لاكتساب بعض الخبرة في ممارسة الجنس، وحتى لا يصبحون مادة للتندر بعد ليلة الزفاف. فوفق كتابه «فسيولوجيا الزواج من أعزب»، عندما كان الشاب «البريء» يظهر في أكثر الصالونات برجوازية، تختفي النساء خوفًا من سماعه أصوات ضحكاتهن، وهن يسخرن منه ومن براءته.

Embed from Getty Images

واتخذ بلزاك ذلك ذريعة للدفاع عن دور العاهرات في المجتمع الباريسي البرجوازي، وقال إنه ليس من قبيل الصدفة أن تصدر الشركة أوامر لبيوت الدعارة بالعمل مع غروب الشمس وحتى الساعة الحادية عشر مساءً، وأن هذا من أجل مصلحة الفتيات المهذبات من الطبقة البرجوازية، ليخلع العازب البرجوازي الأعزب ثوب البراءة والخجل، ويتخلص من شحنات السذاجة، كي لا تتضرر الفتاة بعد الزواج، أو تتأثر سمعة أسرته.

وفي الوقت ذاته؛ إذا كانت الدعارة مقبولة، باعتبارها قنوات منظمة ليمارس من خلالها الشباب حياتهم الجنسية ويبتعدوا عن إغواء الزوجات والفتيات المهذبات، واعتبار أن العاهرات مساهمات في التطور الأخلاقي للشباب، إلا أن المرأة التي تمارس الدعارة، تظل موصومة بالعار طوال حياتها، ولن يحق لها الزواج مثل أي فتاة عادية.

وقد نقل بلزاك شهادة العاهرة إيستر فان جوسبيك، في كتابه «روائع ومآسي العاهرات»، وأزمتها بعدما طلبت حذف اسمها من قوائم العاهرات في المباحث، إذ قالت: «أولئك الذين يسجلونك بكل سهولة، على قوائم العار؛ يحذفونك منها بصعوبة بالغة».

فيما برر الأخوان جونكور أيضًا للدعارة الباريسية، بأن العزوبية المفروضة على الرجال في مقتبل أعمارهم، تكون نتيجتها الدعارة بشكل قاطع، فالرجل إما يظل صبيًا طوال الوقت يخجل من النظر للفتيات، أو يستعيض عن الزواج بالعاهرة التي ترضيه.

«لو سالومي» ونيتشه.. حكاية امرأة أسرت قلب «عدو النساء»

المسرح.. غرفة انتظار لممارسة الدعارة

أجبر ضعف الأجور، ممثلات الصف الثاني، على بيع أجسادهن، حتى دخلت مجال الدعارة، نجمات ذائعات الصيت، مثل النجمة سارة برنارد، العاهرة والعميلة السرية لمباحث الآداب الفرنسية طوال الفترة بين 1860: 1870، حتى أنها سجلت يومياتها في كتاب «كتاب المومسات»، وأكدت في تقاريرها للشرطة أن زبائنها كانوا من أرقى طبقات المجتمع، فمنهم الكونت والبرلماني ورجل الأعمال، وكانوا يدفعون مقابل بعض الوقت معها منفردين، ويدفعون حتى ألف فرانك، وكانت تجمع بقية الزبائن في الغرفة المجاورة لها، ليدخلوا بترتيب.

Embed from Getty Images

في الواقع؛ لم تكن الممثلات يختلفن في شيء عن العاهرات، سوى أنهن لا يخضعن لتحريات هيئة التحقيق، وأن المجال الذي يعملن به يبرر لهن سلوكياتهن وملابسهن. وبعد انتشار الدعارة في فرنسا واشتغال الممثلات بها، فتحت المسارح أبوابها للمسرحيات الاستعراضية بدلًا من الأدبية، وظهرت الفتيات بالمايوهات الكاشفة الضيقة، حتى أصبحت أنجح المسرحيات هي التي تضم في فريقها أكبر عدد من الفتيات العاريات.

من بين العاملات بالدعارة أيضًا، كانت الممثلة المتواضعة مارتا أويوزمانز، والتي عملت بكازينو «بوبينو»، وكانت توفر وقتًا للعمل بالدعارة؛ فكانت قبل أن تخرج للزبون المتلهف، تقف أمام المرآة وتضع على ذراعيها البودرة لتجعل ملمس جلدها أكثر نعومة، ثم تتأكد من تلوين حاجبيها بلون الفحم، وشفتيها بلون الدم ثم تتمم على أن جوربها الحريري الوردي أنيق وملائم بما يكفي لما ترتديه.

كان لمارتا طابع مسرحي مرضي يكشف عن الوحشية البائسة للدعارة في فرنسا، يؤكد على وجوده الجروح الحية في جسدها المغطى بمستحضرات التجميل، وكانت العاهرة الممثلة كما يصفها بودلير: «مخلوق ليُحتفل به، ومادة للمتعة العامة».

جاءت رواية «مارتا.. حكاية فتاة» لأويوسمانس، لتحكي قصة إعجاب أديب بعاهرة وممثلة في روايته الأولى، والتي تمت مصادرتها لتعديه على الأخلاق، وفشلت محاولات تهريبها من على الحدود الفرنسية البلجيكية. وفي الرواية يتزوج فيها الشاعر الشاب من العاهرة، لينتهي المنزل الذي كونه الاثنان، إلى جحيم من الخلافات اليومية لأتفه الأسباب، فمارتا لا تتفهم طموح شاعر شاب، وهو لا يتحمل وصمة قراره السكن مع عاهرة دون زواج، حتى أنهى الشاعر ارتباطه بها وقرر الزواج على الطريقة البرجوازية.

Embed from Getty Images

وكتب أويوسمانس بعد ذلك يومياته باعتباره مثقفًا يرفض اتفاقيات الزواج البرجوازي، لأن خادمته ترتب المنزل وتجهز له الطعام بينما تقع بيوت الدعارة في الجوار بشارع فايدو. وكتب أويوسمانس: «على أضواء الشموع، في صالونات الدعارة، أمارس الزنا يوميًا، وبشكل هيستيري، لا أعرف كيف أخرج من هذا الوحل».

حالة من العبودية المطلقة

إذا كان المثقف والعاهرة قد شكّلا يومًا صورة للمجتمع الباريسي، فإن فتاة المتعة يراقبها القواد ويستغلونها، أما الأعزب فهو حر في تحركاته ولا يحاسبه أحد على ساعات العمل؛ فيخرج فلوبير إلى الشوارع مستمتعًا بتدخينه السيجارة، أعزبًا يتمتع بحرية لا حدود لها؛ بينما تذهب العاهرة للمباحث من أجل إدراج اسمها على قوائم مديرية الأمن، وتقوم الشرطة بمراقبتها عن قرب، وإجبارها على الانتظام في الزيارات الطبية الدورية، وإلا يتم إرسالها لمستشفى «سان لازار» إذا كانت مصابة بأمراض تناسلية.

فبخلاف الحرية في الملبس وممارسة الجنس، كان مرد الدعارة في كثير من الحالات يعود للبؤس، فالقواد وربة بيت الدعارة يبقون الفتيات في نظام من الدَين المزمن؛ فكان أوجين سو الروائي المعروف بروايتتن متسلسلتين هما: «أسرار باريس»، و«اليهودي المتنقل»، قد كتب في «أسرار باريس» على لسان إحدى العاهرات عن عبوديتها ومديونيتها لمديرة بيت الدعارة: «حتى الملابس التي أرتديها، تخص هذه الغولة؛ بل أنا مدينة لها بطعامي، وبالصحن الذي آكل فيه. لا يمكنني مغادرة هذا المكان، ولو فعلت لأوقفتني كلصة. إنها تتملكني».

Embed from Getty Images

لوحة موجودة بمتحف اللوفر في باريس

في الواقع؛ يمكن تشبيه العمل بالدعارة في ذلك الوقت بالقمار، إذ يجب خسارة مبلغ من المال من أجل ربح المزيد، وفي «فسيولوجيا المومس» لموريس آلوي، جاءت صورة الدين المتسلسل في حياة العاهرة، فهي مجبرة على إشباع من معها، وبسرعة كبيرة يتدفق بين يديها نهر من ذهب، وتلتهم ألف فرانك في ليلة واحدة؛ ولكن الأموال التي تكسبها في ليلة لا تكفي لسداد ديونها، فهي مديونة حتى بما ترتديه، وبالنسبة لمجتمع برجوازي؛ فالموت وحده يمحي ديون العاهرة.

وكان الوضع الأسوأ؛ وضع فتيات دون موارد مالية اضطررن لدخول عالم الدعارة، وهي الحالة التي سجلها فيكتور هوجو في روايته «البؤساء»، عن فانتين، الفتاة التي تؤمن بحبيبها تولوميوس، وتحمل منه، لكنه يهجرها فجأة ويفضل عليها الاستقرار في بلده الريفي، ويختار زواج العقل فور الانتهاء من دراسته. كانت قصة هوجو واقعية تمامًا، وكان هناك الكثيرات مثل فانتين، إذ كان عدد كبير من الشباب الذين يفدون من الأقاليم لأداء الخدمة العسكرية أو التعليم، يقومون بإغواء الفتيات الغافلات، ويعدونهن بالزواج، ويصطحبونهن إلى باريس، حتى تنتهي رحلتهم ويتركونهم بلا مال في الشوارع الباريسية.

استمر وضع مارتا وفانتين وسارة حتى سجلت رواية «نانا» لإيميل زولا، في المشهد الأخير، استعداد فرنسا للدخول في حرب ضروس ضد ألمانيا، فعندما ماتت العاهرة نانا في غرفة الفندق، انطلق الغوغاء يلوحون بالمشاعل ويصرخون: «إلى برلين.. إلى برلين»، معلنين عن بداية حرب استمرت طيلة عام، أسقطت فرنسا في الفساد وتم احتلال أجزاء كبيرة من أراضيها، وكانت نانا في الرواية هي السبب، والذنب ذنبها لأنها عاهرة، فهي مرض منتشر في الشوارع يضاجع كل من يقابله، حتى لفظ المجتمع المحتضر العاهرات ولفظنه.

تعرف إلى «ممثل البورنو» الذي اعتبره أصحابه نبيًا

 

المصادر

تحميل المزيد