«يحمل دونالد ترامب أفكارًا غير أخلاقية، لا تتعارض فقط مع قيمنا كجمهوريين، وإنما كأمريكيين، والخطاب الذي يعبر عنه، من القذف العنصري إلى تعليقاته الكارهة للنساء، لا يتفق مع مبادئنا المحافظة، وسخريته المتكررة من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأسرى الحرب وعائلات النجمة الذهبية (ضحايا حرب العراق)، ليست سياسة سيئة فقط، وإنما قاسية على نحو سخيف. وفي حال فوزه، فإن برنامج ترامب يمثل تهديدًا لأمننا في الداخل والخارج.

على الصعيد الداخلي، فإن سياساته التجارية الحِمائية،  وتشجيعه للتقييد الصارم للهجرة، سوف يساهمان في تضخيم عجز الميزانية الفيدرالية، ورفع الأسعار، وبالتالي إلقاء اقتصادنا مرة أخرى إلى هوة الركود. أما على صعيد سياسته الخارجية، الغارقة في الانعزالية، فهي تتعارض مع مبادئنا أيضًا، وتهكمه على قيادة الولايات المتحدة للعالم، ودعوته للانسحاب من حلف شمال الأطلسي، وتشجيعه للانتشار النووي، كلها تبين أن سياسته الخارجية سوف تعيث فسادًا في النظام العالمي، النظام الذي نجح في كبح جماح قوى عدوانية منذ الحرب العالمية الثانية».

للوهلة الأولى، تبدو كلمات افتتاحية هذا التقرير شديدة التقليدية، حتى ولو كانت صادرة عن جمهوريين، اقتباسٌ يتحدث عن ترامب، ولماذا لا ينبغي أن ينتخبه الأمريكيون، حسنًا، ومن لم يتحدث عن ذلك في العام المنصرم وحتى الآن؟ بالإضافة إلى أن نصف العالم، وأكثر من نصف الولايات المتحدة، جمهوريين قبل الديمقراطيين، يتفق على جنون ترامب على ما يبدو، ونزقه وميله لسياسات متطرفة وعدوانية، وبالرغم من أننا فصلنا هذا الأمر في تقرير سابق، وحاولنا إجابة سؤال هام هو: هل يجلب ترامب نهاية العالم؟ إلا أن هذه الافتتاحية تستمد أهميتها من شيء آخر شديد الاختلاف.

الحمار الديمقراطي والفيل الجمهوري «رمزا الحزبين»

منذ عام 1988، وعلى مدار 128 عامًا، لم يتخلف نادي جامعة هارفارد الجمهوري عن تأييد المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية أبدًا، بصفته التنظيم الجمهوري الجامعي الأقدم في الولايات المتحدة، وتبعًا لتاريخه الطويل، حيث يعطي ما يشبه صك مباركة، مهمًّا وفعالًا، لحامل لواء الحزب الجمهوري.

هذه المرة، فعل ترامب المستحيل، ونجح في جعل مجلس إدارة النادي، نيابة عن أعضائه، يصدر بيانًا إعلاميًّا شديد اللهجة، اقتبسنا منه فقرتي الافتتاحية أعلاه، المترجمتين نصًّا، يعلن فيه النادي عدم تأييده لمرشح الحزب لأول مرة تاريخيًّا، ويهاجم فيه دونالد ترامب بشكلٍ مباشر، وبأقصى وأقسى قدر ممكن من الكلمات، في خطوة مثلت دلالة كبيرة على مدى الانقسام الجمهوري في البلاد، أو ما يمكننا أن نطلق عليه «لعنة ترامب».

وعلى الرغم من توقع الكثيرين لنهاية مشوار ترامب على يد هيلاري كلينتون، فإن سؤالًا مهمًّا، غير متعلق بالمنافسة بشكل مباشر، يبرز على الساحة، ويبدو لنا من الأهمية بمكان لتهيئة مساحة خاصة له، ومحاولة الإجابة عليه فيما يلي بشكل تفصيلي: كيف تقزّم الفيل الجمهوري سياسيًّا بهذه الصورة «الرديئة»، من لينكولن مرورًا ببوش ووصولًا لترامب، حتى وصل به الحال إلى ما نحن عليه؟

الفيل الجمهوري

حتى عام 1854، لم تعرف الولايات المتحدة كيانًا يدعى الحزب الجمهوري، وإنما عرفت ثلاثة أحزاب أخرى، الحزب الديمقراطي، أقدم حزب سياسي حديث في العالم، والحزب اليميني، وحزب الأرض الحرة، ثلاثة أحزاب تحكمت في مسار السياسة الأمريكية على مدار عقود القرن التاسع عشر الأولى، ثم أضحى الأمر في النصف الثاني محصورًا بين الحزب الديمقراطي، والحزب الجمهوري الناشئ حديثًا.

خرج الحزب الجمهوري للنور، بشعار الفيل، في عام 1854، في الولايات الأمريكية الشمالية، حيث الحركات المناهضة للعبودية، أسسه نشطاء مكافحة العبودية، ومؤيدو التحديث، وأعضاء سابقون في حزبي اليمين والأرض الحرة، قائمًا على مبادئ شديدة المحافظة، آتية رأسًا من رحم الثورة الأمريكية ونتائجها وقيمها التاريخية، حديثة التأثير في حينه.

من المثير للاهتمام معرفة بعض مبادئ الحزب الجمهوري في حينه، وربما لو أخذنا بالصورة الحالية لرأينا أن الحزب الجمهوري سيؤيد كل ما هو متطرف، بينما يسير الديمقراطي في الاتجاه المعاكس، والحقيقة أن الأمر كان مختلفًا كثيرًا حينها، حيث اكتسب الحزب الجمهوري شعبيته من مناهضة العبودية، ومعارضة قانون «كانساس – نبراسكا»، ومهاجمة توسع وانتشار العبودية بشتى الطرق، رائين في العبودية خطرًا داهمًا على الدولة الأمريكية الوليدة.

أطفال عبيد، أحد حقول الولايات المتحدة

بعد عقد الاجتماع الأول، أو المؤتمر العام الجمهوري الأول، في يوليو (تموز) لعام 1854، تسيد الحزب الجمهوري ولايات الشمال بالكامل، وصولًا إلى التحكم التام في الكونجرس، عن طريق اكتساب الأغلبية، ثم انتخاب أول رئيس جمهوري، أبراهام لينكولن، الأب الروحي للكثير من الأمريكيين، والرئيس الـ16 للولايات المتحدة، والذي يعتبره الكثيرون محليًّا أهم رئيس أمريكي تولى المنصب منذ نشأته وحتى الآن، بسبب قيادته للولايات المتحدة في ظل أعنف أزمة سياسية أهلية مرت بها في تاريخها الحديث: الحرب الأهلية، 1861: 1865، وهي نفس سنوات حكم لينكولن حتى اغتياله.

حكم لينكولن

في البداية كانت للحزب الجمهوري مبادئ شديدة الصرامة، وحضارية بالشكل الكافي لإكسابه كل هذه الهيمنة على الولايات الشمالية. موقفٌ بالغ الوضوح ضد العبودية بكل أشكالها، ورفع راية حق المساواة المكفول لكل الأمريكيين، المبدأ الرئيس الذي ارتكن عليه لينكولن، وتمديد النظام الفيدرالي الأمريكي وتوسيعه ليشمل الولايات المتحدة بالكامل، وتحديث الاقتصاد بما يتناسب مع الطموحات الأمريكية، أهداف عمل عليها لينكولن كأول رئيس جمهوري، ومن ورائه الحزب بالكامل.

مثلت هذه المبادئ معنى «الجمهورية»، فلسفة الولايات المتحدة السياسية الأولى، وقلبها الصلب، والمعتمدة بشكل تام على تأكيد الحريات، ورفض الأنظمة الملكية مقابل إعلاء السلطة الفردية، وإعطاء السيادة التامة للشعب، وذم الفساد. الجمهورية التقليدية التي قامت عليها أمريكا، عن طريق الآباء المؤسسين الـ56، الموقعين على إعلان الاستقلال الشهير في القرن الـ18.

إعادة انتخاب أبراهام لينكولن في عام 1864

مثّل لينكولن بدايةً شديدة الإشراق لنمط الحزب الجمهوري، وبالرغم من أنه لم يرضِ الجميع تقريبًا، إلا أنه بقي على مسافة متساوية منهم أيضًا، وحملت تلك الحقبة اسمه لعدم انصياعه الكامل لنزوات الجنوب الأمريكي، المؤيد للعبودية، ومن ثم إنهاء الحرب الأهلية بالقوة، وإنهاء الرق أيضًا، وتحرير جميع العبيد.

يمكن اختصار قيم الحزب الجمهوري عند نشأته، في شعاره الشهير: «عمل حر، أرض حرة، رجال أحرار»، شعار ذاع صيته في خمسينيات القرن التاسع عشر، بدايات التأسيس، وطبقه لينكولن بجدارة على الأرض، ليساهم في شعبية الحزب العالية، وفيما يشبه الاحتكار الجمهوري لمنصب الرئاسة الأمريكية، ويمكن رؤية ذلك من خلال استعراض الرؤساء في الفترة من عام 1865، ما بعد اغتيال لينكولن، وحتى عام 1933، حيث تولى رئاسة الولايات المتحدة 15 رئيسًا في هذه الفترة، منهم 11 رئيسًا جمهوريًّا، وثلاثة فقط ديمقراطيين، ويمكننا إسقاط أندرو جونسون، الذي تولى الرئاسة بعد اغتيال أبراهام، كونه نائب لينكولن، و لم يأتِ بانتخابات مباشرة.

القرن العشرون

حتى بدايات القرن العشرين، وتحديدًا ما قبل الكساد العظيم، كانت الأمور مستقرة بالنسبة للحزب الجمهوري، الذي رفع يده من الجنوب وقضايا ذوي البشرة الملونة، منذ سبعينيات القرن التاسع عشر، وتوجه إلى تحرير الأعمال، واقتصاديات السوق؛ مما أكسبه لقب «حزب الشركات الكبرى»، عطفًا على أن عددًا كبيرًا من أثرياء الولايات المتحدة حينها كانوا جمهوريين، مما أكسب الحزب زخمًا وثقلًا في الاقتصاد المحلي، والدولي الوليد حينها.

تغيرت الأمور وتحولت للدفة الأخرى في عام الكساد العظيم، 1929، حيث ضرب الأزمة الاقتصادية العالمية الأولى والأكبر الولايات المتحدة من أقصاها لأقصاها، والتي كان من أعمدة حدوثها الرئيسة مضاربات رجال الأعمال، وفي القلب منهم الجمهوريين؛ مما أدى إلى انتهاز الديمقراطيين للفرصة، واستعادتهم لقيادة دفة واشنطن والكابيتول مرة أخرى.

الرئيس الأمريكي فرانكلين دي روزفلت أثناء توقيع الأمر الرئاسي التنفيذي بإنشاء سلطة وادي تينيسي TVA، عام 1933

تولى الديمقراطي، فرانكلين دي روزفلت، رئاسة الولايات المتحدة في فترة عصيبة، وساعد الحزب الديمقراطي وخبراءه في صياغة ما عرفه العالم بـ«الاتفاق الجديد»، مجموعة من الحزم الإصلاحية والبرامج الاقتصادية، المعدة خصيصًا للخروج من فترة الكساد الكبرى، وطبقت ما بين عامي 1933 و1938، على ثلاث مراحل متوازية: الأولى هي خفض معدلات البطالة، ورعاية أكبر قدر ممن تضرروا أو فقدوا وظائفهم وممتلكاتهم من الأمريكيين، والثانية هي إعادة رفع الاقتصاد لمستواه الطبيعي، ما قبل الأزمة، ثم الثالثة وهي إعادة تشكيل النظام المصرفي بالكامل، لضمان عدم حدوث الكساد مرة أخرى، خاصةً مع الغضب الشعبي، غير الصحيح بالكلية، الذي وجه تجاه أثرياء اليهود المصرفيين ومضارباتهم المتسببة، بحسب الوعي الجمعي الأمريكي حينها، في الأزمة.

مع نشوء الاتفاق الجديد سار معه على قدم الموازاة ما عرفناه بـ«تحالفات الاتفاق»، حيث تكتلت مجموعات ولوبيات الأعمال والمصالح الاقتصادية والسياسية وراء إجراءات روزفلت، وبالتالي الحزب الديمقراطي، متسببة في جعله حزب الأغلبية، وفي هيمنة ديمقراطية تامة على الحياة السياسية الأمريكية، منذ عام 1933 وحتى أواخر العقد الستيني من القرن العشرين وتحديدًا تولي نيكسون الرئاسة، وكانت تلك الفترة الأسوأ شعبيًّا وسياسيًّا للحزب الجمهوري بلا جدال، والتي لم يقطعها إلا فترتا دوايت أيزنهاور، كرئيس جمهوري وحيد في الأربعة عقود، منذ 1953 إلى 1961، سنوات لم تؤثر في الحزب الديمقراطي ليظل حزب أغلبية فيها أيضًا.

استمد الجمهوريون من تلك الفترة مبدأ أساسيًّا آخر، حيث ارتكز «الاتفاق الجديد» على توسيع صلاحيات الحكومة الفيدرالية، الأمر الذي عارضه الجمهوريون بشدة، مفضلين أسواقًا حرة، بسيطرة حكومية أقل، وتعزيز للفردانية الأمريكية بشتى الطرق، مبدأ ما زال الجمهوريون يدافعون عنه حتى اللحظة، أو ما نعرفه عنهم باسم «ضد الحوكمة الفيدرالية».

النصف الثاني من القرن: الديمقراطيون يميلون إلى «الفيل» كثيرًا!

 

 

من أهم النقاط الزمنية لتحول الكتل التصويتية الأمريكية، الفترة ما بين خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث عادت قضية حقوق ذوي البشرة الملونة «السود» إلى الواجهة مرة أخرى، بعد عقود من الانزواء، ولكن هذه المرة بروح جديدة.

في الماضي، عرفت الولايات المتحدة هيستيريا الديمقراطيين البيض ضد «السود»، في الجنوب تحديدًا، مقابل كراهية عميقة متجذرة من الطرف الآخر، وميل تقليدي منه للجمهوريين بطبيعة الحال، إلا أن كل ذلك تغير مع حركات حقوق الأقليات في العقدين المذكورين سابقًا، إلى أن وقع الرئيس الأمريكي الديمقراطي ليندون جونسون قانون الحقوق المدنية، قانون مثّل انتصارًا حكوميًّا لحركات الأقليات، إلا أنه حمل صورةً مختلفةً تمامًا.

بعد توقيع القانون، الذي عارضه المرشح الجمهوري حينها، باري جولد ووتر، تغيرت الدفة، فأيد «السود»، شديدو الكراهية للديمقراطيين، الحزب الديمقراطي في حدثٍ لافتٍ، لأنه الآن يدافع عن مصالحهم، مقابل تحرك كتلة كبيرة من الديمقراطيين البيض في الجنوب، وتحولهم للحزب الجمهوري، حركة صفائح بشرية كبرى، ساهمت في تشكيل الكتل التصويتية في الولايات المتحدة جذريًّا؛ مما جعل الجنوب الذي كان ديمقراطيًّا جمهوريًّا، وجعل الشمال جمهوري النخاع ديمقراطيًّا في أغلبه!

من حروب بوش «المقدسة» إلى ترامب

لا يمكن لأي ناظر مدقق إلى شعبية الحزب الجمهوري الحالية، وصعود ترامب إلى الواجهة، ومرشحي الحزب عمومًا في العقد الأخير، وتحديدًا جون ماكين وميت رومني، أن يفهم ما حدث إلا بالرجوع إلى فترتي بوش الابن، ودراسة الأرض الأمريكية قبلهما في عهد بيل كلينتون، فالثاني الديمقراطي الهوية شهدت الولايات المتحدة في عهده استقرارًا كبيرًا، على الصعيد الاقتصادي والسياسي، فضلًا عن ثبات نسبي لم يتكرر كثيرًا للوضع الشرق أوسطي، أرض أصبحت أرضًا محروقة في عهد بوش.

فيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واتخاذ قرار غزو أفغانستان، بدا وكأن عهد «حزب الشركات الكبرى» عاد مرة أخرى، وإن بدا أن هذه المرة على حساب العالم بأكمله، وصعدت أسهم شركات النفط والسلاح للقمة، وما عرف حينها من مشاركة كبار الساسة الأمريكيين وصناع القرار فيها، وامتلاكهم لأسهم لا بأس بها، كجورج بوش نفسه وديك تشيني بالطبع، هذا التورط أدى فيما بعد، أو كان من الأسباب الرئيسة لقرار غزو العراق، وما تبعه من إشعال كامل للشرق الأوسط، أتون لهيب لم ينطفئ حتى هذه اللحظة.

من اليمين: دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأمريكي السابق إبان غزو العراق، والرئيس الأمريكي جورج بوش الابن. مصدر الصورة (www.flickr.com)

ولأن ميزانية الدفاع الأمريكية زادت كثيرًا، حتى وصلت ميزانية البنتاجون فيما بعد الغزو إلى 500 مليار دولار تقريبًا، ومع توغل أجهزة الاستخبارات، وإنشاء وزارة الأمن الداخلي بقرار مباشر من بوش بنفسه، بعد أحداث سبتمبر مباشرة، تم تحميل كل هذا الميراث من الخطايا إلى الجمهوريين وقيمهم المحافظة، وتسبب في فقدانهم الأغلبية للديمقراطيين في الكونجرس، في فترة بوش الثانية.

عبر بوش بمعجزة أمام جون كيري ليفوز بفترته الثانية، واستعمل فريق حملته بطاقة «الحرب على الإرهاب»، والتي كانت القضية الأساسية في جميع مناظرات سباق الرئاسة في 2004، إلا أن ارتفاع معدل الدين الداخلي للولايات المتحدة، والبطالة المتزايدة، والوضع الاقتصادي السيئ، كل ذلك مهد الطريق لفوز كاسح لمرشح الحزب الديمقراطي، متلقيًا أكبر نسبة تصويتية لمرشح ديمقراطي ضد جمهوري منذ ليندون جونسون، باختصار، لم تكن أمام ماكين، بناءً على ميراث بوش الجمهوري، والجمهوريين من ورائه أي فرصة.

تسلم باراك أوباما ولايات متحدة مهلهلة داخليًّا، وأزمة اقتصادية عالمية مرة ثانية، ومعدلات دين داخلي وبطالة عالية، في خلال فترته الأولى نجح بالفعل في خفض كل ذلك، وعلاج آثار الأزمة المالية بخطوات رئيسة؛ مما دفع الأمريكيين لانتخابه مرة أخرى، وأيضًا لم تكن هناك أمام ميت رومني أي فرصة للنجاح، بناءً على فارق التصويت على الرغم من انخفاضه عن انتخابات 2008، إلا أنه بقي مرتفعًا.

عالم ترامب

يتحدث بعض المتخصصين منذ فترة عن شقاق على مستوى القواعد التصويتية الجمهورية، في إطار نموذج تفسيري لصعود ترامب، وبدأ الأمر بعد تفوق باراك أوباما في حصد أصوات ذوي البشرة الملونة، سواء كانوا سودًا أو ذوي أصول لاتينية، حيث صوت له ما نسبته 71%، الأمر الذي أعطى جرس إنذار لقادة الجمهوريين مفاده، بحسب Vox: «من الممكن ألا يُنتخب رئيس أمريكي جمهوري مرة أخرى».

ولأن هذه الكتل ضخمة، ولا يمكن العبث معها أو بمصالحها بدون خسائر انتخابية كبيرة، وفي محاولة لفك جمود الموقف المتشدد للجمهوريين تجاه الهجرة، خرج اثنان من وجوه الحزب الجمهوري الرئيسة، ماركو روبيو وجون ماكين، باقتراح مشروع قانون لتوفيق أوضاع المهاجرين، ما رأته القواعد التصويتية الجمهورية البيضاء على أنه تنازل لغير الأمريكيين، وعفو عن إقامتهم غير القانونية.

دونالد ترامب

يعد ذلك السبب الرئيس لصعود ترامب، الذي ينادي بالقيم الجمهورية المحافظة المعادية للمهاجرين بشكل كامل، أو بالأحرى المنتصرة للقومية الأمريكية، إن جاز إطلاق المصطلح، ولذلك يستخدم ترامب شعار حملته «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» بنجاح تام، بين كتل الجمهوريين التصويتية البيضاء، إلا أن ذلك لا يعني رضا الطبقات العليا للجمهوريين عنه، بل بالعكس، يبدو ترامب المرشح الأقل حصولًا على زخم أرستقراطيي الحزب الجمهوري، وأصحاب النفوذ فيه.

لا يبدو على ترامب الاهتمام بهذا الزخم كثيرًا، وهو ما اتضح في حصوله على تأييد الحزب، وقواعد التصويت الأساسية، ليصبح المرشح الوحيد رسميًّا، إلا أن أغلب استطلاعات الرأي ما زالت تعطي هيلاري كلينتون فارقًا مريحًا للفوز بمنصب الرئاسة، وهو ما يعكس مشكلة الفيل الجمهوري على مستوى الولايات المتحدة.

خلال الـ15 عامًا الأخيرة، لم يصل تأييد الحزب الجمهوري بين الأمريكيين إلى نسبة 50% على الإطلاق، وتتناقص شعبيته باستمرار منذ عام 1992، والأهم أنه ومنذ عام 2009، وحسب دراسة دقيقة وموسعة لمركز بيو البحثي، فإن شعبية الفيل الأحمر تهبط بحدة منذ عام 2009، حيث كان مفضلًا لما نسبته 40% من الأمريكيين، وصولًا إلى 33% فقط في عامنا الحالي.

يبدو الحزب الجمهوري في انحدار مستمر، وتقزم لصالح نسبة ثابتة تقريبًا للديمقراطيين، مقابل زيادة شريحة المستقلين، ومع ترشح ترامب، وما حمله للحزب من تشققات أكبر وأكثر علانية، فضلًا عن عدم ارتفاع نسبة نجاحه في الفوز بالرئاسة، مقارنة مع فرص هيلاري كلينتون، فإن حجم الفيل آخذٌ في التقزم، وربما إن استمر الحال على ما هو عليه في قادم السنوات، لن نجد الحزب الجمهوري بنفس الكيفية، مقابل ظهور محتمل لحزب ثالث ربما يأخذ مكانه كأحد الحزبين الرئيسيين فيما ما وراء الأطلسي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد