هذا المقال هو عرض وتلخيص لدراسة نشرها معهد كارنيجي للسلام تحت عنوان “إمساك نظام الأسد بالدولة السورية” للباحث خضر خضور، والتي جاءت في زهاء 7000 كلمة.

 

أكثر من أربع سنوات مضت منذ اندلاع الثورة السورية في مدينة درعا في 26 فبراير شباط من العام 2011، حيث قام الأمن (حسب رواية ناشطين معارضين) باعتقال خمسة عشر طفلًا إثر كتابتهم شعارات تنادي بالحرية وتطالب بإسقاط النظام على جدار مدرستهم، ولم تمض سوى بضعة أشهر حتى اضطر المتظاهرون إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم ضد القمع المبالغ فيه الذي مارسه بحقهم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وسرعان ما تحول المشهد السوري إلى حرب أهلية تداخلت فيها عوامل القبلية والطائفية والعرقية والحروب بالوكالة بين القوى الساعية للهيمنة الإقليمية.

وعلى الرغم من تكهن عدد من الخبراء والمحللين بأن نظام بشار الأسد آخذ في السقوط خلال نهاية عام 2014، إلا أنه وحتى الآن لا يزال نظام الأسد باقيًا ويقاتل من أجل البقاء والنفوذ رغم فقدانه السيطرة على أكثر من نصف مساحة سوريا من الأراضي لصالح فصائل متعددة الأطراف، وهو ما ناقشته ورقة بحثية للباحث الزائر بمعهد كارنيجي خضر خضور، والذي يرجع ذلك إلى أسباب عدة في مقدمتها قدرته على الادّعاء بأن الدولة السورية هي مزود لا غنى عنه للخدمات بالنسبة للسوريين حتى أولئك القاطنين خارج إطار سيطرة النظام، وقد ساعد ظهور تنظيم الدولة الإسلامية كمنافس وحيد لتقديم الخدمات مع النظام السوري في تعزيز هذه الصورة خارجيًّا وداخليًّا.

كيف ساعد احتكار الخدمات نظام الأسد في رحلته للبقاء؟

(1) وفقًا للدراسة، فإن السوريين طالما اعتمدوا على النظام من أجل توفير الخدمات والسلع الرئيسية وحتى الوظائف، واستمر الأمر حتى بعد اندلاع الحرب، وقد تعمد النظام تسليط الضوء على عجز المعارضة السورية المعتدلة عن القيام بمثل هذا الدور، وصارت مراكز الخدمات في مناطق نفوذ المعارضة أهدافًا رئيسية لقصف النظام، بخاصة المعارضة المدنية التي سعت لإقامة بدائل مؤسسية لهيئات الدولة.

(2) ركز النظام السوري على إبقاء الإدارات التابعة له قيد العمل، كانت الدولة السورية، ولا تزال، الموفّر الأكبر للوظائف في البلاد، فيما تُعتبَر الإدارات الرسمية هي المُزوِّد الرئيس لسلع أساسية مثل الخبز، والوقود المدعوم، والرعاية الصحية، والتعليم، إضافة إلى خدمات إصدار الوثائق والأوراق الرسمية للبيع والملكية والسفر، وقد حول نظام الأسد هذه المراكز إلى مركز سلطة يمكن الدفاع عنها عبر وحداته العسكرية.

(3) مع ظهور وتعزز نفوذ تنظيم الدولة الإسلامية، عمد النظام إلى تصدير ثنائية (إما نحن أو تنظيم الدولة)، وتكريس صورته بوصفه حاميًا لبقاء الدولة السورية، وهو ما يجعل أي حل سياسي للأزمة السورية مستحيلًا لأن ذلك يعني أن الإطاحة بالأسد تعني فراغًا يملأه تنظيم الدولة بشكل تلقائي.

(4) منذ استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري عام 1970، عمد الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد إلى ضمان تغلغل لنظام ضمن مؤسسات الدولة البيرقراطية والسيطرة عليها، من خلال شبكات المحسوبيات والقرابة، وخلال 40 عامًا من حكم البعث تمت إزالة الفوارق بين التولية العائلية والدينية والعرقية للنظام، وبين جهاز الدولة السورية.

كيف عزز النظام سيطرته بعد اندلاع الحرب في عام 2011؟

«يمكن القول إن النظام يفرض دعمًا على العديد من السوريين إجباريًّا له، من خلال الإمساك بالدولة السورية كرهينة».

(1) عمد النظام إلى مركزة الوظائف الأساسية والخدمات في المراكز الحضرية الكبرى التي يسطر عليها؛ مما أدى إلى تزايد معدلات النزوح السكاني إليها، مما عزز سردية النظام حول سعيه إلى صون الدولة، إضافة إلى ذلك أبقى النظام سكان الأراضي الخاضعة لسيطرة المعارضة معتمدين عليه في الخدمات إذا ما أرادوا الحصول عليها، فعلى سبيل المثال كان يتعين على الأشخاص القاطنين في ضواحي درعا (الخاضعة لسيطرة المعارضة) أن يذهبوا إلى مركز المدينة (الخاضع لسيطرة النظام) لأجل قضاء أوراقهم الرسمية.

بلغ اعتماد السوريين على جهاز الدولة حدًّا كبيرًا لدرجة أن حاملي جوازات السفر السورية في لبنان المجاور وتركيا، وحتى أوروبا أو الولايات المتحدة، كانوا مجبرين على الاستعانة بشبكة داخل مدن يسيطر عليها النظام من أجل الحصول على وثائق رسمية، وكانوا يدفعون مبالغ طائلة (2000 دولار مقابل تجديد جواز السفر) على هيئة رشى يتقاسمها موظفو الدولة المخوّلون لإصدار جوازات السفر الرسمية.

(2) قام النظام بوضع هذه الهياكل الإدارية والخدمية تحت سيطرة أجهزة المخابرات التي يشرف عليها، التي تشمل الاستخبارات العسكرية، وأمن الدولة، واستخبارات سلاح الجو، والأمن السياسي، على أن يخضع السوريون الذين يقصدون هذه المقار إلى حالة فحص أمني دقيق.

(3) عمل النظام على عسكرة المدن السورية التي تتركز فيها المجمعات الإدارية، من خلال إقامة قواعد عسكرية، ففي عام 2012 حول النظام إستاد رياضي في درعا إلى قاعدة عسكرية لانطلاق الطائرات وحدث الأمر نفسه مع عدد من المخيمات منها مخيم في إدلب، كما أنشا النظام ميليشيات شعبية نظامية في هذه المدن.

ووفقًا للدراسة، فقد ساهم التمركز المرتفع للمدنيين في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في شل يد المعارضة في الحرب عليها، كمثال لذلك ما حدث في  عام 2014 من قيام المعارضة بقصف حي المحطة في درعا، مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين  كانوا لجأوا سابقًا إلى هذا الحي، ما عنى أن الهجوم أدّى عمليًّا إلى زيادة الدعم الشعبي للنظام في أوساط داعمين أصليين للمعارضة.


(4) حتى داخل المدن التي تم اقتسام السيطرة عليها بين المعارضة والنظام، قام النظام بنقل المرافق والخدمات من الأحياء الواقعة تحت سيطرة النظام إلى الأحياء الخاضعة لسيطرته، كما حدث في مدينة دير الزور، حيث كان حي دوار التموين المركزي يضمّ معظم مؤسسات الدولة، وكانت الطبقة الوسطى تقيم بشكلٍ أساسي في حي الحويقة. وبين منتصف عام 2012 ومطلع عام 2013 ، وقع هذان الحيّان تحت سيطرة المتمرّدين، حيث نقل النظام المكاتب الإدارية إلى حي الجورة ، وتم تغيير التركيبة الديموغرافية للمنطقة.

حتى عندما سيطرت الدولة الإسلامية على المحافظة، فإن ذلك لم يمنع النظام من التشبث بحي الجوزة الذي لا يزال يقدم الخدمات للمواطنين رغم المعارك الدائرة، وفقًا للباحث.

كيف يستهدف النظام المعارضة الأكثر اعتدالًا؟

تتشكل المعارضة السورية “المعتدلة” من فصائل متباينة ومتفاوتة في الاستقلالية، يرتبط أغلبها بالجيش السوري الحر، هذا التعدد، وفقًا للباحث، يجعل مفهوم هذه المعارضة مرتبكًا، ولكنها لم تزل تمثل التهديد الأكبر لحكم الأسد، لأنها ببساطة البديل المباشر لحكمه، وهو ما يفسر، وفقًا للورقة، أن الحملات الأكثر شراسة يتم توجيهها إلى هذا النوع من المعارضة، وهي الحملات التي تبقى هذه المعارضة منقسمة دومًا وغير قادرة على تطوير أشكال تقديم الخدمات في الأماكن الواقعة تحت سيطرتها.

 

وبالإشارة إلى تجربة حلب، حيث تتركز الأحياء الأكثر ثراء في المدينة الأكبر من حيث عدد السكان في سوريا غربي المدينة، وحين سيطرت المعارضة على المدينة (شرقها على وجه التحديد) نزح معظم السكان الأثرياء عنها، لكن المعارضة نجحت بفضل الدعم في هذا التوقيت في تأسيس منطقة مزدهرة بحيث أصبح الحلبيّون المقيمون في الجزء الواقع تحت سيطرة النظام يزورونها لشراء المواد الغذائية وسائر اللوازم.

أسست المعارضة هياكل بسيطة للحكم ونجحت في توفير الخدمات من المياه والكهرباء، وأسست مجموعات لتأمين وصول المواد الغذائية والطبية، وصارت المنطقة من المناطق المرغوبة في العيش رغم استمرار الاشتباكات الدائرة حولها، وفي مطلع عام 2013 بلغ عدد سكان شرق حلب مليونًا ونصف مليون.

ماذا فعل النظام إذًا؟ في النصف الثاني من عام 2013 تم استهداف المدينة بحملات قصف عنيفة ومتطورة، من خلال البراميل المتفجرة، النتيجة كانت تدمير البنى التحتية للخدمات ونزوح أكثر من 600 ألف شخص خلال 3 أشهر،  وسارعت المنظمات غير الحكومية والجهات المانحة الأجنبية إلى وقف المشاريع التنموية ومشاريع إعادة الإعمار خوفًا من تعريض فرق عملهم إلى الأذى، إضافة إلى ذلك قام النظام بإغلاق المعبر الفاصل بين شرق المدينة وغربها حتى يصعب مهمة التنقل من خلال المرور حول حواجز أمنية متعددة تم تمدير الإدارة المحلية للمعارضة وتم قطع الخدمات عن السكان.

دوما، التي تقع على بعد 10 كيلومترات من دمشق، في منطقة الغوطة الشرقية، كانت نموذجًا آخر، حيث أنشأ وجهاء دوما وموظّفو الخدمة المدنية الذين انشقّوا عن النظام، مجلسًا محليًّا فعّالًا إلى حدٍّ ما لتوفير بعض الخدمات بشكلٍ مستقل عن النظام، وكونها لا تمتلك حدودًا مع أي دولة مجاورة فقد كانت دوما مضطرة إلى تصريف شؤونها بنفسها، بعكس المعارضة في شمال سوريا التي اعتمدت على الدعم الخارجي التركي بشكل كبير.

فرض النظام حصارًا مشددًا على دوما استنزف قدرتها على تطوير نفسها كمركز للخدمات، منذ الأيام الأولى للانتفاضة السورية في عام 2011، وضع الرئيس بشار الأسد ضمن أولوياته الحفاظ على سير عمل مؤسسات الدولة، ما سمح له بالادّعاء أن النظام لا غنى عنه لتوفير الخدمات الأساسية. إن وضع حدٍّ لاحتكار النظام لهذه الخدمات العامة والسماح للمعارضة المعتدلة بأن تصبح مصدرًا بديلًا لتوفير الخدمات، من شأنه أن يُضعِف النظام، وأن يمنع تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي المتطرّف من ملء فراغ السلطة في البلاد.

كيف استفاد النظام من ظهور تنظيم الدولة الإسلامية؟

تعتبر المجموعة الوحيدة التي سمح لها أو استطاعت إنشاء هياكل مستقرة للخدمات هي تنظيم الدولة الإسلامية، حيث استغل النظام ظهورها في تقويض سائر فصائل المعارضة وتعزيز صورته كضامن أوحد للدولة السورية.

حصل التنظيم الذي ظهر للساحة بقوة عام 2013 على معظم الأراضي التي سيطر عليها من قوات المعارضة وليس من النظام الذي لم يتدخل بشكل بارز ضد التنظيم، وسارع التنظيم منذ اللحظة الأولى من استيلائه على الرقة إلى إنشاء البدائل الإدارية الخاصة به، من إقامة المحاكم والقوانين والهيئات الخدمية.

وفقًا للباحث، فإنه ليس هناك دليل أن النظام كان يخطط لترك تنظيم الدولة الإسلامية لتنفيذ خطته التوسعية، لم يُخضِع الرقة البتة إلى الوتيرة نفسها من الغارات الجوية التي محقت المناطق التي يسيطر عليها باقي الفصائل.

ما الذي يمكن فعله لمنع نظام الأسد من إحكام قبضته بشكل أكبر؟

 

يخلص الباحث إلى أنه ينبغي تمكين كيان ما من إدارة الدولة السورية كخطة أولى لأجل تسهيل الإطاحة بالأسد، عبر دعم ذلك في المناطق التي تخضع للسيطرة العسكرية لقوات المعارضة، وتسجعيها على القيام بهذه الوظائف، ثم حماية المؤسسات الناشئة، وتعزيز القدرة على إدارتها.

(1) تمكين سلطة بديلة:  ينصح الباحث الداعمين للمعارضة (تركيا السعودية وقطر) أن يلجؤوا إلى إستراتيجية تتجاوز تقديم المساعدات العسكرية إلى دعم عملية الانتقال وهيكلة الفصائل في كيان موحد، ثم مساعدتها في تشكيل مؤسسات الدولة في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها.

(2) حماية المؤسسات البديلة:  منح هذه المناطق درجة من الحماية ضد قصف الأسلحة الجوية للنظام، عبر توفير الغطاء الجوي للمناطق تحت سيطرة المعارضة.

 


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد