شكلت السيطرة على قاعدة الوطية في ليبيا صباح يوم 18 مايو (أيار) هزيمةً ثقيلةً لقوات الجنرال حفتر في الغرب؛ إذ تعد قاعدة الوطية من آخر معاقل حفتر الاستراتيجية في الغرب؛ والتي تنطلق منها الطائرات المسيرة الصينية؛ التي يجلبها من الإمارات لقصف تمركزات قوات الوفاق؛ فقد كثَّفت الإمارات من دعمها لقوات حفتر في الفترة الأخيرة، وآخرها جلب منظومات الدفاع الجوي في محاولة لمدِّ طوق النجاة لقوات حفتر بعد خسارة قوات حليفهم في مدن الساحل الليبي، وبعض مدن الجنوب. هل تخلت الإمارات عن حفتر أو خففت دعمها أم أنه يخسر رغم تكثيف دعمها؟ 

ما موقف الإمارات الحقيقي في ليبيا؟ 

منذ بداية عمليات حفتر في شرق البلاد ضد ما سماه «الإرهاب» آنذاك، وقفت الإمارات في صف حفتر، ولم تتوانَ عن دعمه ماديًّا وعسكريًّا، وحتى على الصعيد الدولي؛ فالشأن الليبي يشهد صراعًا بين محور (قطر- تركيا) في مواجهة محور (الإمارات-مصر)؛ فتركيا شريكٌ لحكومة الوفاق؛ وفقًا لاتفاقيةٍ بين الحكومتين وقطر؛ تقول إنها تعترف بحكومة الوفاق الوطنية؛ والتي سبق وأن رفضت تجميد حفتر للاتفاق السياسي. 

عربي

منذ 5 شهور
هزائم متكررة لحفتر.. هل يتكرر سيناريو الوطية في مدينة ترهونة؟

وبحكم الاتفاقية التي أبرمتها حكومة الوفاق مع تركيا في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي، أصبحت تركيا رسميًّا داعمةً لحكومة الوفاق؛ على عكس دولة الإمارات؛ التي رغم ظهور أسلحتها في ليبيا تقول إنها لا تقف مع طرفٍ ضد طرفٍ، وفي الوقت نفسه تُثمِّن محاربة الجنرال حفتر لما تدعوه بـ«الإرهاب»، وتدعو إلى العودة إلى الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات. 

على جانبٍ آخر،  تقف مصر ودولة فرنسا مع حفتر معارضين للتدخل التركي في ليبيا، ومطالبين بالوقوف ضده؛ إلا أنه سبق لفرنسا التدخل في الشأن الليبي؛ ففي نهاية يونيو (حزيران) عام 2019م؛ عُثر على أسلحة فرنسية في معسكر تابع لقوات حفتر في مدينة غريان بعد سيطرة قوات الوفاق عليها، إلا أن فرنسا أكدت أن الأسلحة لم تكن في أيادٍ ليبية، ولكن لقواتٍ فرنسية تحارب ما دعته بـ«الإرهاب».

وبحسب تقرير لـ«بي بي سي»، ذكرت فيه أن تقارير إعلامية اتهمت الإمارات بالضغط على حفتر للانسحاب من مفاوضات وقف إطلاق النار؛ التي أقيمت في العاصمة الروسية موسكو في شهر يناير (كانون الثانيوبذلك منحت لحفتر القوة للانسحاب من الاتفاق واستئناف عملياته، التي ابتدأت في شهر أبريل (نيسان) من عام 2019.
يقول أحمد الفلاق أستاذ العلوم السياسية في جامعة مصراتة  لـ«ساسة بوست» إن «الإمارات لم يبدأ دورها في ليبيا اليوم؛ أي بعد تحرير مدن الساحل، بل بدأ هذا الدور منذ عام 2011م، ولم تكن الإمارات ضمن حلف الناتو، الذي كلف من قبل مجلس الأمن بحماية المدنيين، ولكن شاركت الإمارات مع حلف الناتو في هذه العملية، وفي حقيقة الأمر من هنا بدأ دور الإمارات؛ وهو محاولة مد نفوذها في المنطقة العربية، ومحاولة أن يصبح للإمارات ثقلها السياسي؛ كما تحاول الحصول على مكاسب اقتصادية بالسيطرة  على بعض الموانئ أو الاستثمار في مجال النفط والغاز».

ويكمل: «ولكن سرعان ما تفاجأت الإمارات بوصول الإسلام السياسي في أغلب دول الربيع العربي؛ التي كانت من ضمنهن ليبيا؛ ولهذا تدعم أي مشروع يكون ضد الإسلام السياسي، والعامل الآخر الذي جعلها تتدخل بقوةٍ؛ هو دخول تركيا في المعادلة الليبية عن طريق الاتفاقية؛ التي وقعتها مع حكومة الوفاق؛ لهذا ترى الإمارات أن تركيا هي الدولة الحقيقية التي ترعى الإسلام السياسي بعد قطر؛ لهذا لا تريد لتركيا أي دور في ليبيا خوفًا من زيادة قوة الإسلام السياسي؛ ولهذا ازداد دورها عندما رأت أن حليفها في ليبيا يخسر هذه المناطق».

مصدر الصورة: نون بوست.

بين الدعوة إلى طاولة المفاوضات من جهةٍ، ودعم حفتر من جهةٍ 

دعت الإمارات في بيانٍ أصدرته يوم الخميس 30 أبريل من العام الجاري، إلى أن يلتزم الليبيون بالاتفاق السياسي؛ الذي تشرف عليها الأمم المتحدة، ودعت للالتزام بمسار برلين في إيجاد حلٍ للأزمة الليبية، كما بينت رفضها الخالص للدعم التركي المقدم لحكومة الوفاق؛ الذي تقول إنه يجهض جهود المجتمع الدولي للتوصل إلى حلٍّ سياسيٍّ شاملٍ؛ فجاء الرد التركي سريعًا، قائلًا بأن الأمارات تمارس السياسة المزدوجة وتعرقل جهود السلام في ليبيا، واليمن، وسوريا، وأفريقيا.

ونوهت وكالة رويترز في تقريرٍ لها بأن هذا البيان لم يعلق على كلمة حفتر المتلفزة؛ التي أسقط فيها الاتفاق السياسي يوم الاثنين 27 من شهر أبريل وبناءً على ما سبق، فإن البيان شكَّل تناقضًا بعدم ذكره لإسقاط حفتر الاتفاق السياسي، وفي الوقت نفسه تزكيته لما سماه انتصار «الجيش الليبي» في محاربته «للإرهابيين».

وفي سياقٍ متصلٍ، عقد وزير الداخلية في حكومة الوفاق باشا أغا مؤتمرًا يوم الأربعاء؛ الموافق العشرين من أبريل الشهر الفائت، وقال فيه بأن الإمارات تهدد الأمن القومي الليبي، وإن «الدعم الإماراتي مستمر لإحداث الفوضى في ليبيا، ويجب إنهاؤه؛ لأنه من الواضح أن (أبوظبي) لا تريد تغيير سياساتها في ليبيا». إلا أن الإمارات، ومصر اتهمتا تركيا بالتدخل في الشأن السياسي الليبي بجلب أسلحةٍ، ومرتزقةٍ من سوريا، كما أنهما أشادا بالجنرال الليبي خليفة حفتر في محاربة ما أسمته الإرهاب.

مرتزقةٌ ومعداتٌ عسكرية.. إمدادات الإمارات إلى حفتر

بعد تلقي قوات الجنرال حفتر ضرباتٍ موجعة في الغرب الليبي بفقدان مدن الساحل الليبي، ومدن في الجنوب الليبي، حاولت الإمارات جلب مرتزقة من السودان بحسب تقرير نشرته وكالة الأناضول، في محاولةٍ منها لإنقاذ حفتر من الانهيار الوشيك في الغرب الليبي؛ وبحسب المصدر نفسه؛ فإن نائبًا برلمانيًّا تابعًا للجنرال الليبي تحدث إلى صحيفة العربي الجديد، قائلًا؛ بأن زيارة الإمارات إلى السودان جاءت للضغط على القيادة السودانية؛ لإرسال مجندين من فرقة الدعم السريع إلى ليبيا، ويكمل المصدر بأن هذه الزيارة جاءت بعد عجز الإمارات ومصر عن إرسال قواتٍ إلى ليبيا.

وفي سياقٍ متصلٍ، نشر موقع «Libyan observer» يوم 17 من يونيو، تقريرًا ذكر أن لجنة تابعة للأمم المتحدة كشفت عن شراء الإمارات لستِ طائراتٍ هليكوبتر، وزورقين لمهاجمة السفن قبالة ليبيا في خطوةٍ لدعم خليفة حفتر في حربه المستمرة على طرابلس، ووفقًا لرسائل سرية من قِبل فريقٍ من الخبراء، في إطار لجنة العقوبات المفروضة على ليبيا التابعة لمجلس الأمن، أوضحت بأنه تم بيع ما لا يقل عن 18 مليون دولار من المعدات العسكرية؛ من خلال شركةٍ مقرها الأردن؛ أسستها فولكروم القابضة في الإمارات العربية المتحدة.

وأكمل بأن الشركة – التي تتخذ من الإمارات العربية المتحدة مقرًّا- اشترت ثلاث مروحيات هجومية من نوع «SA 341» فرنسية الصنع من دولة الغابون؛ لنشرها في ليبيا وقاربين من طراز «MRC1250» الذي يحمل 20 شخصًا وذلك عبر شركة «Sovereign Charterers»؛ ومقرها مالطا؛ ليستخدمها المرتزقة.

وهذا ما يتوافق مع تقريرٍ أصدرته وكالة بلومبرغ بداية شهر مايو؛ والتي أفادت بأن شركتي «لانكستر 6 دي إم سي سي»، و«أوبوس كابيتول أسيت ليمتد أف زيد إي»  ومقرهما دبي؛ أرسلتا 20 من المرتزقة الغربيين، وطائرات مسيرة، وطائرات هيلوكوبتر، ودعمًا لوجيستيًّا إلى ليبيا؛ لمساعدة قوات حفتر في الاستيلاء على العاصمة الليبية طرابلس، وقال المصدر إن الرسالة كشفت عن أنه ما بين 20-25 من المرتزقة؛ قد ذهبوا إلى بنغازي لاستلام المروحيات والقوارب، وجرى شراء ست مروحيات وقاربين بالفعل لشن غارات على السفن قبالة ليبيا، وسحبهم إلى الساحل.

بعد السيطرة على قاعدة الوطية.. ما الدور الذي تلعبه الإمارات الآن؟ 

ذكرت مجلة «فوربس» الأمريكية، أن منظومة «بانتسير-إس1» لم تأت من روسيا، بل أتت من دولة الإمارات، وهو ما يتوافق مع ما قاله المتحدث باسم قوات الوفاق العقيد محمد قنونو؛ بأنه بعدما تمكنت قوات الوفاق من السيطرة على قاعدة الوطية استحوذت قواتها على ذخائر، و مدرعات إماراتية، وآليات، وكذلك على منظومة الدفاع الجوي متوسطة المدى «بانتسير-إس1» المصنوعة في روسيا والتي جرى ضرب ثلاث منها حتى الأمس، ووصل العدد إلى تسع حتى الآن بحسب الوفاق، منبهًا على أن هذه المنظومات أتت بها الإمارات حديثًا إلى ليبيا، وأن الطائرات المسيرة التابعة للوفاق ضربتها؛ كما قال إن قواته تمكنت من إسقاط طائرة «وينق لونق» الصينية؛ والتي جرى جلبها من الإمارات. 

إلا أن فرج شيتاو، الناشط السياسي الليبي المحسوب على تيار الوفاق، قال لـ«ساسة بوست» إن قصف منظومة الدفاع الجوية الأولى والثانية؛ تم من سفينةٍ عسكريةٍ تركيةٍ، قبالة شواطئ صبراتة، وهذا ما أكده عدة نشطاءٍ سياسيين على موقع «فيسبوك»، وفي حديث أجراه مقاتلٌ في حكومة قوات الوفاق مع «ساسة بوست»، قال فيه إنهم لم يواجهوا أي مقاومةٍ من قبل القوات؛ التي كانت موجودةً في القاعدة؛ إذ إن قوات حفتر انسحبت باتجاه مدينة الزنتان، ومدينة جادو، ومدينة تيجي، وأنهم وجدوا تموينًا مصريًّا، وذخائر، ومدرعاتٍ وصواريخ كورنيت من «الجيل الثالث» مقدمة من دولة الإمارات لقوات الجنرال حفتر، بالإضافة إلى منظومة الدفاع الجوي «بانتسير-إس1» .

وهذا ما أكدته غرفة عملية بركان الغضب التابعة لقوات الوفاق؛ إذ إنها نشرت صورًا للذخائر والمدرعات الإماراتية، وكذلك منظومة «بانتسير-إس1» التي استحوذت عليها قوات الوفاق من قاعدة الوطية الجوية، كما نشرت فيديو يوضح لحظة استهداف المنظومة الثالثة صباح الاثنين؛ الموافق الثامن عشر من مايو قرب مدينة سرت الليبية. ويذكر أن سعر المنظومة الواحدة يتراوح بين 13-15 مليون دولار.

 الوفاق تهدد بمعاقبة الإمارات دوليًّا 

أعلن المتحدث باسم الخارجية الليبية، محمد القبلاوي، الاثنين الموافق الثامن عشر من مايو أن حكومة بلاده ستقدم أدلة على تورط الإمارات في سفك دماء الليبيين، وخرق القرارات الدولية، وأضاف بأن ليبيا سنتوجه إلى مجلس الأمن بأدلة على انتهاك دولٍ لقرار حظر صادرات السلاح إلى ليبيا، ‏وأردف: «ما عُثر عليه من أسلحة بقاعدة الوطية، سنتوجه به إلى مجلس الأمن كأدلة على انتهاك عدة دولٍ قرار حظر تصدير السلاح إلى ليبيا. جاءت هذه التصريحات بعد تحرير قاعدة الوطية، والعثور على أسلحة قدمتها الإمارات لقوات حفتر».

وأوضح أن «دبلوماسية الوفاق أسهمت في تراجع فرنسا عن دعم حفتر بعد العثور على صواريخ جافلين الأمريكية؛ أثناء تحرير غريان، وأن العمل على توثيق الأسلحة سيكون لصالح الدولة الليبية أمام مجلس الأمن، وسوف يحرج داعمي حفتر خاصةً الإمارات، ومصر، والأردن». كما أحاط مندوب ليبيا لدى الأمم المتحدة، الطاهر السني، عقب السيطرة على القاعدة لمجلس الأمن يوم الثلاثاء 19 من مايو؛ ما وُجد من أسلحة وعتاد بقاعدة الوطية؛ التي اعتبرها إثباتًا من جديدٍ على تورط دولٍ بعينها في قتل الليبيين، وأضاف القبلاوي: «إن قوات الوفاق دمرت واستحوذت على منظومات دفاع جوي بانتسير، ومدرعات تيغر وبانثر الإماراتية، ووجدت أطنانًا من الأسلحة الحديثة بالوطية».

وأردف بأنه لديهم «أدلة دامغة توثق تورط دولة الإمارات في إرسال الأسلحة إلى حفتر، ونطالب مجلس الامن بجلسةٍ خاصةٍ؛ لوضع حد لتدخلات الإمارات غير القانونية، ونطالب دول التصنيع والمنشأ للأسلحة المذكورة بتقديم شهادات المستخدم النهائي. الشهادات ستفسر كيفية وصول الأسلحة إلى الانقلابيين ومنتهكي القرارات الأممية».

ولهذا يقول أحمد الفلاق لـ«ساسة بوست» إنه «يتوقع انتهاء دور الإمارات في ليبيا في أي وقت من هذا العام؛ فنحن نشاهد هذه الأيام مطالباتٍ في المنطقة الغربية في ليبيا، وأصواتًا تطالب بقطع العلاقات مع الإمارات طبعًا؛ هذه الخطوة خطوة دبلوماسية لإحراجها ليس إلا؛ لكي تصل الصورة إلى العالم بأن الإمارات تتدخل بشكل سافر في ليبيا، ولكن الخسارة الحقيقية لها عندما تخسر حلفاءها في المعادلة الليبية سواءً الليبيين؛ مثل قوات حفتر أو المرتزقة؛سواءً الجنجويد أم مجموعة فاغنر الروسية».

على جانب آخر، نشر أنور قرقاش، وزير الدولة للشئون الخارجية الإماراتي على حسابه في«تويتر» تغريدةً أوحت بأن بلاده ترفض التدخل في الشأن الليبي، قائلًا بأن «الأزمة الليبية مستمرة منذ قرابة 10 سنوات، ولن تتاح لليبيين فرصة العيش في بلدٍ آمنٍ ومزدهرٍ طالما أن الأطراف المتقاتلة تهدف إلى تحقيق مكاسب تكتيكيةٍ صغيرةٍ؛ وهي تجري وراء سراب النصر المؤقت، فلا بديل للعملية السياسية لإحلال الاستقرار الدائم».

وأكمل بأن بلاده «تجدد الموقف الواضح لدولة الإمارات من الأزمة الليبية، والمتصل بموقف المجتمع الدولي؛ فلا يمكن إحراز أي تقدم حقيقي على الساحة الليبية دون وقفٍ فوريٍّ وشاملٍ لإطلاق النار، والعودة إلى مسار العملية السياسية، ولا بد أن يتوقف التصعيد الإقليمي لتحقيق ذلك».

المصادر

تحميل المزيد