مع اندلاع أحداث 11 سبتمبر، أولت الولايات المُتحدة الأمريكية الجانب العسكري أهمية خاصة، وذلك بزيادة مخصصات وزارة الدفاع الأمريكي ضمن الميزانية المُخصصة لها في معاركها العسكرية التي تضاعفت عقب هذه الأحداث، والتي بدورها لجأت إلى مقاولين وفوضتهم لعمليات قتالية كبيرة نيابة عنها في العديد من مناطق الحروب.

خلال السطور التالية، تشرح كيف استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية هؤلاء المقاتلين في معاركها العسكرية، والتكلفة المادية لهم مقابل مهامهم التي أوكلت إليهم، بشكل متجاوز لكُل أعراف القانون الدولي لصالح مصالح أمريكا الإستراتيجية والعسكرية الأولى، وما هي المزايا التي دفعت أمريكا لهذا الأمر.

من هم المقاتلون بالإيجار؟

هم مجموعات من البشر تنتظم في تنظيمات غير شرعية (شركات الأمن الخاصة)، المسئولة عن تجنيدهم وتمويلهم وتوظيفهم في مهام الحروب لصالح دول، بحيث يكون هؤلاء المرتزقة فاعلين في المهام الإدارية، والشئون العامة والتخطيط التشغيلي للدولة التي تستأجرهم، وجزءًا دائمًا من تواجد الدولة عسكريًّا في الخارج.

في كتابها “الجنود غير المرئيين” الصادر عام 2014 عن المتعاقدين الأمنيين، تشبه “أن هجدورن” مؤلفة الكتاب هذه المجموعات “بالجنود غير المرئيين، لأنهم يؤدون نفس المهام العسكرية التي تؤديها الجيوش بعيدًا عن عيون الرقيب، ولا يلتفتون للأعراف الدولية فلا تتم ملاحقتهم ولا يعتبرون أفعالهم مهما بلغت بشاعتها بمسؤولية الدولة.

المقاتلون بالإيجار.. سلاح البنتاجون الخفي في النزاعات العسكرية

بدأت أمريكا استخدام هؤلاء المدنيين الذين تستخدمهم شركات متخصصة، منذ احتلالها العراق في نيسان/ أبريل 2003 وهم في معظمهم شرطيون أو جنود سابقون في القوات الخاصة يسعون وراء مكاسب كبيرة وأجور تزيد عن 15 ألف دولار شهريًّا.

وكشفت دراسة للكونجرس أن 65% من القوات التي ترسلها وزارة الدفاع الأمريكية لأفغانستان هي لشركات أمن خاصة، كما كشفت أن شركات الأمن الخاصة تشكل نسبة 29% من قوة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أي) وتقتطع ما بين 50% إلى 60% من ميزانيتها.

وذكرت صحيفة “الواشنطن بوست” أنه تم إحصاء 100 ألف متعاقد أمني في العراق، وهو رقم مقارب لعدد القوات الأمريكية المنتشرة هناك في ذلك الحين، والرقم المنشور يمثل عشرة أضعاف المتعاقدين في حرب الخليج عام 1991م. كما يتواجد نحو 30 ألف متعاقد في أفغانستان فقط.

كما أوضحت دراسة الكونجرس كذلك أن وكالة الأمن القومي (إن إس أي) توظف نحو 480 شركة أمن خاصة. ولا يتم نشر إحصائيات القتلى من المرتزقة الذين يعملون للشركات الأمنية كقتلى ضمن الجيوش الرسمية، بل تبقى أعدادهم حبيسة السجلات غير المعلنة. ويقدر باحثون أن أكثر من 1000 مرتزق قد لقوا حتفهم في العراق و2500 قتلوا في أفغانستان.

كما شارك نحو 400 مرتزقة أمريكيين إلى جانب القوات الحكومية في أوكرانيا في عمليات ضد الانفصاليين الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا (في محيط جيب سلافيانسك) لصالح حكومة كييف.

كما استخدمت أمريكا مجموعات الجنود للقتال ضد قوات التحرير في زيمبابوي وموزنبيق وضد قوات مدعومة من كوبا تقاتل في أنغولا، وتم تجنيد آخرين في البوسنة ونيكاراغوا وشرق آسيا، كما جرى استخدامهم كقوات حفظ للسلام متخصصة في أماكن مثل دارفور.

وفي بدايات عام 2004 جرى التعاقد من الجانب الأمريكي مع أحد الشركات الخاصة بمقتضى مشروع “حارس قزوين” للانتشار في أذربيجان، إحدى أكبر مخازن البترول في العالم، حيث أنيط بهؤلاء المقاتلين المستأجرين مهمة إنشاء وتدريب قوات أذرية نخبوية خاصة تتولى في النهاية حماية مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة معادية.

كما استخدمت أمريكا هؤلاء المقاتلين في أذربيجان لرصد ما يحدث في منطقة بحر قزوين أثناء الساعات الليلية الصغيرة، لتتحول أمريكا – حسب الخبراء– إلى شريك إستراتيجي في المجمع العسكري الصناعي في المنطقة.

وفي مارس 2015، تجدد دور الشركات الأمنية الخاصة، وقيامها بمساعدة القوات العراقية في عملياتها العسكرية ضد تنظيم داعش بدعم من الولايات المتحدة. وتخصص هذه القوات في عمليات حروب العصابات، ومكافحة الإرهاب، وتأمين المنشآت والشخصيات العامة، وتعمل في كل من إقليم كردستان العراق، والمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة العراقية، وفي تأمين المنشآت النفطية والمطارات والموانئ.

  التكلفة المادية.. أضعاف تكلفة الجيوش الرسمية

في كتابه “حرب الثلاثة تريليون” الصادر في عام 2008، يوضح جوزيف ستيغليتس، أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا، والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد أن نفقات هذه الشركات أعلى بمرتين إلى أربع مرات مما تكلفه الجيوش الرسمية. وبالنسبة لبعض المهام الخاصة التي تمت في العراق قد يتراوح الفارق ما بين مرة واحدة و10 مرات.

حسب النفقات السنوية لوزارة الدفاع في التعاقدات مع هذه الشركات، فقد استغلت هذه الشركات عدم وجود الرقابة الكافية لرفع النفقات، وارتفعت قيمة الخدمات العسكرية أكثر من المقدمة والمُتعاقد عليها.

ويصل أجر المُرتزق الوافد من بلاد أفريقيا أو آسيا لـ600 دولار شهريًّا يقابلها 8000 دولار شهريًّا للمرتزق الغربي.

لماذا تستعين أمريكا بهذه الشركات بدلًا من إرسال قواتها العسكرية؟

إن التعاقدات بين هذه الشركات والحكومة الأمريكية، تتم في فترة قصيرة للغاية. وهو ما يصعب القيام به بالنسبة للجيوش المحترفة في بلدان مثل فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية أو ألمانيا حيث يتراوح عقد التوظيف ما بين 3 و5 سنوات.

كذلك، فهذه الشركات الأمنية تؤدي نفس المهام العسكرية التي تؤديها الجيوش بعيدًا عن عيون الرقيب، ولا تلتفت للأعراف الدولية فلا تتم ملاحقتها ولا تعتبر أفعالها مهما بلغت بشاعتها بمسؤولية الدولة.

تشرح هذا الأمر، الدكتورة أنجيلا سنيل، من جامعة إلينوي كلية القانون: “هي طريقة مريحة لحكومة الولايات المتحدة للتهرب من التزاماتها القانونية، بما في ذلك مسؤولية حماية حقوق الإنسان والمدنيين في الحرب والسلام، من خلال السماح للأفراد والشركات الخاصة، بدلًا من الجهات الرسمية الحكومية، لأداء المهام الحربية نيابة عن الجيش الأمريكي“.

 بلاك واتر.. المقاول الأمني الأول لفرق الموت

شركة “أكاديمي” كانت تعرف في السابق باسم “بلاك ووتر” والتي أسسها جنود من نخبة الجيش الأمريكي، وكانت هذه الشركة خاضت عمليات في العراق وأفغانستان لصالح الحكومة الأمريكية، كما أنها تقدم خدماتها لشركات ودول من العالم الثالث.

بدأت الشركة أولى خطواتها الحقيقية بالتعاقد مع إدارة الخدمات العامة، وبلغ قيمة العقد الأول عن السنوات الخمس الأولى لها 125 ألف دولار، وتضخم المبلغ في الـ5 سنوات التالية إلى 5 مليون دولار، لتتابع التعاقدات بعد ذلك وتوقع عقدًا أمنيًّا مع البحرية الأمريكية بقيمة 37.5 مليون دولار بعد تدمير المدمرة كوول في ميناء عدن عام 2000.

تعتبر أحداث 11 سبتمبر هي نقطة التحول الكبرى في مسيرة الشركة في توقيع عشرات التعاقدات مع الحكومة الأمريكية بمبالغ مالية طائلة، يقول إيريك برنس، قائد الفرقة القتالية الجوية والبرية السابق بالبحرية الأمريكية نيفي سيلز، ومؤسس بلاك واتر في مقابلة تليفزيونية مع قناة “فوكس”: “لقد ظللت أعمل في بيزنس التدريب لمدة 4 سنوات، وكنت قد بدأت أتشكك في مدى إدراك الناس لأهمية الأمن. والآن لا يتوقف رنين التليفون”.

في 28 أغسطس 2003، فازت الشركة بعقد قيمته 27.7 مليون دولار، دونما مناقصة، كي تكون المصدر الوحيد لتوفير ضباط مهام خاصة وطائرتين شراعيتين لتأمين الحراسة الشخصية لبول بريمر، المبعوث الرئاسي الأمريكي السابق إلى العراق، وتلا هذا التعاقد تعاقد مع وزارة الخارجية الأمريكية لتوفير الأمن لكثير من مسئولي الولايات المُتحدة بالعراق.

بالتوازي مع التعاقدات المُشتركة للشركة مع أمريكا في مناطق أفغانستان، وأذربيجان، وشرقي كييف، ومناطق في شرق أفريقيا، لعبت دورًا رئيسيًّا في إرسال العناصر المُتهمة بالإرهاب من أمريكا إلى مصر حتى يتم استجوابهم من جانب المُخابرات المصرية بعيدًا عن مظلة القانون الأمريكي.

شركات المقاولات العسكرية.. تاريخ الفضائح غير الإنسانية

مارست هذه الشركات خلال فترة تعاقداتها مع الحكومة الأمريكية العديد من الفضائح بشأن ممارسات غير إنسانية ولا أخلاقية، البعض منها تجاوز حدود الولايات المتحدة لتصير فضيحة عالمية.

تحتل شركة “بلاك وواتر” القائمة السوداء في حجم الانتهاكات التي مارستها خلال فترة تعاقداتها مع الحكومة الأمريكية، حيث تورط 4 حراس عاملين للشركة في السادس عشر من شهر سبتمبر عام 2007 على ساحة النسور في بغداد وأطلقوا النار بشكل عشوائي وقتلوا 17 مدنيًّا أعزل منهم أطفال ونساء وأصابوا 24 شخصًا على الأقل، وهي القضية التي أصدر قاضٍ أمريكي أحكام سجن على أربعة حراس سابقين بشركة بلاك ووتر الأمريكية لمدد تتراوح بين 30 عامًا ومدى الحياة بعد إدانتهم بقتل 14 مدنيًّا عراقيًّا عام 2007.

وفي عام 2009، تورطت الشركة في فضيحة بيع أسلحة في السوق السوداء في العراق لمسؤولين وجماعات عراقية كجزء من تغطية الشركة لفضيحة ساحة النسور عام 2007، بلغت قيمة إحدى دفعاتها التي تلت الحادث مباشرة مليون دولار أمريكي.

فيدو توثيقي لمعركة ساحة النسور ببغداد

 

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد