منذ زمنٍ طويل يُطلق على أفغانستان «مقبرة الإمبراطوريات»؛ فمنذ القرن التاسع عشر تُحاول القوى العظمى إحكام السيطرة عليها، ولكنّ في كلُّ مرة تقع هذه القوى في ذات الفخّ التاريخي والجغرافي أرضٌ صعبة تحوطها جبالٌ عاتية، وشعبٌ نفسه طويل يحمل في جيناته مقاومة الغزو الخارجي.

مع بداية الألفية الجديدة دفعت الولايات المتحدة نفسها في ذات الفخ، من دون هدفٍ وعدو واضح، أو إستراتيجية تقودها لإنهائها أو استمرارها. نعم كان عنوانها العريض «الحرب على الإرهاب»، ولكن كثيرة هي العناوين العريضة، واليوم تدخل الحرب عامها العشرين، تلك الحرب التي كانت انعكاساتها داخل أمريكا جسيمة؛ إذ نتج عنها انقسامات داخلية، وتخبطٌ طويل من الإدارات الأمريكية.

نأخذكم في هذا التقرير في جولة حول هذا العمى الإستراتيجي الأمريكي في أفغانستان، وكيف تسبب في مأساة شعبٍ، يعيش اليوم منتصفه على أقل تقدير، تحت مستوى خط الفقر، وكيف نتج عن هذا العمى مقتل أكثر من 100 ألف مواطن أفغاني. وما هي مآلات اتفاقية السلام الأفغانية التي وقعتها إدارة ترامب مع صعود إدارة بايدن.

بدايةً.. ما موقف إدارة بايدن من ملف المصالحة الأفغاني؟

توصلت الولايات المتحدة في فبراير (شباط) 2020، إلى اتفاق سلامٍ تاريخي مع حركة طالبان، في محادثات استمرت لأشهر في العاصمة القطرية، الدوحة. ونصّت الاتفاقية على تعهد طالبان بعدم تهديد أي جهة تابعة لأمريكا وحلفائها على الأراضي الأفغانية، والدخول في مفاوضات بين جميع الأطراف الأفغانية لتحقيق السلام الداخلي.

كما نصَّ الاتفاق على الهدف الذي سعى إليه دونالد ترامب لتعزيز فرص إعادة انتخابه؛ وهو سحب جميع القوات الأمريكية من الأراضي الأفغانية خلال مايو (أيار) 2021. ولكنّ لم تسر الأمور كما أراد ترامب، وكان فوز الرئيس الأمريكي جو بايدن، نتيجة لم ترغب بها حركة طالبان، خاصةً بعد إعلان إدارته بأنّها ستعيد تقييم الاتفاقية.

ووسط مساعي محادثات السلام واتفاقية الدوحة، انطلقت محادثات السلام الداخلية بين الأطراف الأفغانية، في يناير (كانون الثاني) 2021، إذ كانت تسير بشكلٍ بطيء بسبب انتظار الأطراف ما ستفعله إدارة بايدن الجديدة في الملف الأفغاني.

Embed from Getty Images

أثناء توقيع اتفاق السلام الأفغاني في الدوحة

وبعد تنصيب إدارة بايدن في 20 يناير صرح مستشار الأمن القومي جاك سيلفيان بأنّ الولايات المتحدة «ستراجع» الاتفاقية التي عُقدت بين الولايات المتحدة وطالبان. كما صرح المتحدث باسم البنتاجون جون كيبرلي عن شكوكه من انسحاب القوات الأمريكية بغضون مايو؛ بسبب أنّ «طالبان لم تف بالالتزامات المفروضة عليها». وقال كيبربي: «من دون التزامهم (طالبان) بنبذ الإرهاب ووقف الهجمات العنيفة ضد قوات الأمن الوطني الأفغاني، فمن الصعب رؤية طريقة محددة للمضي قدمًا إلى تسوية عن طريق التفاوض»، وأضاف: «ولكنّنا ما زلنا ملتزمون بالاتفاقية».

وبشكلٍ عام طمأنت التصريحات الأمريكية الرئيس الأفغاني أشرف غني بأنّها لم تضع الحكومة جانبًا كما فعلت إدارة ترامب، وأنّ أمريكا لن تُغادر قريبًا، وبموجبه بدأ متحدث باسم الحكومة الأفغانية بعد مكالمة جمعته مع مستشار الأمن القومي الأمريكي في إطلاق تصريحات ناقدة لطالبان.

ويبدو أنّ ما نشهده اليوم من هذه التصريحات، وازدياد حوادث العنف في الشارع الأفغاني خطوة للوراء بالنسبة لمحادثات السلام، ومن غير الواضح لو كان لدى إدارة بايدن، خطة محددة لإنهاء هذا الملف تمامًا، بينما يشير إعلان إدارة بايدن الإبقاء على زلماي خليل زاد، المبعوث الخاص لأفغانستان خلال فترة ترامب، وأحد أسباب نجاح اتفاقية السلام في الدوحة، إلى وجود رغبة في البناء على ما سبق إنجازه.

«لم نكن نعرف ما الذي نفعله».. جذور عمى أمريكا الإستراتيجي في أفغانستان

في نهاية عام 2019 نشرت صحيفة «الواشنطن بوست» تحقيقًا موسعًا عن الحرب مبني على «أوراق أفغانستان»، وهي مجموعة من الوثائق التي حصلت عليها الصحيفة، والذي يخص مكتب المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان بالحكومة الفيدرالية الأمريكية.

حمل التحقيق وثائق كثيرة تحمل آراء داخلية لمسؤولين أمريكيين عن الحرب، وقد كانت خلاصة التحقيق في جملة ذكرها دوجلاس لوت، ملازم أول كان مساعدًا للرئيس بوش وأوباما في شؤون العراق وأفغانستان: «كنا نفتقر لمعرفة أفغانستان. لم نكن نعرف ما الذي نفعله». وتكفي جملة الملازم لوت، لفهم جذور العمى الإستراتيجي الذي أصاب الولايات المتحدة في قرار حرب أفغانستان.

كما كشف موقع «ويكيليكس» عن 91 ألف وثيقة سرية عسكرية تعكس فشل أمريكا في حرب أفغانستان، وعن «جرائم حرب» ارتكبتها القوات الأمريكية، مثل القتل العشوائي بحق 19 مدنيًا بعدما تعرضت قوات المارينز هجومًا بالقرب من جلاد آباد.

سياسة

منذ سنتين
واشنطن في قفص الاتهام.. «جرائم» أمريكا في أفغانستان تثير قضاة المحكمة الدولية

بالإضافة إلى ذلك حملت السنوات الماضية فضائح وجرائم أخرى للجيش الأمريكي في أفغانستان، فقد كشف وثائقي «الحروب القذرة» للصحافي الأمريكي جيريمي سكاهيل، عن غارات ليلية كانت تشنها قوات أمريكية خاصة، ذهب ضحيتها مدنيون، ووثق سكاهيل الانتهاكات بمقابلات مع أهالي بعض الضحايا.

ولطالما كانت السياسة الداخلية لأمريكا، هي الدافع الإستراتيجي للرؤساء الأمريكان تجاه أفغانستان، وليس السياسة التي تؤثر على حياة الأفغانيين بشكلٍ مباشر، وبالتالي لا يوضع الشعب الأفغاني كهدف أساسي أثناء اتخاذ قرارات الإدارة الأمريكية في الملف الأفغاني.

ويربط الإعلام الغربي عادةً حوادث العنف في أفغانستان بطالبان وبقية الحركات، متجاهلًا انتهاكات الجيش الأمريكي، أو انتهاكات الميليشيات المدعومة من جهاز الاستخبارات الأمريكي، التي هي إحدى مسببات تعطل جهود بناء الدولة في أفغانستان، بحسب ما نقلته صحيفة «ذا إنترسبت» عن تقريرٍ نشرته جامعة براون.

وتشكلت هذه الميليشيات عن طريق الاستخبارات الأمريكية بداية من حرب عام 2001، إذ كانت حلًا مؤقتًا لاستهداف خلايا القاعدة، والإطاحة بحركة طالبان، ولكنّ مع الوقت صار الاعتماد عليهم أكبر، وأصبحوا جزءًا لا يمكن تجاهله من المعادلة الأفغانية الداخلية مثل «قوات خوست للحماية».

وبالرغم من كلِّ محاولات الاستخبارات للقضاء على طالبان، لم تنجح بذلك. وقد تسبّبَ عدم اتخاذ أمريكا مسارًا دبلوماسيًا منذ البداية، إلى تقوية طالبان، التي تسيطر على أراضي أكثر من أي وقت مضى منذ اندلاع الحرب، وبالتالي فرضت نفسها على طاولة المفاوضات، كما شهدنا في اتفاقية الدوحة.

«شماعة طالبان».. وأهدافٌ أمريكية لم تر النور

من السهل إطلاق وصف «الفشل» على الدول، فلو مررنا اليوم على معظم موقع الإحصاء ومؤشرات التنمية، سنجد أفغانستان في آخر هذه القوائم، فبحسب مؤشرات التنمية للأمم المتحدة، تقع أفغانستان في المرتبة 162، بنسبة فقر تساوي 55.9%، وعمالة ماهرة بنسبة 19.2%.

وبالرغم من أنّ الولايات المتحدة إحدى أهم أسباب فشل بناء الدولة، فقد تجد مقالات تحمل عنوانين مثل «لماذا تفشل الدول وكيف يُعاد بناؤها»، تبدأ بمشهدٍ عن شخص انتحاري يفجر بحافلة صغيرة، وتسهب في الحديث عن وحشية طالبان وخلاله تذكر: «تقترب أفغانستان من أن تصبح دولة فاشلة مرة أخرى».

منذ الغزو الأمريكي على أفغانستان، لم تكن هنالك رغبة حقيقية من قبل الإدارات المتعاقبة، منذ الرئيس بوش وأوباما حتى ترامب في مشروع «بناء دولة» حقيقي في أفغانستان، وبدلًا عن ذلك ساهم السلوك الأمريكي في تأجيج العنف، وزيادة فشل وفساد الدولة الأفغانية.

أفغانستان

منذ شهر
متنافسان وشركة ضغط واحدة.. «مسرحية» انتخابات 2014 الأفغانية في واشنطن

ولا ينتهي مشهد الانقسام في أفغانستان، فحتى الحكومة الأفغانية التي تدعمها الإدارة الأمريكية وإدارة بايدن اليوم منقسمة على نفسها، وتتفاقم الخصومة داخلها، لدرجةِ أنّ متنافسي سباق الرئاسة عام 2014: عبد الله عبد الله وزير الخارجية السابق، وأشرف غني الرئيس الحالي، وظفا نفس جماعة الضغط الأمريكية، لترجيح فوزهم في الانتخابات، وعند وقت النتيجة أعلن كلاهما فوزهم بالانتخابات، وأحدث ذلك أزمة سياسية اضطرت أمريكا للتدخل لحلها، وتكرر السيناريو ذاته في انتخابات عام 2019، عندما هدد عبد الله عبد الله، بتشكيل حكومة موازية.

أضف إلى ذلك انتشار الفساد في الحكومة الأفغانية، وسوء استغلاها للمساعدات الدولية المقدمة لبرامج إعادة التعمير وبرامج حقوق الإنسان؛ بما يزيد ذلك من نسبة الفقر والمجاعات، ويحصر هذا الفساد الشعب الأفغاني ما بين الفقر المتقع والحرب. ولم تزل أمريكا تُقدم دعمًا يقدر بـ4 مليارات دولار لمساعدة القوات الأمنية للحكومة الأفغانية.

وتواجه الحكومة الأفغانية اليوم معضلة حقيقية، فبالرغم من رغبتها بانسحاب القوات أمريكا وحلفائها، إلا أنّها تريد أنّ يحدث الانسحاب بفترة زمنية أطول من التي تطرحها اتفاقية الدوحة، وتأتي معضلة أخرى وهو العنف القادم في حال عدم التزام أمريكا بالانسحاب، والذي بشكلٍ مؤكد سيؤجج العنف، ويزيد من حالات القتل والتخريب.

Embed from Getty Images

الرئيس جو بايدن عندما كان نائبًا للرئيس أوباما أثناء زيارته لأفغانستان عام 2011 ولقاء الجيش الوطني الأفغاني 

وبحسب روبيرت مالي، الخبير بالشؤون الإيرانية والأفغانية، والمبعوث الأمريكي الخاص لإيران، قد تشهد أفغانستان اليوم سيناريوهين؛ الأول انسحاب أمريكي متهور قد ينتج عنه حرب أهلية طاحنة بين الأطراف الأفغانية، والثاني استمرار الوجود الأمريكي الذي قد يبعد طالبان عن محادثات السلام، ويبرر هجماتها المستمرة وبالتالي تصعيد كبير. وهذا لا يعني إحلال سلامٍ قريب وشامل في أفغانستان، ما لم يكن لدى إدارة بايدن، حلولٌ واقعية تضع مصلحة الشعب الأفغاني في رؤيتها.

ومع دخول عام 2021 – قبل تنصيب بايدن – أعلنت إدارة ترامب عن تخفيض عدد القوات الأمريكية في أفغانستان إلى 2500، وهو أدنى عدد منذ بداية الحرب. وتريد الولايات المتحدة الخروج من أفغانستان مع ضمانات صعبة التحقق على الأرض، الأولى وقف شبكات الإرهاب داخل أفغانستان. والثاني عدم ترك أفغانستان ساحة للصراعات الإقليمية جنوب آسيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد