يتابع العالم عن كثب حمى التظاهرات التي اندلعت في الولايات المتحدة الأمريكية بعد مقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد، على يدِ شرطيّ أبيض، وذلك بعدما وضع الشرطي ركبته على عنق فلويد لمدة تسع دقائق كاملة قبل أن تُزهق روح الأخير. تفاعل المجتمع الدولي مع مقتل جورج فلويد، واستغلت بعض الدول المعادية لأمريكا الحادثة للهجوم عليها؛ إذ صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الصيني تجاو ليجيان، بأنّ ما نشهده في أمريكا هو نتيجة «مرض العنصرية المزمن»، وطالبت الجمهورية الإيرانية القوات الأمريكية بوقف «العنف» مع المتظاهرين.

فأمريكا كما غيرها من بقية الدول تلجأ إلى أساليب القمع وفض المظاهرات المعادية، وتستخدم الركائز الأساسية ذاتها التي تستخدمها معظم الدول. الركيزة الأولى بعد تحديد العدو، هي تشكيل الرأي العام عن المظاهرات من خلال جهاز الإعلام. والركيزة الثانية استغلال القانون لشرعنة قمع المظاهرات واستخدامٍ الغازات المسيلة والرصاص المطاطي.

لمحة سريعة عن تدخلات «شرطي العالم» الخارجية

حتى تتضح الصورة أكثر عن آليات تحكُم أمريكا في مظاهرتها الداخلية، علينا النظر عن تدخلاتها في المظاهرات التي تقع في الدول الخارجية. فالتاريخ يثبت حرفية عبارة «أمريكا شرطيًا العالم»، فقد دربت دولًا كثيرة ومدتهم بأساليب وأدوات تساعدهم في التحكم في المظاهرات أو الانتفاضات، أضف إلى ذلك آليات القمع، والسيطرة على الحشود.

فمنذ اكتشاف القارة الأمريكية، ووصول وفود الاستعمار الأوروبي، اعتمد المستعمرون على شرطةٍ من السكان الأصليين للسيطرة على التمردات والمظاهرات، لضبط النظام وإحكام سلطة القانون، واعتمدوا على إستراتيجية «فرقّ تسد». وقد شهدت الولايات المتحدة مئات التمردات خلال تاريخها القديم والحديث، بالإضافة إلى حرب أهلية طاحنة ذهب ضحيتها ما يقارب مليون شخص. واشتعلت أثناءها تمردات كثيرة، منها تمرد الحركة المناهضة للعبودية، ما أكسب السلطات الأمريكية خبرة وقدرة كبيرة على آليات السيطرة.

علوم الثورة

منذ سنة واحدة
ثورة فانقلابان ومذبحة ثم ثورة.. قصة نضال شعب كوريا الجنوبية لأجل الديمقراطية

وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، بدأت العمليات الخارجية لأمريكا بالتوسع والتمدد من خلال تصدير ممارستها ومؤسساتها، وذلك لتحسين كفاءة الحكم في دول العالم في فترة ما بعد الاستعمار، وتضمنت هذه الممارسات التدريب على آليات قمع المظاهرات. فقد كانت دول شرق وجنوب شرق آسيا مسرح تجارب للولايات المتحدة، ودربت دول مثل كوريا الجنوبية، واليابان وتايلاند. ولتوطيد نفوذها كان من الضروري تعزيز الأمن العام في هذه الدول، وقمع المظاهرات الشعبية، والسيطرة على إضرابات العمل؛ خاصةً الحركات الناشئة المقاومة للاستعمار.

وبحجة الحد من «انتشار الشيوعية»؛ دعمت أمريكا الديكتاتور والرئيس الأول لكوريا الجنوبية، إي سنج مان، من خلال دعمٍ تقنيّ كبير، وتدريب قواته على التجسس وإقصاء حركات المعارضة. فقد دربت أمريكا شرطة كوريا الجنوبية على آليات قمع المظاهرات بالتعاون مع مسؤولين يابانيين (دُربوا من قبل الأمريكان)، واعتقلت الشرطة الكورية أكثر من 17 ألف سجين سياسي، بما فيهم صحافيين اتهموا بنشرهم «مواد تحريضية». بالإضافة إلى قمع المظاهرات التي اشتعلت في جزيرة جيجو في كوريا الجنوبية، بسبب الحرب الكورية عام 1950.

وفي تايلاند، وطدت المخابرات الأمريكية علاقتها مع فاو سيانون (Phao Siyano)، رئيس الشرطة الوطنية في تايلاند، ودعمته بتوفير 200 مستشار وإمداده بالتقنيات اللازمة لجهاز الشرطة. الدعم الذي ساعده على تشكيل جهاز مكون من 48 ألف شرطي؛ بينهم 10 آلاف شرطي متمركز في بانكوك. وبهذا الدعم استطاع سيانون «إخفاء» معارضيه السياسيين، والذين كان منهم أربعة أعضاء في البرلمان. وفي يناير (كانون الثاني) 1959، أرسلت أمريكا جيمس بينيت، رئيس شؤون السجون الأمريكية لمساعدة التايلانديين في التخطيط لبناء أنظمة السجون.

ومع بداية عهد الرئيس الأمريكي جون كينيدي، أُرسل 115 مستشارًا من مؤسسة الشرطة الأمريكية إلى أكثر من 24 دولة وفق موازنة بلغت 14.2 مليون دولار. وتبنى كينيدي إستراتيجية مرنة وجديدة من أجل مكافحة التمرد؛ لمواجهة الحركات القومية الراديكالية في الدول النامية، ولخلق حالة من الاستقرار الاقتصادي، لعدم إعاقة عملية التحديث في هذه الدول.

السيناتور جوزيف مكارثي أثناء تحقيقاته محاولًا إثبات النفوذ الشيوعي في الحكومة الأمريكية

في نهاية الأمر، تأثرت سياسات أمريكا الداخلية بسياستها الخارجية القمعية، وبدأت تعتمد سياسة أمنية فلسفتها توجيه التهم لمعارضين أو أفراد بالخيانة والتآمر من دون وجود أي دليل قاطع. وتعرف هذه السياسة بالمدرسة «المكارثية»، ومؤسسها هو الجمهوري جوزيف مكارثي، عضو مجلس الشيوخ، ورئيس لجنة الاستخبارات الدائمة، والذي وبدأ في توجيه التهم لعاملين في وزارة الخارجية الأمريكية بأنّهم أعضاء في الحزب الشيوعي. ولم يكتف بهذا؛ فقد اتهم شخصيات عامة مثل، من بينهم الفيزيائي ألبيرت أينشتاين، ومارتن لوثر كينج. وامتدت هذه الفلسفة في العقود التالية، إلى الشارع الذي انتفض ينادي بإنهاء حرب الفيتنامية.

«اخلق عدو».. الخطوة الأولى قبل كل شيء

كما يخبرنا الفيلسوف النازي الألماني كارل شميت، بأنّ مفهوم السياسة هي فن «خلق العدو». فإنّ السلطات الأمريكية (وغالب حكومات العالم) تسعى دائمًا لخلق العدو، الذي بوجوده تبرر السلطة بعد ذلك قمعها المظاهرات والاحتجاجات.

دولي

منذ 4 شهور
مترجم: كل ما تريد معرفته عن حركة «أنتيفا» التي يريد ترامب تصنيفها جماعة إرهابية

وتعتبر تغريدة ترامب الذي أراد بها تصنيف «مؤسسة أنتيفا» على أنّها مؤسسة إرهابية (رغم أنّها حركة وليست مؤسسة) مثالا على محاولته خلق عدو من احتجاجات سلمية تنادي بالمساواة وتحقيق العدالة. ونشأت حركة أنتيفا كحركة مناهضة للفاشية في أوروبا، وأصبح لها وجود في الولايات المتحدة في الثمانينيات من القرن الماضي. ووصف المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي، صدام حركة أنتيفا مع الحركات النيو نازية في مظاهرات «وحدوا اليمين» في شارلوتسفيل صيف 2017، بأنّها «هدية» لليمين المتطرف ولقمع الدولة الأمريكية، ويبدو أنها لا تزال هدية إلى يومنا هذا.

وبعد تغريدة ترامب نُشر بيانٌ للمدعي العام الأمريكي، ويليام بار معقبًا على المظاهرات؛ واصفًا ما يحدث في الشوارع بـ«أعمال الشغب»، وأنّه «حان الوقت للتوقف عن مشاهدة العنف والتعامل معه بشكل مباشر». ويختم بيانه: «إنّ العنف والشغب التي تحرض عليه وتقوم به أنتيفا وجماعات أخرى مماثلة هو إرهابٌ محلي وسيتم التعامل معه وفقًا لذلك».

«الدين والنظام».. تشكيل الرأي العام

بثقة كبيرة خرج ترامب من كنيسة القديس يوحنا الأسقفية في واشنطن دي سي، حاملًا نسخةً من الإنجيل ليلتقط صورته المفضلة بين الأوساط الإنجيلية. أربكت الصورة الكثيرين بسبب استخدام الشرطة العنف والغاز المسيل للدموع؛ من أجل تفريق المتظاهرين المتجمهرين أمام الكنيسة حتى يتسنى لترامب الوصول إليها. كما أربكت  الصورة مسؤولة الكنيسة نفسها، القسيسة ماريان بوده عندما صرحت لـ«واشنطن بوست»: «بأنّها لم تتلق خبرًا بأنّ الشرطة ستفرق المتظاهرين بمسيلات الدموع، وأنّهم سيستخدمون أحد كنائسنا كواجهة استعراضية»، وأضافت: «كل ما قاله (ترامب) هدفه تأجيج العنف».

لصورة ترامب حاملًا للإنجيل أمام كنيسة يوحنا، رمزية قد تزيد من استياء بعض المتظاهرين، وإعجاب بعض المواطنين، كما أنّها تزيد من الاستقطاب المجتمعي. فالإنجيل يمثل في أذهان بعض المجتمعات في أمريكا، تجسيدًا لسلطة العرق الأبيض، مما يثير تساؤلًا عن هدف ترامب من هذه الصورة في هذا التوقيت تحديدا، خاصةً أنّ بعض المجتمعات الإنجيلية، تحديدًا في بعض الولايات الجنوبية، تقدم ولاءها ودعمها الكبير لترامب.

أضف إلى ذلك اختياره لتوقيت التقاط تلك الصورة، فذهابه للكنيسة بعد تصريحه بأهمية الحفاظ على النظام والقانون وتهديده بإرسال الجيش لتفريق حشود المتظاهرين بالقوة، وبعد تفريق المتظاهرين من أمامها بالعنف، جعل الكثيرين يظنون أنه يستخدم الدين والكنيسة داعم سياسي وديني له في موقفه تجاه الاحتجاجات وما تنادي به.

ترامب ليس أول المستخدمين للدين كأداة سياسية لمباركة أفعاله، وليس أول المشددين على أهمية المحافظة على «القانون والنظام» عند اندلاع أية مظاهرات أو احتجاجات، فقد سبق وأن استغل الرئيس رقم 30 للولايات المتحدة، كالفين كوليدج، شعار القانون والنظام  استغله الرئيس الأمريكي رقم 30، بعد إضراب الشرطة عام 1919، والذي كان يطالب بتحسين ظروف العمل والاعتراف الرسمي بالنقابة آنذاك. كما استغل كوليدج الشعار في حملته الرئاسية لعام 1923. وخلفه في هذا الاستغلال الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، الذي قدم وعوده الانتخابية باستعادة القانون والنظام. تلك الرسالة التي جذبت الكثير من شرائح البيض بأمريكا، في سياق أكبر مظاهراتٍ شهدتها الولايات المتحدة؛ المظاهرات المناهضة لحرب فيتنام.

شعار «القانون والنظام» لكالفين كوليدج مصدر الصورة.

يأتي دور وسائل الإعلام بعد ذلك، لتضخيم الصور السلبية للمتظاهرين ونتائج تظاهرهم، ولتشكيل الوعي العام السلبي تجاهها، فوسائل الإعلام هي من تُصمم رؤية المواطن للمظاهرات، فعلى سبيل المثال تصف جهات إعلامية مثل «فوكس نيوز»، المتظاهرين بأنّهم «راديكاليون» أو «أناركيون» يريدون إسقاط النظام، الذي يزيد من تسييس المظاهرات، وتشويه مطالبها الأساسية.

وبالنسبة للأكاديمي جيمس هيرتوج ودوجلاس ماكليود، فعادةً ما تسعى وسائل الإعلام إلى تسليط الجانب الدرامي أو المزعج الناتج عن الاحتجاجات بحثًا عن القصة الجاذبة، بدلًا من تسليط الضوء على مطالب المحتجين، والذي يؤدي بالضرورة إلى إضعاف الاسناد الشعبي.

سحب المتظاهرين لدائرة العنف.. الخطوة الأخيرة

عندما سُئل المفكر نعوم تشومسكي، في مقابلة أجريت معه، عن آليات تحكم السلطات الأمريكية في الجماهير؛ ذكر أنّه كان أحد المشاركين في المظاهرات المناهضة لحرب الفيتنام، وأثناء تنظيمهم لم يكن ممكنًا للمجموعات المنظمة نقاش أي خطوة أو موضوع جاد بسبب انتشار المخبرين بينهم، موضحًا أنه إذا كانت المجموعة مكونة من 10 أفراد فستجد بينهم مخبرًا أو اثنين بالتأكيد، وأن النقاشات الجادة ممكنة وآمنة فقط بين الدوائر المقربة منك، التي تثق بها.

طلب الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، من وكالة المخابرات الأمريكية التجسس على المتظاهرين؛ و عندما خلفه نيكسون في يونيو (حزيران) 1969، قام بالتواصل مع الوكالة، وطلب تجهيز تقرير عن إذا كان هناك أي دعم خارجي «شيوعي» للمتظاهرين.

وعليه قام بعض المخبرين بتعلم اللغة المستخدمة من قبل حركات اليسار، والاندساس بين المتظاهرين لجمع المعلومات، وقاموا بجمع أكثر من 300 ألف اسم، واستمرت عملية التجسس لعام 1974، تحت مسمى (Operation CHAOS). وذلك بالرغم من أنّ تقرير المخابرات، نصَّ على قلة الأدلة على وجود تمويل أو تدريب شيوعي، وأنّه لا يوجد دليل على توجيه المظاهرات أو بعض المجموعات من قبل الشيوعيين.

ويمكن أن أقول بأنه لا يمكن استخدام آليات القمع من دون غطاءٍ قانوني للسلطات الأمريكية، وأحد هذه المواد القانونية، هو المادة العاشرة من قانون الحقوق المدنية لعام 1968، أو ما يعرف بمادة «مكافحة الشغب» التي تصنف استغلال طرق التجارة الخارجية أو الداخلية للتحريض وتنظيم أعمال الشغب على أنّها جريمة فيدرالية. وجدير بالذكر أن نعوم تشومسكي قد انتقد مع مجموعة من المثقفين استغلال السلطات لهذا القانون لمساواة تنظيم التظاهرات السياسية بتنظيم الجرائم.

وفي أثناء المظاهرات المناهضة لحرب الفيتنام، التي اشتعلت في مدينة لوس أنجلوس، والتي أضرت بسمعة الرئيس جونسون بشكل كبير؛ فعّل جونسون قانون «مكافحة الشغب»، الذي تبعه اعتقال 51 متظاهر من شرطة لوس أنجلوس. ونتج عن ذلك صدامٌ كبير بين 10 آلاف متظاهر و500 شرطي أمام حدث جمع تبرعات خاصة بالرئيس جونسون. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1967، احتشد الناس أمام وزارة الدفاع «البنتاجون»، وكانت أكبر مظاهرة حشدتها لجنة الحشد الوطنية لإنهاء حرب الفيتنام، إذ جمعت ما يقارب  30 ألف متظاهر، واعتقل حينها 647 متظاهر.

وفي الأحداث الحالية؛ انتشرت بعض مقاطع الفيديو لمتظاهرين  يصورون ويضربون المخربين المنتشرين بينهم، خوفًا من استغلال الشرطة لهذه الأعمال واستخدامها حجة لقمع المظاهرات، أو محاولة تشويه أهداف المظاهرات «السلمية»، والتي خرجت بسبب مقتل رجل أسود قُتِل بسبب عنف الشرطة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد