في ورقة خاصة تحت عنوان «الولاءات وتشكيل الجماعات ضمن سلك الضباط اللبنانيين»، يتناول مركز كارنيغي للسلام في الشرق الأوسط انعكاسات الانقسامات الاجتماعية والمحاصصات السياسية الطائفية في المجتمع اللبناني على تركيبة الجيش، وأنماط تكوين الجماعات بين الضباط خلال الفترة اتي تلت الحقبة ما بين عامي (1975 – 1990) وهي أعوام الحرب الأهلية اللبنانية.

ووفقا للباحثة صاحبة الدراسة «نايلة موسى»، فإنه في الوقت الذي كان الجميع يعزو فيه هذه الانقسامات إلى الشقوق الطائفية، فإنها لم تكن تخلو من أبعاد سياسية، رغم أنه يتعذر الفصل بشكل كبير بين ما هو سياسي وما هو طائفي في المناخ اللبناني الذي تتداخل فيه الدائرتان بشكل كبير.

(1) أزمات هوياتية بأبعاد سياسية

 

وتشير الباحثة إلى أنه، في الفترة التي سبقت عام 1990، كان تكوين الجماعات في سلك الضباط اللبناني يتمحور حول الانقسام الهوياتي الإسلامي- المسيحي. ولكن الحرب الأهلية التي انتهت بهزيمة الجيش اللبناني “بأغلبيته المسيحية” على يد الجيش السوري تسببت في تغير موازين القوى عبر فقدان المسيحيين لهيمنتهم داخل الجيش. وتشير الباحثة أنه قد جرى تهميش الضباط الذين عملوا تحت قيادة العماد ميشيل عون في هذه الحملة حين جرت عملية إعادة بناء الجيش اللبناني.

ورغم هيمنة العلاقات المهنية على الجيش لفترة طويلة “أسوة بسائر الجيوش النظامية التي تقدس العلاقات المهنية والتراتبية القيادية”، فإن هذه المهنية قد خضعت لعدة ضربات متتالية بفعل الانقسامات السياسية الكبرى بداية من الحرب الأهلية ما بين (1975-1990)، أو الانقسام حول الوصاية السورية ما بين 1990-2005. ما ولد شعرة من التوازن الدقيق سعى القادة دوما للحفاظ عليه ما بين هذه الانتماءات المتداخلة وهو ما مكن الجيش من التغلب على الأزمة الكبرى التي ضربته بعد رحيل الوصاية السورية في عام 2005، إلا أن الجيش، ووفقا للدراسة، لا يزال يواجه خطر الهيمنة المحتملة للولاءات السياسية والطائفية على الأبعاد المؤسسية والمهنية.

(2)الانقسام الإسلامي المسيحي: بين المهني والطائفي والسياسي

وفقا للدراسة، تلعب الثكنات المشتركة والتدريبات والحياة المغلقة بشكل عام، دورًا كبيرًا في صناعة روابط قوية داخل المؤسسات العسكرية تكون في غالب الأحيان أكثر قوة من الروابط المجردة المتمثلة في الدفاع عن مفاهيم مثل الدولة أو الأمة. ونتيجة لذلك يكون لأجيال أهمية كبيرة داخل الجيوش. وقد ميزت الدراسة 3 أجيال داخل الجيش اللبناني، وتؤكد أن العلاقات بين هذه الأجيال غالبا ما تكون عابرة للطوائف والخلفيات الاجتماعية والمعسكرات السياسية. ووفقا لما يقوله أحد الضباط: “خلال الحرب الأهلية لم يكن هناك إطلاق نار بين الجيشين. الضباط الذين يتخرجون في العام نفسه لا يمكن أن يطلقوا النار على بعضهم البعض”.

(1) تشكل الجيل الأول للجيش اللبناني في عهد فؤاد شهاب متأثرًا بأزمتين سياسيتين شهدتهما لبنان عامي 1952 و1958، بفعل المعارضة الداخلية للرئيس بشارة الخوري ثم خليفته كميل شمعون، اللذين طلبا تدخل الجيش لقمع المعارضة. رفض فؤاد شهاب تدخل الجيش في القمع المدني ما تسبب في زيادة شعبيته وتوليه رئاسة الجمهورية عام 1958. ولكن شهاب حاول الاعتماد على العسكريين “المخابرات” في تشكيل نهج غير حزبي لبناء الدولة عرف آنذاك باسم “الشهابية”، وقد لاقى هذا النهج معارضة من قبل السياسيين التقليديين في لبنان وعلى رأسهم زعماء مسيحيون مثل كميل شمعون وريمون إدّه وبيار الجميل.

انتهي الأمر بانتخاب سليمان فرنجيه للرئاسة عام 1970 وخضع ضباط المخابرات الشهابيون للمحاكمة بتهمة استغلال السلطة. وتشير الباحثة إلى أن هذا التوجه “الشهابي” لا يزال يهيمن على عقول ضباط هذا الجيل الذين ينظرون نظرة سلبية للسياسيين المدنيين. وهؤلاء الضباط غالبا ما يتطلعون إلى منصب رئيس الدولة ويرون أن العسكريين أكثر أحقية به من السياسيين التقليديين. أما الجيل الثاني فهو ما يعرف بجيل الضباط العونيين الذي تشكل أثناء الحرب الأهلية، وسوف يعود الحديث عنه لاحقا.

(2) بدأ الجيل الثالث في التشكل في أعقاب الحرب الأهلية. أهم ما ميز هذه الفترة هي الوصاية السورية التي هيمنت على الجيش. سافر كثير من الضباط اللبنانيين للتدريب ضمن صفوف الجيش السوري، الذي كان غالبا ما يرتبط بالحصول على امتيازات مادية كبيرة. وتميزت هذه الفترة بإعادة توزيع التوازن الطائفي بين الضباط المسيحيين والمسلمين في سلك الجيش بفعل عدة عوامل منها فقدان المسيحيين للأغلبية الديموغرافية، وزيادة رغبة المسلمين في الارتباط بمؤسسات الدولة التي هيمن عليها الموارنة منذ الاستقلال، إضافة إلى الرغبة في التخلص من الضباط المسيحيين الذين تمت هزيمتهم خلال الحرب الأهلية. وتم استحداث حصة (50:50) في انضمام الطلاب المسيحيين والمسلمين إلى المدرسة الحربية، وقد ظلت هذه الحصة قائمة منذ ذلك الحين.

ووفقا للدراسة، فقد كانت هزيمة ميشيل عون في الحرب الأهلية نقطة فارقة في مسار إعادة بناء الجيش اللبناني. حيث خسر الموارنة هيمنتهم وسافر عون إلى المنفى في فرنسا. وعزف المسيحيون بشكل كبير عن المشاركة في النظام السياسي الجديد الذي تشكل في أعقاب الحرب.

 

(3) مثَّلَ الضباط العونيون معضلة للنظام الجديد. كان يتم التعامل معهم أحيانا بإرسال المتمردين منهم إلى السجون السورية ولكن ذلك لم يكن حلا مستداما. في نوفمبر عام 1990 تم إصدار قانون يسمح للضباط من الجيش والشرطة والأمن العام وأمن الدولة، بالتقاعد المبكّر من دون خسائر مالية وتم بالفعل قبول استقالة عدد كبير من الضباط. وقد اختار بعضهم الآخر الولاء للنظام الجديد مبررين ذلك بأسباب مهنية؛ وهي أن تيار عون قد هزم بالفعل وأصبحت الهيمنة السورية أمرًا واقعًا.

وووفقًا للدراسة، فقد أعاد إيميل لحود بناء الجيش بطريقة تحاول تجنيبه آثار الانقسامات السياسية والطائفية المتكررة. وقد أحاط نفسه بدائرة من الضباط المقربين من مختلف الطوائف كما استعان بالدعم السوري. ورأى الموارنة أن لحود يتعمد إقصاء النافذين منهم من دوائره المقربة حفاظا على مستقبله السياسي. يكفل النظام السياسي اللبناني منصبي قائد الجيش ورئيس الجمهورية للموارنة، ما دفع إلى اتهام لحود أنه كان يقوم بإقصاء منافسيه المحتملين. وبدلا من ذلك فقد قرب لحود بعض المسيحيين من غير الموارنة.

لم يقتصر الأمر على هذه السياسة العابرة للاعتبارات الطائفية الراسخة. كان الولاء لسوريا عاملا رئيسيا في اختيار دائرة لحود المقربة. ارتبط هذا التوقيت بصعود كبير في نسب لضباط الشيعة مقارنة بالسنة (إذا اعتبرنا أن هناك سمة عامة بصعود نسبة المسلمين في النظام الجديد كما أسلفنا) وقد تم تعيين ضابط شيعي يدعى “السيد جميل” في منصب مدير المخابرات وهم من الداعمين السياسيين لحزب الله، رغم أن المتعارف عليه أن صاحب هذا المنصب يكون مسيحيًّا مارونيًّا. دفعت هذه الأمور البعض إلى وصف التغيرات التي شهدها الجيش تحت الوصاية السورية بكونها “مدًّا شيعيًّا”.

(3) الانقسام السني الشيعي: نفوذ حزب الله وقضية الولاء السني

 

توثقت صلة الجيش بحزب الله جنبًا إلى جنب مع تنامي نفوذ الضباط الشيعة. كانت عقيدة لحود العسكرية تقوم على تعريف إسرائيل بوصفها العدو الأكبر مع تعريف الجيش السوري وحزب الله كحلفاء في مواجهتها. ورغم انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2006 إلا أنه تم تعزيز هذا النهج السوري بعد عودة ميشيل عون من منفاه وتوقيعه مذكرة تفاهم مع حزب الله، نظرًا لما يتمتع به عون من بقايا نفوذ داخل الجيش. وقد برر عون نهجه الجديد بأن خلافه مع سوريا قد انتهى مع انسحاب الجيش السوري من لبنان. وقد تزامن ذلك مع بيان وزاري حكومي اعترف بحزب الله كحركة مقاومة مشروعة بفعل دوره في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان عام 2006. وقد استعاد العونيون جزءًا من مكانتهم داخل الجيش في أعقاب رحيل سوريا.

رغم أن السنة لم يكونوا يميلون بشكل كبير إلى الالتحاق بصفوف الجيش خلال حقبة ما قبل التسعينيات إلا أن ذلك، وفق الدراسة، كان راجعا لأسباب اجتماعية وليست طائفية. إلا أن حقبة الوجود السوري قد ارتبطت بممارسات طائفية تمثلت في تهميش الضباط السنة. وازداد ذلك بفعل الخصومة بين قائد الجيش إيميل لحود والسياسي السني رفيق الحريري. حيث كان لحود يخشى نفوذ الحريري لدرجة أنه كان يعتبر الضباط السنة رجال الحريري داخل الجيش. رغم أن جميع التأكيدات تصب في خانة أن الحريري لم يسع مطلقا إلى صناعة أي ولاءات طائفية داخل الجيش.

خضع الولاء السني داخل الجيش لعدة اختبارات متتالية: كان أولها عام 2007 خلال أحداث مخيم نهر البارد، الاشتباكات بين مجموعة فتح الإسلام السنية والجيش اللبناني. وقد قام الجيش بتدمير المخيم بعد تصنيف هذه الفصائل بكونها مجموعات إرهابية. ولكن الجيش لم يتصرف بذات النهج في أعقاب قيام حزب الله في عام 2008 بالاستيلاء على جزء كبير من غرب بيروت ردًا على تحركات حكومة فؤاد السنيورة بتفكيك جزء كبير من شبكة اتصالات الحزب. حيث اتهمت قيادة الجيش بالتواطؤ مع حزب الله وقدم عدد من الضباط السنة استقالتهم احتجاجًا على ذلك.

تمثلت المحطة الثالثة في الانقسام السني الشيعي داخل الجيش في الثورة السورية عام 2011. انخرط حزب الله في الصراع السوري لدعم الأسد ما أثار غضب العديد من الأحزاب داخل لبنان وخاصة السنة. واتهم الجيش بالتواطؤ مع حزب الله في أعقاب مواجهاته مع أنصار الشيخ السلفي أحمد الأسير في يونيو 2013 ثم في أحداث عرسال بعد ذلك. وقد تسبب قيام جبهة النصرة باختطاف بعض جنود الجيش اللبناني للمساومة على إطلاق سراح معتقلين إسلاميين في لبنان في تعقيد الأمور بشكل أكبر. ورغم ذلك فقد أكد سعد الحريري الزعيم السني الأبرز في البلاد، دعمه الدائم للجيش في مواجهة الجهاديين. لذا فإنه كان من المستغرب أن أزمة بعمق الأزمة السورية لم تتسبب في انقسامات سنية تذكر داخل الجيش.

(4) تسييس التعيينات العسكرية

 

على الرغم من أن قوانين الجيش في لبنان تحظر النشاط السياسي على العسكريين، إلا أن انتماءاتهم الطائفية والسياسية تظل ظاهرة بوضوح. وفقا للدراسة، تتعرض الترقيات الكبيرة في الجيش إلى تقلبات النظام السياسي. منصب رئيس الأركان، المحفوظ للدروز مثلا، لا بد أن يحصل صاحبه على مباركة زعيم الطائفة الدرزية وليد جنبلاط. وكذا الأمر في حالة الضباط الموارنة الذين يسعون إلى قيادة الجيش. وتسبب هذا الأمر في التمديد للعماد جان قهوجي بعد أن حل تاريخ تعاقده بسبب الفشل في التوافق على من يخلفه. مع تسبب في طرح فكرة مد سن التقاعد لكبار الضباط لإتاحة المجال أمام قهوجي وغيره من ذوي القبول للبقاء في الخدمة وتجنب النزاع السياسي.

لم تقتصر الأزمة على منصب قائد الجيش. هناك 3 مناصب شاغرة في المجلس لعسكري منذ عام 2013 بسبب الفضل في التوافق حول هوية من يشغلها وهي منصب مدير عام الإدارة (شيعي)، ومنصب المفتش العام (روم أرثوذكس)، ومنصب للروم الكاثوليك كما تم تعطيل تقاعد كل من رئيس الأركان (درزي) وأمين عام المجلس الأعلى للدفاع (سني) لأسباب مماثلة.

وترى الدراسة أن هذا التدخل السياسي في ترقيات الجيش ينذر بعواقب وخيمة. وتختتم الباحثة دراستها بالتأكيد على صعوبة مهمة الجيش اللبناني في ظل خضوعه لكل هذه التوازنات السياسية والطائفية. وترجع التماسك الظاهري الذي يبدو إلى التداخل بين أنواع الانتماءات (الطائفية أو السياسية، أو المهنية). منوهة إلى أن تسييس التعيينات العسكرية يقوض الفاعلية العملياتية للجيش ويولد انقسامًا بين الضباط المسيسين وغير المسيسين يتحدى مفاهيم الاحترافية العسكرية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد