وفقًا للإحصاءات فأمراض القلب تودي بحياة 17.9 مليون شخص عالميًّا كل عام، وهي قيمة تُقدّر بـ31% من إجمالي أسباب الوفيات، وأكثر من 75% من نسب الوفيات تقع في الدول الفقيرة، ومتوسطة الدخل، و85% من أسباب الوفيات تقع بسبب الأزمات القلبية والجلطات. وهناك 610 آلاف شخص يفقدون حياتهم سنويًّا في أمريكا بسبب أمراض القلب، بمعدل شخص من كل أربعة.

فأمراض القلب هي أول أسباب الوفيات في العالم، وبالأخص الأمراض المتعلقة بالشريان التاجي، فتصلب الشرايين يؤدي إلى الإصابة بجلطات، وتؤدي بدورها إلى حدوث نوبات قلبية وتتسبب نظم الحياة التي تفتقر إلى النشاط والحركة في زيادة معدلات الخطر للإصابة بأمراض القلب، وتتسبب فيها أيضًا أمراض السكر، وزيادة ضغط الدم، والسِمنة، والتغذية السيئة، والاستهلاك العالي للكحول، والتدخين.

لكن هناك شعبًا على وجه هذه الأرض تمكن من النجاة، وجد العلماء أنه أقل الشعوب إصابة بأمراض القلب والشرايين، فتسعة من كل 10 منهم لا تظهر عليهم أي عوامل خطر للإصابة بأمراض القلب. وسَجّل نفسه كأكثر قلوب صحية في العالَم، فماذا فعلوا ليحظوا بهذا اللقب؟

كيف تفوق النظام الغذائي في بوركينا فاسو على النظام الإيطالي؟

كيف حافظ شعب التيسمان على قلوبهم؟

في جنوب أمريكا، على ضفة نهر الأمازون يعيش شعب التيسمان، ويبلغ تعداده 16 ألف نَسمة، حيث زار الباحثون 84 قرية من قرى شعب التيسمان، في الفترة من 2004 إلى 2015، وقاسوا علامات خطر الإصابة بأمراض القلب، عن طريق التصوير المقطعي لـ705 أشخاص بالغين، أعمارهم تقع بين 40 إلى 94 عامًا، كما أن أفراد القبيلة لم يُسجلوا قراءات عالية لضغط الدم، والكوليسترول، وسكر الدم، إذ يعيش الشخص التيسماني الثمانيني حياة الشخص الأمريكي الخمسيني.

شعب التيسمان، المصدر

هذا الشعب يعيش نمط حياة ما قبل الثورة الصناعية، هم أقرب للإنسان الصياد، فهم يقضون حياتهم في قنص الحيوانات، وصيد الأسماك، والزراعة، وجمع الفواكه البريّة، ويعتمد شعب التيسمان على غذاء به كمية قليلة من البروتين، من مصدر حيواني، تمثل 14% من الغذاء، ويستهلك الفرد في هذه القبيلة كمية ضئيلة من الدهون يوميًّا، تبلغ 38 جرامًا، و11 جرامًا من الدهون المشبّعة، ويحتوي غذاؤهم على كمية كبيرة جدًا من الكربوهيدرات.

وربما يبدو ذلك غريبًا، فمعظم الكالوري يأخذونه من الكربوهيدرات، ويحتوي الغذاء أيضًا على الألياف، من الأرز، وموز الجنة، ونبات البَفرة، والذرة، والمكسرات، والفواكه، وهذه النوعية من الغذاء فرضتها عليهم الحياة، فهم يعتمدون على الغذاء المزروع، في مواسم الصيد الفقيرة، ولا يستخدمون الملح ولا السكر بأي شكل. وهم يعتمدون على غذاء غني بالـ«المغذيات الدقيقة» مثل السيلينيوم، والبوتاسيوم، والمغنيسيوم. ويأكلون الأسماك في مواسم الصيد، لكن لا يمتلكون بطاطس ولا برجرًا، ولا أطعمة معلّبة.

كيف ستكون حالتك في سن الثمانين؟

ماذا سيحدث لو أن طعامك يحتوي 60% منه على خضروات وفواكه؟ هيلارد كابلان الأستاذ الأمريكي، أستاذ الأنثروبولوجي، في جامعة نيوميكسيكو يقول إن هذه الدراسة بيّنت أن شعب التيسمان المعزول يمتلك أقل معدلات إصابة بأمراض الشريان التاجي، والتي تصبح فيها الأوعية الدموية الرئيسية التي تمد القلب بالدم والأكسجين تالفة. وسر هذه الحالة هو نظام حياتهم، الذي يعتمدون فيه على غذاء قليل الدهون المُشبّعة، والأطعمة غير الجاهزة، بالإضافة إلى الألعاب البريّة، وعدم التدخين، وكذلك النشاط طوال اليوم، يمنع الشرايين من التصلب. وهم يقضون حوالي ست إلى سبع ساعات يوميًّا في ممارسة نشاط بدني، على الجانب الآخر ترتفع نسبة الإصابة بضيق وتصلب الشرايين في المجتمعات الحديثة.

Embed from Getty Images

في حياتنا المعاصرة صار البشر أقل نشاطًا، إذ يقضون 54% من أوقاتهم جالسين، بسبب طبيعة العمل، التي تعتمد على عدم التنقل. في حين تبلغ مجموع الخطوات التي يمشيها شعب التيسمان 17 ألف خطوة في اليوم، فمعظم ساعات استيقاظهم يقضونها في المشي أو تعقب الحيوانات، ويشترك في ذلك الجميع، رجال، ونساء، وأطفال.

في حياتنا المعاصرة نحن محاصرون بكل أنواع الأجهزة والشاشات، التي تسبب لنا التشتت والأرق، والنوم المضطرب، أما نظام التيسمان في الراحة فهو مختلف، فيعتمد على الضوء؛ فهذا الشعب الفقير الذي لا يعرف وجود الكهرباء، ومظاهر الحياة الحديثة؛ في الليل يخلدون إلى النوم، لا تشغلهم أجهزة يحملقون فيها، فهم لا يمتلكون كهرباء، وبعد تسع ساعات يصحون عند ضوء الفجر، ليواصلوا الصيد والقنص.

هل يمكن أن نستفيد من شعب التيسمان؟

تؤثر الأسباب الجينية بدور ضئيل في الإصابة بأمراض الشرايين، والباحثون يرون أن الدور الأكبر يقع على النشاط البدني، ونظام الغذاء، فمن اللازم مراعاة الحفاظ على مستويات ضغط دم، وكوليسترول، وسكر دم طبيعية، وربما نستطيع الاستفادة من شعب التيسمان لتقليل الإصابة بأمراض القلب؛ بالتأكيد ليس بالجنوح إلى حياة بدائية ليس فيها كهرباء، ولكن بممارسة أنشطة بدنية، والابتعاد عن التدخين، والحفاظ على معدل طبيعي لمؤشر كتلة الجسم.

وتنصح منظمة الصحة العالمية بممارسة نشاط بدني لمدة نصف ساعة يوميًّا؛ فهو يقلل أمراض القلب والشرايين بنسبة 30%، وأكل خمس حصص على الأقل من الفواكه والخضروات يوميًّا، وتقليل معدل استهلاك الملح فلا يتعدى معلقة الشاي يوميًّا، وتجنب الدهون غير المشبّعة والأطعمة السريعة.

لكن حياة شعب التيسمان ليست وردية للنهاية؛ فلأنها حياة بدائية ترتفع نسبة الإصابة بالالتهابات، والعدوى، وهنا تكمن ميزة لحياتنا المعاصرة، التي تتفوق فيها أدوات وُنظم النظافة الشخصية، فتقريبًا كل فرد من أفراد القبيلة يعيش على جسده نوع من أنواع الطفيليات، ربما يبدو هذا مقززًا، لكن هذا ما قد عاش به البشر وقتًا طويلًا من وجودهم. وإذا نظرنا لمعدل أعمارهم سنجدها أقل قليلًا من معدل عمر الشخص العادي، وذلك لأنهم عُرضة أكثر للخَبطات، وسموم الثعابين، والعدوى، لكنهم يظلون يتمتعون بكامل صحتهم إلى اليوم الذي يلقون فيه حتفهم.

«الجارديان»: 5 طرق فعالة تساعدك في الإقلاع عن التدخين

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد