في 25 سبتمبر (أيلول) الماضي، أعلنت الإمارات انطلاق هزاع المنصوري – الذي أسمته أول رائد فضاء إماراتي ووصفته «جريدة العين» بالبطل القومي- إلى الفضاء في رحلة استغرقت ثمانية أيام على متن مركبة «سويوز» من كازاخستان. وفي الوقت الذي احتفت فيه الإمارات بهذا الإنجاز، كشفت جريدة «نيوبورك تايمز» الأمريكية أن مركز محمد بن راشد للفضاء هو من اشترى مقعدًا في المركبة بثمن لم يُعلن عنه رسميًّا، وأن اختيار هزاع جاء من بين 4 آلاف متقدم.

في وقت سابق كانت وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) قد وصفت هزاعًا بأنه «مشارك في رحلات الفضاء» وليس رائد فضاء، وهو ما يلقي الضوء على الخطوات الصحيحة التي ينبغي للشخص أن يمر بها لكي يصبح رائد فضاء محترفًا، الأمر الذي نستعرضه في هذا التقرير.

استكشاف علمي أم دعاية سياسية؟ كل ما تريد معرفته عن برنامج الفضاء الإماراتي

أولًا: التفوق العلمي وحده لا يكفي..

إن أمسكت يومًا بالجريدة وقرأت في طياتها أن وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) بحاجة إلى رواد فضاء، فهذا يعني أنك في أمريكا على الأغلب، وأنك بحاجة على الأقل لدرجة بكالوريوس في الهندسة، أو الأحياء، أو الفيزياء، أو الرياضيات وعلوم الكمبيوتر، لكن هذا وحده لن يجعلك مؤهلًا للتقدم؛ لأنه يجب أن تكون مواطنًا أمريكيًّا بالأساس.

هذا الشرط ليس حكرًا على «ناسا» وحدها؛ فوكالة الفضاء الروسية، المعروفة بـ«ROSCOSMOS» تشترط على من يتقدم ليصبح رائد فضاء أن يكون مواطنًا روسيًّا، وكذلك تفعل وكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، فهي الأخرى تشترط أن يكون المتقدم حاملًا لجنسية دولة عضو في الوكالة، لكن «ناسا» لديها اتفاقية دولية مع كندا، والبرازيل، واليابان، وروسيا تمكنهم من اختيار رواد الفضاء لمواطنيهم بأنفسهم.

الجنسية المطلوبة إذن شرط أساسي في المتقدم، لكن حتى مع توفر هذا الشرط، والدرجة العلمية المطلوبة، فهذا لا يضمن أنك مؤهل لذلك؛ لأن هناك شروطًا أخرى معقدة. قبل الشروع في سرد هذه الشروط يجدر الإشارة إلى أن السفر للفضاء ليس حكرًا على أمريكا، وأوروبا، وروسيا فقط بل هو متاح لأي دولة ما دامت تمتلك التكنولوجيا المتطورة والعتاد البشري والعلمي اللازمين لذلك.

الخبرة العملية والصحة الجسدية والنفسية.. مراحل معقدة لاجتياز الاختبار

يمكن تقسيم المتقدمين للحصول على وظيفة رائد فضاء إلى قسمين: الأول رائد فضاء طيار (Pilot Astronaut)، وهم المسؤولون عن قيادة المركبة وتوجيهها، والثاني قسم مراقبي المهمة (Mission Control Astronaut) ومسؤوليتهم تتعلق بمراقبة المركبة وسيرها وميكانيكية عملها. وفي كلتا الحالتين تشترط «ناسا» على من يتقدم لديها أن تكون لديه خبرة عملية في مجال تخصصه لمدة ثلاث سنوات على الأقل. وفي حالة الطيارين يُفضل من لديه خبرة في الطيران تصل إلى ألف ساعة قيادة في الجو لطائرة نفاثة.

صورة لرائد فضاء

أنت الآن توفرت فيك الشروط النظرية للالتحاق بـ«ناسا»، لكن هناك عملية اختيار أخرى معقدة تتعلق بجسدك وبقدرتك على التحمل، وهي العملية التي تجعل فرصتك في الالتحاق بالبرنامج ضئيلة للغاية؛ فآخر مرة أعلنت «ناسا» فيها عن حاجتها لرواد فضاء كانت قبل عامين في 2017، وتقدم لها 18 ألف مواطن قبلت منهم 12 فردًا فقط!

تختار «ناسا» أكثر المتقدمين ملائمة لشروطها النظرية لكي تُخضعهم في برنامج اختبار عملي، لاختبار صحتهم وهيئتهم الجسدية، وتشترط ما يلي:

1- ألا يزيد ضغط دم المتقدم عن 140/90 في وضع الجلوس.
2- أن يتراوح طوله بين 157 و190 سنتيمتر؛ وذلك لكي يكون ملائمًا للجلوس في مركبة الفضاء.
3- أن يمتلك معدل إبصار 20/ 20. وتقبل «ناسا» بعمليات تصحيح الإبصار، وباستخدام النظارات الطبية.
4- أن يكون خاليًا تمامًا من أي أمراض معدية أو مزمنة، أو أي أمراض تتطلب دخلًا طبيًّا سريعًا؛ إذ لن يكون هناك قدرة على العودة للأرض من أجل إنقاذ المتقدم.

تتشابه هذه الشروط إلى حد كبير مع شروط وكالَتَي الفضاء الروسية والأوروبية، لكن روسيا تضيف متطلبات أخرى، منها أن يجتاز المتقدم اختبار العدو لمسافة 60 مترًا في 8.5 ثانية، وأن يسبح 25 مترًا في 19 ثانية.

البرنامج التدريبي لرواد الفضاء.. أكثر المراحل صعوبة

بمجرد اجتياز الاختبارات الجسدية وقبولك لكي تصبح رائد فضاء، فستكون بحاجة للدخول إلى برنامج تدريبي لمدة عامين من أجل تأهيلك لكي تصبح قادرًا على الصعود للفضاء، وستدرس أيضًا اللغة الروسية.

ما يحدث في هذا البرنامج هو أنك تعيش تجربة محاكاة كاملة لما يمكن أن يحدث لك، من أول نقطة الانطلاق من أعلى الأرض، حتى الوصول إلى محطة الفضاء الدولية، ولذلك عليك أن تجتاز، بالإضافة إلى الدراسة النظرية لكل ما يتعلق بمركبة الفضاء، عددًا من التدريبات الجسدية الشاقة، والتي منها:

1- تدريب قوة التسارع

في هذا التدريب يوضع المتدرب في جهاز طرد مركزي يدور بسرعة عالية كما في الفيديو التالي، وبداخل الجهاز يزداد وزنهم نحو 10 أضعاف الوزن الطبيعي، وهو ما يعرضهم لمخاطر صحية كبيرة، إذا لم يكونوا مؤهلين جسديًّا لهذا الأمر.

في الفيديو يظهر رائد فضاء تابع لوكالة الفضاء الأوروبية «ESA»، يزن نحو 90 كيلو جرامًا في الوضع الطبيعي، وعند وضعه في جهاز الطرد المركزي فائق السرعة بلغ وزنه نحو 748 كيلو جرامًا نتيجة لقوة التسارع العالية، والتي تبلغ 8 g.

يحدث هذا محاكاةً لقوة التسارع التي تهبط بها المركبة الفضائية نحو الأرض في رحلة عودتها من الفضاء، وهو الأمر الذي لا يمكن محاكاته على الأرض إلا باستخدام جهاز الطرد المركزي هذا. علمًا بأن أقصى قوة تسارع للسيارات على الأرض (أي مدى قدرتها على الوصول من صفر إلى 100 كيلو متر) تبلغ نحو 0.9 g للسيارات التي تصل إلى 100 كيلو متر من وضع الثبات في نحو ثلاث ثوان.

لذلك ينبغي لأجساد رواد الفضاء أن تتحمل قوة تسارع تصل إلى 8 g، وهو ما يحدث داخل الجهاز، وهذا يتطلب تدريبات جسدية عالية الجودة. ولتوضيح مدى تأثير قوة التسارع على الجسم فإنه إن تعرض الإنسان لقوة تسارع تصل إلى 4 g فهذا يعرضه لنزيف من الأنف وقد يصل إلى نزيف داخلي، أما إن تعرض لقوة 20 g فهذا يُعرضه للوفاة على الفور، وهي قوة التسارع العكسية التي تحدث عند اصطدام سيارة تسير بسرعة هائلة في حائط صلب للغاية إذ يبلغ وزنه حينها نحو 20 ضعف وزنه الطبيعي.

يمكن مشاهدة الفيديو التالي لتوضيح مدى تأثير قوة التسارع في جسم الإنسان:

2- تدريب صفر جاذبية

في هذا التدريب يوضع رواد الفضاء داخل طائرة تصعد وتهبط بشكل حر ومفاجئ، ما يمكن الأشخاص بداخلها من تجربة وضع صفر جاذبية تمامًا كما يحدث في مركبات الفضاء. هذا التدريب يُسمى (vomit comet) وهو متاح للأشخاص العاديين الذين يرغبون في تجربة هذا الشعور.

لتفهم هذا التدريب يمكننا تصور مجموعة من الهضاب المتراصة بتتالٍ بعضها بجوار بعض. تصعد الطائرة نحو قمة الهضبة الأولى بأقصى سرعة ممكنة وسرعان ما تستقر عند القمة لتبدأ هبوطها نحو الأرض بسرعة السقوط الحر، ثم تصعد إلى قمة الهضبة التالية بسرعة الصعود الأولى نفسها، ثم تهبط بالسقوط الحر، وهكذا.

الفيديو التالي يُبين تجربة الصفر جاذبية ومدى تأثيرها في جسد الإنسان

بعد اجتياز العامين بشكل نظري وعملي تصبح رائد فضاء مسجلًا لدى «ناسا»، لكن هذا لا يعني أنك سقلع إلى الفضاء في اليوم التالي. إذ إن هناك العديد من المهمات لرواد الفضاء على الأرض مثل مراقبة المركبات الفضائية المرسلة مسبقًا، وكذلك الاستعداد لكي يحلوا محل رواد الفضاء الآخرين إن حدث أي أمر طارئ.

في نهاية الأمر يمكن القول إنه بالرغم من عملية الاختيار والتدريب الشاقة لكي تصبح رائد فضاء، فإن الأمر لا يخلو من جانب التشويق والمتعة؛ فمنذ صعود يوري جاجارين إلى الفضاء، بصفته أول بشري يفعل ذلك؛ صعد 560 شخصًا فقط إلى الفضاء وأن تكون واحدًا منهم بالطبع أمر فريد للغاية.

الجدير بالذكر أن هناك العديد من رحلات الفضاء للأثرياء الراغبين في خوض هذه التجربة توفرها وكالة الفضاء الروسية، تتطلب قبلها تدريبًا تبلغ مدته نحو ستة أشهر، وذلك بمقابل يبدأ من 40 إلى 90 مليون دولار في الرحلة الواحدة.

بين الطعام والمواد الإباحية.. 6 من أغرب الأشياء التي أرسلها الإنسان إلى الفضاء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد