من الخارج كان المأوى المؤقت للسوريين في كيليس “تركيا” لا يبدو كأنه مكان للحياة، بل وكأنه سجن، ولكن إذ فجأة تنهض تركيا وتقوم ببناء مخيم كما يجب وتوفر كل مايحتاجه اللاجئون بالمخيم، فقامت بتخصيص ممرات وبوابة جمارك لسوريا، وعلى يمينها ما هو معروف رسميا باسم رئاسة الوزراء للجمهورية التركية، ووزارة الكوارث والطوارئ.

ولذلك ما يحدث فى كيليس الآن مذهل لأنه مخيم للاجئين ولكنه يشبه مخيم خيالنا، فهو مخيم منظم جدًّا وبه أجهزة الكشف عن المعادن ويتم فحص المقيمين ببصمات أصابعهم وبطاقات الدخول.

في 29 أبريل 2011 عبر العديد من السوريين إلى تركيا فارين من الحرب الأهلية في بلادهم، ولكن في غضون 24 ساعة أعدت الحكومة التركية معسكر خيام طارئ لهم، وفي أقل من ثلاث سنوات كان قد تم إنشاء 22 مخيمًا لخدمة 21 ألفًا من اللاجئين، وفي عام 2012 تم إفتتاح مخيم كيليس الذي يعتبر من أحد المخيمات التي تقدم أفضل معايير توفير المأوى لللاجئين، ولقد وصفه أحد المقيمين بأنه مخيم نظيف جدًّا وتتوفر فيه كل وسائل الراحة ومرتاح فيه كل مايتعلق بأعمال الصيانة التي تخدم المقيمين به، ويوجد به أيضًا العديد من الكماليات الأخرى .



فهذا المخيم يضم العديد من الهياكل الكبيرة من المدارس، ومراحل ما قبل المدرسة “رياض الأطفال”، ويتوفر بالمدارس خدمات للأطفال، ويوجد أطباء نفسيون يقومون بواجب مزدوج في استشارات الأطفال الذين يحتاجون إليهم، وبشهادة أحد المدرسين السوريين المقيمين في كيليس فإن المدارس المتوفرة في المخيم هي في حد ذاتها أجمل من المدارس العامة في بلادهم، ولقد انبهر دبلوماسي بولندي بهذا المخيم وأضاف أنه أجمل مخيم للاجئين في العالم، ولا أحد ينكر أن مستوى المعيشة في هذا المخيم مرتفع للغاية.



وباعتراف من مسئول تركي تحدث – بشرط عدم الكشف عن هويته مثل معظم المسئولين في تركيا لأنهم ممنوعين من التحدث إلى الصحافة – قائلاً: “إن هناك مشكلة بالفعل ليس فقط لأن المخيمات مجهزة تجهيزًا جيدًا، ولكن لأن هناك اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجيئن التي تنص على حظر الدول على إجبار اللاجئين على العودة إلى حدود الخطر، وتضمن حقهم في العمل والمأوى والسفر، وإن رفض دخول السوريين لتركيا قد يكون صعبًا نظرًا إلى أن الحدود مفتوحة بين البلدين”.

وتركيا لديها سجل في احتضان اللاجئين مع الروابط العرقية والثقافية، وقررت فتح ذراعيها للجيران الذين مزقتهم الحرب في سوريا، باستثناء عمليات الإغلاق المتقطع أثناء القتال خوفًا من النشاط الإرهابي على الحدود، وأحيانًا ما تبني تركيا جدارًا على طول حدودها؛ حيث تنطوي الاشتباكات على جانب الأكراد السوريين، وأحيانًا ما تقوم بغلق الحدود، ولكن فى كيليس فيمكن أن تتحرك دون عوائق حول نفطة التفتيش، ويمكن الدخول والخروج من خلال بساتين الزيتون.

وهنا يسأل الكاتب لماذا تركيا على استعداد لبناء مساكن للاجئين وإيوائهم بشكل جيد على نفقاتها الخاصة خلافًا لجميع المخيمات الأخرى للاجئين في العالم تقريبًا؟

إن كيليس لا تديرها المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولكن الذي يقوم بهذا الدور هي رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ في تركيا، وإن هذه المخيمات تتعامل مع موظفي الحكومة التركية، ويتم السماح لعدد قليل من المنظمات الغير حكومية بدعم تلك الأدوار فقط، وباستثناء بعض المنح الدولية الطفيفة ولكن المسئولية المالية والإدارية كاملة كانت لتركيا وحدها.

ولكن البعض يعتقد أن القتال في سوريا لن يستمر طويلاً، وكل ما تقوم به تركيا هو رهان الدهاء، وخاصة أن اقتصاد تركيا في نمو, لذلك لدى تركيا أمل أن تكون لاعبًا كبيرًا في الساحة الجيوساسية، وأنها لديها الرغبة الشديدة لتظهر للعالم الخارجي عظمة ما تفعله، وإن هذه المخيمات وسيلة مرئية جدًّا للقيام بذلك، ومن المتوقع أن يصل عدد اللاجئين السوريين في تركيا إلى مليون ونصف قبل نهاية العام، وإن الجدير بالذكر أن تلك الحاويات مجهزة تجهيزًا جيدًا ويتوفر بها الحمامات والمطابخ ووجود التلفاز بالغرفة، ومن المثير للملاحظة وجود عدد من الحاويات لديهم أطباق استقبال للأقمار الصناعية.

العديد من اللاجئين في كيليس فروا إلى تركيا بعد قصف عنيف في شمال سوريا؛ حيث كانت القوات الحكومية فى معركة ضارية مع الجماعات المتمردة، وقد أبدى أحد المقيمين في المخيم – والذي نجى من هجوم بالقذائف على بلدته ودمر منزله – أبدى إشادته بالمخيم ووجود كل ما يحتاجونه به.

إن حالة الإمتنان للبلد المضيف “تركيا” تقتحم المخيم بأكمله، وقد أراد أحد المقيمين فى المخيم ويدعى بشير أليتو، وهو زعيم الفرع بكري)، أن يشكر الحكومة التركية على هذا المخيم الجيد جدًّا، فالمخيم لديه عيادة بسيطة ويعمل بها الأطباء التركية – ومترجمين لهم – مع تقديم العلاج والدواء مجانًا، وأضاف إنه يريد شكر الحكومة التركية لعلاج السوريين ومعاملتهم مثل الإخوة، على الرغم من أن الأتراك ليسوا عربًا، وذكر أن من شأن الحكومات فى الدول العربية مثل الأردن أن يقوموا بهذا العمل الجيد لمساعدة إخوانهم العرب بدلاً من الدولة التركية، فكان وضع اللاجئين فى الأردن مرادفًا للعنف والمعاناة للمقيمين، وكانت تلك المخيمات تفيض بالقمامة والجريمة”.

وبالإضافة إلى تلك الجهود فإن طريقتهم في تزويد اللاجئين بالغذاء تعتبر من أفضل الطرق، ففي كيليس هناك ثلاث محلات للبقالة جنبًا إلى جنب وكأنه مركز تجاري صغير، ويتم إعطاء كل أسرة بطاقة السحب الآلىي عند التسجيل، وكل شهر يحصلوا على رصيد 80 ليرة أى ما يقرب من 40 دولارًا للشخص الواحد للغذاء، و10 دولارات لأشياء أخرى.

وتصف “نسرين سيمين”، وهي مساعدة كبيرة لبرنامج الأغذية العالمي وتساعد في تشغيل المشروع، بـأن طريقة توزيع الأغذية في المخيم تعد جيدة لأنها فعالة من حيث التكلفة والتنظيم والسرعة، ولقد وصف “كارول باتشلر” ممثل المفوضية العليا للاجئين في تركيا بأن تركيا تلعب دورًا رئيسيًّا ومنسق للغاية في المخيم؛ حيث عينت الحكومة التركية مديرًا للمخيم من أجل إعداد التقاير حول المخيم وترسل مباشرة إلى حاكم المنطقة، ومن خلال هذا النموذج استطاعت تركيا السيطرة على بعض المخاطر الرئيسية المرتبطة بأي مخيم للاجئين مثل عمليات التخريب والسرقة والاعتداء الجنسي، لذلك يعتبر هذا المخيم من أكثر المخيمات التي يقل فيها انتشار تلك الظواهر، التي ترتبط بوجود أعداد كبيرة في المخيمات وبشهادة أحد المقيمين في المخيم الذي أكد وجود حراس في كل مكان أثناء الليل والأضواء مثل ضوء النهار.

ويضيف الكاتب إن تشغيل تلك المخيمات بهذه الطريقة مكلفٌ جدًّا، ومخيم كيليس ينفق على الأقل 2 مليون دولار فى الشهر، وبحلول نهاية عام 2013 تكون الحكومة التركية قد أنفقت حوالي 2 بليون ونصف دولار على ضيوفها السوريين ولا سيما في المخيمات، وهذا الرقم خلق حالة استياء بين الأتراك، وأصبح عددهم حوالي اثنان ونصف مليون لاجئ سوري نتيجة الصراع الدائر فى البلاد، وحاليًا تركيا تستضيف نحو 25% منهم، مما يمثل مشكلة بالنسبة لتركيا، ولقد اجتمعت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في أكتوبر الماضي في اجتماع رفيع المستوى لمناقشة كيفية مساعدة عدد كبير من السوريين الذين يواصلون زحفهم إلى البلدان المجاورة، وطرحت ثلاثة حلول منها: الحل الأول ويعتبر قاسيًا وهو العودة الطوعية إلى الوطن، والحل الثاني هو إدماجهم بشكل كامل مع المواطنين من بلدان لجوئهم ولكن ذلك الحل سوف يشكل لبلدان كثيرة مشاكل عدة وعبئًا على المدارس وأسواق العمل، وأما الخيار الأخير هو إعادة التوطين في بلد ثالث، فهم يبحثون للتضامن معهم بكل شكل وبكل المقاييس، لأن هناك العديد من اللاجئين لا يعيشون داخل مخيمات، ولم يكن لديهم دائمًا الحق في العمل ولديهم صعوبة في الحصول على الرعاية الصحية أو التعليم لأطفالهم.

نظرًا لصعوبة إدماج اللاجئين مع سكان البلد المضيف بسبب المشاكل المترتبة على تلك الخطوة؛ حيث ينتهي الأمر إلى بقائهم في تلك المخيمات لتوافر المساعدات بها؛ حيث إن الأمم المتحدة والوكالات الإنسانية على ما يرام في توفير الموارد الأساسية للمخيمات كل يوم، ويضيف الكاتب أن المشكلة الآن تتمركز حول استمرار واستقرار اللاجئين في المخيمات، وإن نظام الدولة غير قادر على استيعاب ما يحدث على أرض الواقع، ولكن كثير من السوريين المقيمين في المخيم يعتقدون إن الثورة لن تستمر طويلاً وسوف يغادرون ذلك المكان قريبًا في يوم من الأيام.

ويصف أحد المقيمين بالمخيم شعوره بالملل المستمر داخل المخيم وأن الحياة طويلة دون جدوى، ولكن الحياة لابد وأن تستمر، ويضيف “بشير أليتو” بأنه بالرغم من توافر وسائل الراحة والنظافة والمرافق الجيدة بمخيم كيليس وشعورنا بالارتياح فيه إلا أننا يتملكنا شعور دائمًا بأن ذلك مؤقت وليس دائمًا ومن المستحيل أن نقبل أن يكون دائمًا، ويضيف بأن المخيمات لا توفر فرص لكسب الرزق، والمساعدات قليلة جدًّا مقارنة بالاحتياجات الأساسية.

وفي اجتماع أكتوبر الماضي, اقترحت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين حلاً دائمًا رابع وهو المزيد من المساعدات والدعم للمجتمعات المضيفة من أجل البقاء على قيد الحياة، وخلق فرص للعمل من خلال تحسين البنية التحتية وتقليل المنافسة بين السكان المحليين اللاجئين على الموارد والعمالة”.

ويشير المقال إلى أن هناك حديثًا – بين الأتراك – حول منح الحكومة لكل السوريين الحق في العمل، ولكن لا يوجد شيء على أرض الواقع حتى الآن، وفي منتصف عام 2013 بدأ رئيس الوزراء ووزير الخارجية بمطالبة مساعدات مالية من المجتمع الدولي للحفاظ على تشغيل المخيمات.

ولقد أكد أحد المسئولين في تركيا أنه بغض النظر عن عدد السوريين المتزايد إلا أنهم موضع ترحيب وهم مسئولية عالمية، وأن الحكومة التركية على استعداد لبقائهم لفترة طويلة، ومن المستحيل التقصير في معاملتهم أو إخراجهم من الأراضي التركية

عرض التعليقات
تحميل المزيد