6,203

هل يمكن لمواقع التواصل الاجتماعي أن تتحوَّل لأداة تغير الواقع؟ الإجابة على الأرجح نعم؛ كان لهذه المواقع دور كبير في ثورات الربيع العربي، ومن جانب آخر، نجد أنَّ لها قدرة كبيرة على المساعدة في الأعمال الخيرية، وهي قادرة على تغيير حياة أشخاص كثر للأبد.

في هذا التقرير سنرى كيف يحصل كل ذلك، عبر 4 حكايا مثيرة.

بداية الحكاية: شابٌ جائع يريد «Chicken Nuggets»

في الولايات المتحدة الأمريكية، تحديدًا في دبلن في ولاية أوهايو، يقع المقر الرئيس لمطعم «وينديز» WENDY’S،  وينديز هي سلسلة مطاعم وجبات سريعة، تتواجد حول العالم – وبشكلٍ رئيس – في أمريكا، للمطعم حساب على «تويتر»؛ للتفاعل مع الزبائن، ولكن هذا التفاعل تفاعل فكاهي، ففي كثير من الأحيان يُغرد المطعم بطريقة صادمة أو بمزاح حاد ومُضحك.

على سبيل المثل، أعلنت سلسلة مطاعم «ماكدونالدز» أن كل وجبات «البرجر» من نوع «Quarter Pounder» ستُعدُّ منذ منتصف 2018 من لحم البقر الطازج في معظم مطاعم ماكدونالدز، وجاء الردّ المُحرج من وينديز: «إذن ستتابعون استخدام اللحم المجمد في معظم أنواع البرجر الأخرى في كافة مطاعمكم؟»

تغريدة

ولأن المطعم يردّ بهذه الطريقة على الناس، قرر الشاب «كارتر» Carter أن يُغامر بسؤاله للمطعم: كم إعادة تغريد يحتاج ليحصل على قطع الدجاج لمدة عام كامل؟

فكان الجواب الساخر من المطعم 18 مليون إعادة تغريدة

وبدأ التحدي؛ بعد تلك التغريدة انطلق كارتر لجمع تأييد المُغردين على تويتر للوصول إلى 18 مليون رتويت، وسارَ الأمرُ بطريقة لم يتوقعها أحد، إذ حصل على مليون «رتويت» خلال يوم واحد، وبدأت تغريدته تتقدم لتصبح من أكثر التغريدات المُعاد نشرها في تويتر، ووصلت للمركز الثاني، وما زالت تغريدته – حتى الآن – تنتشر أكثر فأكثر؛ مُنافسًة التغريدة الأشهر في تويتر، التي جمعت كبار ممثلي هوليود بـ3.4 مليون رتويت:

حصل كارتر حتى الآن على 3.2 مليون رتويت، وتفاعل معه لنشر تغريدته شركات عالمية من خلال حساباتها الرسمية في تويتر، كـ«أمازون» و«مايكروسوفت» و«تويتر» نفسه، بل حتى «جوجل»، التي نشرت تصميمًا لشعارها الشهير (Google) مكتوبًا بقطع الدجاج:

هذا الانتشار الهائل لتغريدته حفزَّ مطعم وينديز ليُعلن أنه في حال وصول التغريدة للمركز الأول فإن المطعم سيتبرع بـ100 ألف دولار  لمؤسسة «Dave Thomas Foundation» التي تعمل على رعاية الأيتام وإيجاد مُتبنين لهم، مما زاد حماس الكثيرين لنشر تغريدة كارتر الذي دشَّن وسم #NuggsforCarter بوصول لأكثر من 64 مليون مُشاهد، لم يقف الأمرُ عند هذا الحد، حيث أعلنت شركة Oath عن التبرع بنفس المبلغ، 100 ألف دولار، إذا وصلت التغريدة للمركز الأول.

بفضل قوة مواقع التواصل الاجتماعي انتفع الجميع:

حصل المطعم على ترويج ضخم، صارَ كارتر نجمًا يظهر على الشاشات في ليلة وضحاها، وستحصل المؤسسة الخيرية قريبًا على 200 ألف دولار، عدا التسويق الكبير الذي حصلت عليه. سؤالٌ بسيط يُطرح هنا: ما الموجود على الجانب العربي؟

في الخليج: حملات إنسانية بملايين الدولارات

أطلق مغرد وشاب سعودي اسمه عبد العزيز القحطاني حملة خيرية قال إنه لم يتوقع نجاحها، طلبَ فيها 100 وجبة شاورما من مطعم شاورمر؛ ليوزعها على عمال النظافة في شوارع مدينته جدة.

وبالفعل، استجابت «شاورمر» بطريقة رائعة، وقدّمت 100 شاورما بدون أيّ رتويت، وكما حدث مع كارتر، تتابعت الشركات والمؤسسات في مُساعدة عبد العزيز في حملته، فقُدمت العصائر والحلويات، وحتى الورود وبطاقات شحن الهاتف، وأعلنت عدّة مؤسسات جاهزيتها لتغطية الحملة إعلاميًا وتنفيذها، ووصلَ عدد المُتبرعين من مؤسسات وأشخاص لـ220 متبرع.

تقتصر هذه الحملة على تقديم الحاجيات اليومية للعاملين في السعوديّة، فماذا عن المشاريع العملاقة التي تقدم خدمات دائمة وأساسية للفقراء حول العالم؟ هُنا يبرز صوت مؤسسة «العون المباشر» الكويتيّة، وهي جمعية خيريّة تعمل في إفريقيا على تقديم مشاريع تنموية مُستدامة، تستخدم فيها تقنيات حديثة، وتعمد إلى مشاريع ترفع المستوى المعيشي للمنطقة التي تتواجد فيها، مُوسعةً نطاق عملها من الحالات الفردية إلى المجتمعات القروية الصغيرة والمدنية الكبيرة.

في 29 مارس (آذار) 2017، أطلقت جمعية العون حملةً باسم #ابشري_يالصومال، جمعت الحملة خلال أقل من 12 ساعة 8.1 مليون دولار.

كيف استطاعت الجمعية فعل ذلك؟ الأمرُ بسيط، اجمع شبابًا مشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي في غرفة واحدة، ابدأ الترويج للحملة من خلالهم، واصنع ترقبًا لانطلاق الحملة، حدّد وسمًا وتوقيتًا مُعينًا، أطلقها!

وصلت أصداء الحملة لقرابة سبعة ملايين مُستخدم على الإنترنت بأكثر من 8.8 مُشاهدة. يُطلق العون المباشر بشكل متكرر حملات مُشباهة قوامها الترويجي والتسويقي على هذه المجموعات الصغيرة من الشباب الفاعلين في مواقع التواصل الاجتماعي، يقومون بالتحدث عن الحملات في قصص «سنابشات» و«إنستغرام»، ويقومون بتغطية وصول التبرعات وتنفيذ مشاريعها على أرض الواقع من خلال حساباتهم، التي يتابعها الآلاف، من معظمهم من الكويت، المصدر الرئيس لتمويل الجمعية، وتتضمن هذه المجموعات من الشباب الاجتماعيين عددًا من المصورين المُحترفين الذين يحضرون تطوعيًا لتغطية الحدث تغطية كاملة واحترافية.

من الحملات الأخرى للجمعية حملة #أيتام_الخير، التي جمعت كذلك في 12 ساعة أربعة ملايين دولار.

لمُّ شمل بعد فقد الاتصال 35 عامًا.. بفضل «سنابشات»

أما في الأردن، فقد وقعت حادثةٌ غريبة. ذهبت عارضة الأزياء الأردنية زين كرازون في زيارة تعرّفت فيها على رجل مُشرّد يعيش في بيتٍ مهجور لوحده في العاصمة الأردنية عمّان.

قامت زين بتصوير الرجل وتصوير بيته ووضعه السيئ، ونشرت صورته وهي تبكي لحالته، وتتساءل «وين الناس وين الشباب وين أهل الخير؟!» بعد انتشار الفيديو تبرع أحد المشاهدين باستئجار بيت جديد للرجل لمدة عام كامل.

الغريب في هذه القصة، أنَّ هذا الرجل، كمال محمد حسن أبو عبدو، هو فردٌ في عائلة فلسطينية تعيش الآن في غزة، حيث لجأ أهله إليها بعد إخراجهم من مدينة يافا في عام 1948، وقد استطاعوا التعرف عليه بصعوبة من الفيديو، ويعملون على إعادة لمّ شمل العائلة، بعد أن انقطع التواصل بينهم لأكثر من 35 عامًا.

تغريدة

ناس نيويورك.. Humans Of New York .. HONY

ضرب إعصار ساندي مدينة نيويورك في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) 2012، في تلك الأزمة تدمّر عدد من الأحياء في نيويورك تدميرًا كليًا وشبه كلي، ولرفع التبرعات والتمويلات الخيرية قرّرت صفحة Humans of New York أن تقوم بنشر بعض القصص عن المُتضررين من الإعصار، وكان الهدف الأولي الوصولُ إلى 100 ألف دولار، ولكن الرقم ارتفع بعد مرور قرابة يومين إلى 228 ألف دولار.

لم تكن هذه الحملة الوحيدة التي أثَّرت فيها HONY في الواقع تأثيرًا مُباشرًا، ففي مايو (أيار) 2016 أطلقت الصفحة حملةً لدعم الأطفال المُصابين بالسرطان، ووصفت القصص بأنها «قصص حرب»، و«لكل حرب أبطال»، من آباء وأمهات وأطباء وممرضين، والأبطال الأساسيون هم الأطفال، ثم خُتم نص الدعوة للحملة بـ«سنقوم بتقديم المال لنلعب دورنا الصغير في هذه الحرب»، وبدأ جمع التبرعات لتكون المحصلة 3.4 مليون دولار، إنها أرقام، والمُتابعون أرقام، ولكنهم يمتلكون قوةً تكفي لتغيير حياة الناس وتجديدها.

تُتيح صفحة ( HONY) مساحة حوار بين الأفكار المختلفة، إنها تنقلُ قصة إنسان لا يُبالي بها أحد إلى قلب بيت 18 مليون مُتابع للصفحة، تنقل الجزء الأكثر تأثيرًا من القصة إلى الناس، وهذا أتاح للصفحة أن تطرح قصصًا وقضايا سياسية مُهمة، كقضية اللجوء، فطرحت الصفحة قصصًا للاجئين سوريين في أمريكا، تحت عنوان «The Syrian Americans»، بهدف دعم الأسر اللاجئة لكي تصل إلى أمريكا (أو إلى دولة لجوء أخرى)، وكانت المُحصلة 750 ألف دولار. من الجدير بالذكر أن مُجتمع ( HONY) تبرّع خلال عام 2015 بـخمسة ملايين دولار في خدمات ومشاريع إنسانيّة.

كلُّ ما سبق، يُثبت أن لشبكات التواصل الاجتماعي قدرة فائقة على تغيير الواقع والتأثير فيه، فإلى أيّ حدٍ نُدرك ذلك في العالم العربي؟ وهل نستفيد من هذه الشبكات كما يجب؟

تعليقات الفيسبوك