ربما تكون مررت بهذا الموقف من قبل، تجلس أنت ومجموعة من الأصدقاء في أحد المطاعم أو المقاهي، متوقعًا أن تتبادل معهم أطراف الحديث، وأن تقوم بالرد على بعض الأسئلة التي يمكن أن توجه لك، معبرًا عن رأيك بكل أريحية. لكنك تفاجأ بهذا الشخص الذي يجلس معكم الذي قام باحتكار المحادثة تمامًا، وأطلق أفكاره وآراءه وقصصه بشكل متواصل ودون توقف.

كثير منا ربما يجد نفسه في مثل هذا الموقف المحرج. الحرج هنا يكمن في أن إيقاف هذا الشخص عن الكلام يعني إحراجه بشكل مباشر، وهو أمر يخشى الكثيرون القيام به، حتى لا تتأثر العلاقة بين الطرفين بشكل ما. بالتأكيد أنت لا تريد خسارة التعامل الجيد مع أحد زملائك في العمل.

نحن نرى هذه المعضلة طوال الوقت من حولنا. عمليات التواصل في الشركات، والمحادثات الشخصية في المقاهي، وحتى في المناقشات السياسية، دائمًا هناك ذلك الشخص الأعلى صوتًا والأكثر هيمنة على مسرح النقاش، وهؤلاء عادة من يحصلون على نقاط أكبر، سواء من حيث الاعتراف بأهميتهم أو الحصول على الأصوات في الانتخابات.

لكن إذا كنت تريد أن تتحول مناقشاتك مع أصدقائك إلى حوارات صحية متنوعة ونقاشات بناءة ومفيدة لكل الأطراف، فهل هناك أي شيء يمكننا القيام به عندما نجد أنفسنا وسط تلك المحادثات التي يهيمن عليها طرف واحد فقط، عدا مجرد الجلوس والقيام بإيماءات هادئة برأسك حتى ينتهي هذا المشهد العبثي بأكمله؟ بمعنى آخر هل هناك طريقة سلسة وبسيطة لاستعادة السيطرة على هذه الحوارات والإمساك بدفة الحديث؟

1. أبسط الطرق.. اطرح سؤالًا وغيّر دفة الحديث

طبقًا للخبراء، اتضح أن هناك بالفعل تكتيكًا اجتماعيًا يمكنه إعادة توزيع القوة بسرعة في أي حديث غير متوازن، يطلق عليها البعض «الشق المعرفي». هذا التكتيك هو وسيلة لإعادة تشكيل محادثة ببساطة عن طريق طرح سؤال، لكن ليس أي سؤال. ويكون دور هذا السؤال هو اختراق (أو شق) هذا الحديث غير المفيد للشخص المهيمن. الأمر أشبه بالشق الجراحي في العمليات من أجل استئصال ورم ما، عادةً ما يكون دقيقًا ونظيفًا وفعالًا.

يقول أندرو سوبيل، مؤلف كتاب «أسئلة القوة: بناء العلاقات، والفوز في أعمال جديدة، والتأثير على الآخرين»، إنه كان على الهاتف مع عميل «لن يوقف استنكاره الغاضب لمجموعة من الأشخاص في شركته». في النهاية، قاطعه سوبيل بسؤال بسيط: ما هو التغيير الذي يريده هؤلاء المديرون؟ في هذه اللحظة حول سوبيل المناقشة من صخب سلبي إلى حديث إيجابي. هذا هو الشق المعرفي.

الفكرة هنا هو الإبداع في استخدام أسئلة حسنة التوقيت وفعالة لوضع حد للآراء التي تجدها غير ذات صلة، وإعادة ضبط المحادثة. عندما يسقط هذا السؤال وسط المحادثة، فإنه يقوم بفرقعة تلك الفقاعة المفرطة للكلمات التي يكررها المتحدث بشكل مطول، ويتداخل السؤال أيضًا مع الفكرة اللامعة التي يصر المتحدث على إيصالها.

عندما تطلق هذا السؤال، سيسمعه الشخص الذي يملك قوة الحديث والتحكم المزيفة، ويفهمه ويبدأ في الإجابة عنه على الفور. هؤلاء يبذلون قصارى جهدهم لمواصلة استعراض قوتهم في المحادثة وتعبئة الهواء بمزيد من الكلمات، لكن أنت قمت بسؤالك بتوجيه الانتباه نحو موضوع جديد.

2. استخدم معلوماتك للتحكم في المحادثة

يصف الخبراء «الشق المعرفي» وهو القدرة على الرؤية من خلال الواجهات الاجتماعية والنظر مباشرة إلى الحقيقة. بدونه، يمكن أن تؤثر بعض الأقنعة مثل عدد الكلمات والحجم والشغف واللباس والشهرة على الناس. ولكن مع الشق المعرفي، يمكنك أن ترى بالضبط ما يجري بالفعل وراء كل هذا الكلام المنمق الطويل.

يمكن لأي شخص لديه شق معرفي أن يستمع ويتتبع البيانات ويحدد المكان الذي يريد المتحدث الذهاب إليه، وبالتالي يمكنه طرح سؤال مباشر يفتح المحادثة ويوجهها في اتجاه مختلف. المقصود بالشق المعرفي هو أنك مستمع تتابع وتحلل كل ما يقال. في عقلك، أنت على دراية بالحديث، وأنت على دراية بالموضوع وعلى دراية بما يريد المتحدث توصيله بالضبط.

وإذا لم تكن على دراية بالموضوع، فلا بأس بذلك. هذا أمر طبيعي فنحن نتعلم أشياء جديدة من أشخاص آخرين وحديثهم، تمامًا مثل ما يحدث في الفصل الدراسي، عندما تتحدث المعلمة أكثر من طلابها، وبالتالي تمارس القوة على تلاميذها لأنها أكثر دراية منهم بالموضوع. ربما لا نحتاج دائمًا الدخول في المحادثة، لماذا؟ حتى نتمكن من التعلم.

ولكن إذا كنت أكثر دراية من الشخص الذي تتحدث معه في الموضوع قيد المناقشة، فاستخدم «الشق المعرفي» لإعادة توازن التحكم في المحادثة.

3. استخدم تقنية السؤال المعاد توجيهه

يمكنك استخدام «الشق المعرفي» في ضبط المجموعة. ربما لاحظت كيف عندما يكون رئيسك وسط حلقتكم النقاشية، يحصل زملاء العمل لديك على القليل من الفرصة للحديث. يميل الناس إلى التحدث أكثر عندما يكونون عصبيين أو يحاولون التأثير، وقد يكون من الصعب الحصول على كلمة. هذا السيناريو مناسب أيضًا للشق المعرفي.

Embed from Getty Images

(حدد الوقت المناسب لطرح سؤالك)

إذا كان شخص ما يحتكر المحادثة، اطرح سؤالًا على المدير مباشرة أو على شخص آخر في المجموعة، طالبًا منه تناول الموضوع المطروح. مثلًا يمكنك أن تقول «نعم، هذا مثير للاهتمام، يا أحمد، لكن يا محمود أشعر بالفضول حول ما لديك من أفكار في هذا الشأن». لن يلاحظ رئيسك مدى اهتمامك فحسب، بل وأيضًا إصرارك نحو الموضوع والاستفادة منه.

يعمل هذا السؤال المعاد توجيهه مثل الجزرة المتدلية أمام المتحدث الذي سيكون أمامه ثلاثة خيارات. الأول هو الاستمرار في التحدث كما هو مع تجاهل سؤالك، والثاني اضطراره للإجابة عن السؤال، والثالث هو الاستماع إلى الآخرين وهم يتكلمون. في الحالتين الأوليين، سواء تجاهل المتحدث السؤال أو اغتصب الكلمة مرة أخرى، فإنه لن يبدو جيدًا في نظر المستمعين، وسيظهر بصورة المتسلط وسيبدأ المحيطون بتجنبه. بالطبع الخيار الثالث هو الأفضل، حيث يبدأ الناس بإدراك أن سماع رأي شخص واحد فقط حول كل شيء ليس هو الصحيح.

لاستخدام «الشق المعرفي»، يجب الاستماع عن كثب إلى المتكلم، وتتبع بياناتهم، والتنبؤ إلى أين يريدون الذهاب بالضبط بحديثهم هذا. بعد ذلك قم ببلورة سؤال في رأسك يتعلق بأمر حاسم ومفصلي فيما يقوله المتحدث. لا تجعل السؤال مجرد تبسيط أو رفض واضح لما يقول، ويجب أن تختار الوقت المناسب لطرحه أيضًا، وربما تستخدم بعضًا من الدعابة. يجب أن يكون سؤالك بمثابة انفجار للفضول في عقول الناس تجاه شيء ما.

لماذا تعد كثرة الحديث مشكلة؟

يرى البعض أن «من يتحدث أكثر، يتحكم أكثر». إذا كنت مؤثرًا، فأنت تميل إلى التحدث أكثر خلال المحادثات. يمكن أن ترى هذا الأمر طوال الوقت في الأخبار وجلسات المناقشة والمحادثات في المقاهي. كل من هو أكثر ذكاءً وأكثر خبرة وأعلى صوتًا وأكثر شغفًا – كل الطرق المختلفة التي تظهر بها القوة – يكون هو الأكثر قوة، ويتحدث أكثر في أي محادثة معينة، سواء كان ذلك بين الأصدقاء أو الشركاء أو زملاء الفريق أو العملاء أو المعارضين وما إلى ذلك.

نتيجة لذلك، فإن الشخص الذي يتحدث أكثر، يميل إلى التحكم في المحادثة. شخص واحد يحتكر الوقت كله تقريبًا. هذا مشابه لما يحدث في السياسة، يحدث تعطيل كامل عندما يقوم سياسي أو مجموعة من السياسيين بحجب أو تأخير التصويت على مشروع قانون عن طريق اغتصاب الكلمة وإطالة أمد المناقشة من خلال التحدث باستمرار.

وبالتالي، لا يوجد خيار أمام الأشخاص الآخرين في المحادثة سوى الاستماع بهدوء أو المقاطعة بوقاحة أو الابتعاد بوقاحة. إذا بقوا، فإنهم صامتون، ومحتجزون من قبل المتكلم، الذين يستقبلون كلماته مثل أمواج البحر الهادرة والمزعجة سواء كانوا متفقين معه أم لا.

في المقابل يرى بعض الخبراء أن مبدأ «من يتحدث أكثر، يتحكم أكثر» غير صحيح، لأن كمية الكلمات لا تعني جودة التفكير. أو بعبارة أخرى، فإن الفعل لا يعادل بالضرورة الذكاء. علاوة على ذلك، لا يشير طول وقت التحدث إلى ولاء المستمع وإنصاته. في النهاية، فإن كل شيء أكثر قوة سيظهر وبشكل حتمي، سوف يأتي بشكل طبيعي، وسوف يحدث دون جهد.

لذلك فإن تلك القوة التي يراها الناس في المتحدث، هي في الواقع أقرب لقناع زائف ربما لا يدل فعلًا على قوته وذكائه. لذلك ربما على الناس ألا تنخدع بهذا الأمر لأنه في النهاية سيختفي ويزول وتظهر الحقيقة، وربما يندم الناس أنهم استسلموا لهذا الشخص بهذه البساطة.

ما سيعلمك إياه هذا التكتيك بعد اتقانه، هو أنك لست مضطرًا لأن تكون الشخص الأعلى في الغرفة حتى تكون مؤثرًا. لست مضطرًا للتحدث حول مجموعة أشخاص لساعات لكي ينظروا إليك على أنك الشخص القوي، وليس عليك احتكار المحادثة لتبدو مهمًا. في الواقع، فإن العكس هو الصحيح.

صحة

منذ سنتين
تجنب معركة «أنا الذي على حق».. 6 نصائح من الطب النفسي للمعارضة البناءة

فقد اكتشف الباحثون وجود علاقة قوية ومتسقة بين طرح الأسئلة وبين الإعجاب، فالأشخاص الذين يطرحون المزيد من الأسئلة يفضلهم الشركاء في المحادثة عن أولئك الذين يتحدثون طويلًا. لذلك لا يهم عدد المرات التي تتحدث فيها، أو عدد القصص التي ترويها. ما يهم حقًا هو إطلاق الأسئلة الأصيلة خارج السياق، لكنها تضيف بعدًا حقيقيًا وقيمة كبيرة للمستمع وللنقاش الدائر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد