هل لاحظت سابقًا أنه في بعض الأحيان عندما تعرض على مجموعة من الناس الحقائق التي تتعارض مع أعمق معتقداتهم الشخصية، فإن هذه الحقائق لا تُغيّر في معتقداتهم وقناعاتهم؟ ربما واجهتك هذه المشكلة، بخاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الدينية أو السياسية، وهذه الأخيرة زادت وانتشرت كثيرًا في العالم العربي، حتى ظهرت بوضوح وبكثرة الانقسامات السياسية، التي دفع بعضها نحو اندلاع مواجهات عنيفة وحروب.

في الواقع، يبدو أن الناس على استعداد لمضاعفة التأكيد على معتقداتهم أمام أنياب الأدلة الدامغة التي تتنافى مع هذه المعتقدات، وطبقًا للكاتب مايكل شيرمر، فإن الأسباب تتعلق بالنظرة تجاه هذه الحقائق كأنها تهديد مباشر لك، وذلك في ظل تضارب البيانات والمعلومات التي يستقبلها هذا الشخص.

المعتقد يسيطر علينا

على سبيل المثال يُواجه العلماء الذين يبحثون في أصل الخلق نزاعًا قويًا بين ما يجده من أدلة في الحفريات والحمض النووي وغيرها على حدوث عملية التطور، هذا النزاع يأتي من شعورهم بالقلق إزاء إمكانية أن تتعدى القوى العلمانية العقيدة الدينية، وتنتهك حرمتها وقداستها.

هناك أيضًا مجموعة من الناس يطلق عليهم اسم «anti-vaxxers»، وهم أولئك الناس الذي لا يؤمنون ولا يأخذون الأدوية أو التطعيمات لأنهم لا يثقون بها، ويعتقدون أن المال يفسد الدواء. هذه المعتقدات أدت بهم إلى الإيمان بأن اللقاحات تسبب مرض التوحد، رغم حقيقة أن الدراسة الوحيدة التي ادعت هذه الصلة بين التطعيم والتوحد، اتُهم الباحث الرئيسي فيها بالتزوير.

مثال آخر يظهر في المشككين في هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، هؤلاء الذين يُركزون في تفاصيل مثل درجة انصهار الصلب في مباني مركز التجارة العالمي، والتي تسببت في انهيار البرجين الشهيرين، لأنهم يعتقدون أن الحكومة تكذب وتنشر معلومات مغلوطة، كي تُؤسس لنظام عالمي جديد.

ويدرس هؤلاء الأشخاص الذين ينكرون التغيرات المناخية، حلقات الأشجار والعينات الجليدية وأجزاء من المليون من الغازات المسببة للاحتباس الحراري، لأنهم متحمسون تجاه الحرية بخاصة حرية الأسواق والصناعات التي دائمًا ما تواجه معوقات وقواعد حكومية صارمة.

أولئك الذين شككوا في شرعية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، أخذوا يحللون بدقة شهادة ميلاده بشكل مطول، بحثًا عن تزوير أو خطأ ما، لأنهم يعتقدون أن أول رئيس من أصل إفريقي في البلاد له توجه اشتراكي يمكن أن يؤدي إلى تدمير البلاد.

في كل هذه الأمثلة السابقة كان الأنصار أو الأشخاص المؤيدون ينظرون إلى وجهات النظر المخالفة أو آراء المشككين على أنها تهديد خطير يتعرضون له، مما يجعل الحقائق بمثابة عدو الإدراك والمعرفة والوعي بالنسبة لهم. قوة الإيمان والمعتقد هذا على حساب الحقائق هي نتيجة لعاملين رئيسيين: التنافر المعرفي وتأثير النتائج العكسية.

التنافر المعرفي

في إحدى الكتب الكلاسيكية الشهيرة عام 1956 بعنوان «عندما تفشل النبوءة – When Prophecy Fails»، وصف الطبيب النفسي ليون فستنجر وشريكه ما حدث لتلك الطائفة التي تعبد الكائنات الفضائية عندما فشلت السفينة الأم في الوصول في الوقت المحدد، مُوضحين أنه بدلًا من الاعتراف بخطأ معتقدهم هذا، «سعى أعضاء المجموعة بشكل محموم لإقناع العالم بمعتقداتهم»، وأجروا سلسلة من المحاولات اليائسة لمحو هذا التنافر الذي حدث في أعمق قلوبهم ومشاعرهم، عبر الإتيان بتنبؤات متتالية أخرى على أمل أن يتحقق أحدها أخيرًا.

وأطلق فستنجر على ردة الفعل هذه اسم «التنافر المعرفي» أو «التوتر غير المريح»، الذي يأتي نتيجةً لاحتجاز اثنين من الأفكار المتضاربة في وقت واحد. ووثّق اثنان من علماء علم النفس الاجتماعي هما كارول تافريس وإليوت أرونسون (وهو طالب سابق لفستنجر)، في كتابهما «أخطاء ارتكبت – Mistakes Were Made»؛ آلاف التجارب التي تظهر كيف يدور الناس ويتلاعبون بالحقائق التي يقدمها لهم الطبيب لتناسب معتقدات مسبقة لديهم، وذلك بغرض الحد من التنافر.

تأثير النتائج العكسية

في سلسلة من التجارب التي كتبها الأستاذ في كلية دارتموث، بريندان نيهان والأستاذ في جامعة إكستر، جيسون ريفلر، حدد الباحثان عامل ذي صلة يسمونه «تأثير النتائج العكسية – backfire effect»، تزيد فيه التصحيحات من سوء الفهم بين المجموعة، في السؤال الذي يبدأ بـ«لماذا».

يُعد هذا النوع من الأسئلة خطيرًا، كونه يهدد نظرتهم للعالم أو لمفهوم الذات، على سبيل المثال أُعطيَ أشخاص مقالات صحافية وهمية تؤكد مفاهيم خاطئة شائعة على نطاق واسع، مثل أنه كان هناك أسلحة دمار شامل في العراق، وعندما قُدّم لهؤلاء الأشخاص مواد صحافية تقول إن أسلحة الدمار الشامل لم يُعثر عليها مطلقًا في العراق، تقبل الليبراليون الذين كانوا يعارضون الحرب المقالات الجديدة ورفضوا القديمة، على النقيض من ذلك فالمحافظون الذين كانوا يُؤيدون الحرب، أو أنصار الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، قبلوا بالمقالات القديمة التي تُعضد من اعتقادهم، بينما اعتبروا أن المقالات الجديدة تُثبت وجهة نظرهم، مُعتبرين أن عدم الوصول إلى هذه الأسلحة المفترضة، يُثبت أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين أخفاها أو دمّرها!

ولاحظ الباحثان أنه بين العديد من المحافظين، فإن «الاعتقاد والإيمان بأن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل الذي كان عند هؤلاء قبل الغزو الأمريكي مباشرة، ظل موجودًا لفترة طويلة خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن، حتى قام الأخير بنفي الأمر في النهاية».

الحل للإقناع

فإذا كانت الحقائق التصحيحية التي نقدمها للناس لا تزيد الأمر إلا سوءًا، فما الذي يمكننا فعله لإقناعهم بخطأ ما يعتقدونه؟ نعود هنا إلى ماسكل شرايمر الذي وضع هذه النقاط المحددة، التي رُبّما تُساهم:

  • حافظ على العواطف دون تبديل.
  • ناقش، ولا تهاجم.
  • استمع بعناية وحاول توضيح الموقف ووجهة النظر المقابلة بدقة.
  • أظهر الاحترام.
  • أقر بتفهمك لماذا يمكن لهذا الشخص أن يحمل هذا الرأي المخالف لرأيك، بمعنى تفهم اختيارات الطرف الآخر.
  • حاول أن تظهر كيف أن تغيير الحقائق لا يعني بالضرورة تغيير وجهات النظر.

هذه الاستراتيجيات قد لا تعمل دائمًا على تغيير عقول الناس أو المساهمة في ذلك، ولكن الآن بعد أن وُضع العالم في معصرة التحقق من الوقائع السياسية، فإن هذه الاستراتيجيات ربما تساعد في الحد من الانقسام الذي لا ضرورة له.

عرض التعليقات
تحميل المزيد