عندما يتعرض الإنسان لصدمة نفسية ويلجأ لطبيب متخصص، عادة ما يخبره بأن العلاج الدوائي ليس الوسيلة الوحيدة لتخطي تلك الأزمة، بل يجب أن يكون هناك علاج سلوكي مصاحب، يبذل فيه صاحب الصدمة مجهودًا لتخطي التأثيرات السلبية للصدمة التي قد تُصور له أمورًا غير واقعية تقف عائقًا بينه وبين علاجه النفسي، هذا ما يخص الفرد الواقع تحت الصدمة الفردية، لكن ماذا عن الصدمة الجماعية؟

في ظل ما يمر به كوكب الأرض من مشكلات عالمية، مثل التغير المناخي وآثاره الملموسة على الأرض، وتفشي وباء عالمي هدد – وما زال- سكان كوكب الأرض بأكمله، بجانب ما مرت به المنطقة العربية من ثورات في العقد الأخير لم تحقق أهدافها، وما تركته تلك المرحلة من آثار سياسية واجتماعية يمكن إدراجها تحت بند الصدمة الجماعية؛ كل هذا يجعلنا نتساءل؛ هل يمكن التعامل مع صدمات الجماعة بنهج واحد لعلاجها مثل علاج الأفراد نفسيًّا؟ أم أن الفروق الفردية والظروف السياسية ستقف عائقًا أمام ذلك؟ 

ما الصدمة الجماعية؟ وكيف تؤثر فينا؟

الصدمة الجماعية في علم النفس والاجتماع هي التعرض لحدث صادم يتشارك فيه مجموعة من الناس، قد يشمل مجموعة صغيرة مثل الأسرة، أو قد يشمل المجتمع بأكمله، ويندرج تحت بند الصدمة الجماعية حوادث الطائرات، والكوارث الطبيعية، وإطلاق النار الجماعي، والمجاعة، والحروب بأنواعها، والأوبئة، والأوضاع السياسية القاسية.

ولا يحتاج الأشخاص بالضرورة إلى تجربة الحدث بأنفسهم ليشملهم تأثير صدمة ومن ثم التغيير الذي يليه في التصرفات والمشاعر؛ فيكفي أن تسمع أخبار انتشار الوباء، أو ترى مشاهد مذابح في بلادك في الأخبار حتى تتعرض لتلك الصدمة الجماعية دون أن تصاب بالمرض نفسه.

صحة

منذ سنة واحدة
من اضطراب ما بعد الصدمة إلى الشيزوفرينيا.. فحص العين قد يكشف مرضك النفسي!

تلك الصدمة تؤثر تأثيرًا قويًّا في طريقة تفكير الجماعات، والطريقة التي يربون بها أبناءهم، وقد تنتقل الصدمة الجماعية من جيل لجيل، وربما تكون حوادث من نوعية القنبلة الذرية الملقاة على هيروشيما وناجازاكي مثالًا نموذجيًّا على استمرار الصدمة الجماعية لأجيال متتالية.

ويعد اضطراب القلق المزمن، واضطراب ما بعد الصدمة من أكثر التأثيرات النفسية والعقلية التي تتجلى في المجتمعات التي تعاني من صدمة جماعية، فهل يمكن معالجة المجتمع ككل من الصدمة الجماعية، بدلًا من العلاج الفردي؟

هل يمكن أن تستفيد الجماعة من نهج العلاج النفسي الفردي؟

في عام 2019 ظهر كتاب بعنوان «الاضطرابات: نقاط التحول عند الأمم المأزومة» (upheaval turning points for nations in crisis) للكاتب وأستاذ الجغرافيا الأمريكي جاريد دايموند، مؤلف كتاب «أسلحة جراثيم وفولاذ» (Guns, Germs, and Steel: The Fates of Human Societies) الذي نُشر عام 1997 وحقق نجاحًا عالميًّا  وحولته «ناشونال جيوجرافيك» إلى فيلم تسجيلي بالعنوان نفسه.

وفي هذا كتاب «الاضطرابات» أشار دايموند إلى أن المفتاح الحقيقي في كيفية تعامل الفرد مع الصدمة أو الأزمة هو «التغيير الانتقائي» بمعنى أن الأشخاص الذين استطاعوا التغلب على الصدمات كان عليهم أن يتبعوا نهج تحديد ورصد أي جانب من جوانب شخصيتهم وهويتهم لم يعد فعالًا أو مفيدًا لتطورهم الشخصي ولخروجهم من الصدمة؛ ومن ثم التخلي عنه ومحاربته في داخلهم، بينما يركزون على الجوانب المفيدة والمثمرة في شخصياتهم وتنميتها، وطرح سؤالًا: هل يمكن اتباع هذا النهج نفسه الناجح على المستوى الفردي وتطبيقه على الجماعات التي تتعرض لصدمة جماعية؟ وكانت إجابته هي: نعم، من الممكن ذلك.

ومن خلال رصد ست تجارب لست دول هي: اليابان، وفنلندا، وتشيلي، وإندونيسيا، وألمانيا، وأستراليا، حاول دايموند في كتابه أن يشرح ويقارن كيف طبقت تلك الدول نهج العلاج الفردي في تخطي الصدمات؛ من أجل تجاوز صدمتهم الجماعية والخروج من الأزمة. 

وسعى في كتابه الذي كان يعمل فيه منذ عام 2013، إلى اختبار نظريته من خلال رصد الكثير من العوامل المعروف أنها تؤثر في حل الأزمات الشخصية، وقد استخدمتها هذه البلدان الستة لتخطي صدمتها الجماعية والخروج من الأزمة، وقارن دايموند حاجة الفرد لمساعدة الأصدقاء والمقربين وقت الأزمة ليتخطى الصدمة، بحاجة البلدان إلى مساعدة الحلفاء لها، والتي تتجسد في المساعدات المالية.

وفي تقييمه لكيفية إدارة الأزمات، وضح دايموند عدة عوامل ونقاط تحول مهمة يجب أن تمر بها الدولة حتى تتجاوز الصدمة، ومن أهمها: التقييم الواقعي للذات، والتغيير الانتقائي، والمرونة التي تسمح بتقديم بعض التنازلات السياسية والاجتماعية، والاعتراف بجانب المجتمع من الخطأ وعدم لعب دور الضحية.

جاريد دايموند مع بيل جيتس

وفي حوار إعلامي له أكد دايموند أن كل الحالات التي ذكرها في كتابه هي حالات نجاح نسبي، ولم يتطرق إلى أية تجارب فاشلة في مواجهة الأزمات، ولكن ما يراه من وجهة نظره تجربة فاشلة على أرض الواقع، هي تجربة غينيا الجديدة، والتي لم تتحسن أحوالها منذ الاستقلال، وفشلت حسب وصفه، في تشكيل هوية وطنية يجتمع تحت ظلها كل فئات المجتمع، وذلك بسبب الصراع الأناني بين أصحاب المصالح المختلفة الذين يرفضون التنازل والتفاوض معًا؛ إذ يوجد الآلاف من القبائل العرقية التي تتحدث ما يقرب من 700 لغة مختلفة، تسعى كل واحدة منها لمصلحتها الشخصية. 

ويوضح دايموند أنه يمكن النظر إلى إندونيسيا على أنها تجربة ناجحة، فعلى الرغم من الظروف الصعبة التي مرت بها البلد، فإنها تمكنت من تشكيل هوية وطنية جامعة لأعراقها المختلفة على امتداد آلاف الجزر التي تتكون منها الدولة من بعد استقلالها في العام 1949، ناسبًا الفضل في هذا النجاح إلى النضال الوطني ضد الاستعمار الهولندي، والذي أنتج رؤية محددة للعالم وللذات؛ تلك الرؤية التي ساعدت على توحيد صفوف المجتمع أثناء هذا النضال.

فيلم وثائقي بقناة الجزيرة عن نهضة إندونيسيا 

وذكر دايموند في كتابه تجربة تشيلي بوصفها مثالًا للدول التي استطاعت تخطي صدمتها الجماعية، من خلال العوامل التي يعتمد عليها العلاج النفسي الفردي السابق ذكرها، فقد شهدت تشيلي انقلابًا عسكريًّا عام 1973 بقيادة أوجستو بينوشيه الذي أطاح الرئيس سلفادور أليندي وفجر قصر الرئاسة، وسجن ما يقرب من 40 ألف شخص، وقتل ثلاثة آلاف معارض، ووصفه البعض بـ«رجل الرعب»؛ إذ عاش مواطنو تشيلي ما يقرب من 10 سنوات في خوف مستمر، وفي ظل حكمه تعرضت تشيلي لانهيار اقتصادي وزيادة نسبة البطالة إلى 30%، وأصبحت البلاد على حافة الإفلاس.

تشيلي من الحكم العسكري إلى الديمقراطية  

وفي عام 1983 بدأت الاحتجاجات على حكم بينوشيه، واستمرت خمس سنوات توحدت خلالها الأحزاب السياسية ضد النظام الديكتاتوري، وكانت تلك هي اللحظة الفارقة حسب تعبير دايموند؛ إذ اعترفت المعارضة بأخطائها في السابق، ورفضت لعب دور الضحية، وتوحدت في جبهة سياسية تطالب بالديمقراطية والانتقال الآمن للسلطة، وتخلت عن الاستقطاب الذي يشتت الجهود ويمنح النظام فرصة للانقضاض عليها وتفكيكها.

ولكن رد بينوشيه كان عنيفًا وأسقطت قواته الكثير من القتلى في مواجهات الشوراع، ولكن في النهاية حكمت المحكمة العليا على بينوشيه بتسليم السلطة، ومن بعد هذه اللحظة تمكنت تشيلي من التحول إلى دولة ديمقراطية، وجعلتها الإصلاحات السياسية واحدة من أهم الوجهات الاستثمارية في العالم.

ما أراد دايموند طرحه في كتابه، هو أنه يمكن أن تستفيد الجماعات من نهج الأفراد في تخطي الصدمات، وما يمكن أيضًا أن تتعلمه الجماعات الأخرى من المجتمعات التي أقدمت على ذلك بالفعل ونجحت إلى حد ما فيه، ليكونوا مثالًا لكل المجتمعات التي تقع تحت وطأة صدمة جماعية الآن، إلا أن تلك النظرية تعرضت لبعض الانتقادات الوجيهة.

هل ما يصلح مع الفرد يصلح مع المجتمع؟

تعرض طرح دايموند إلى بعض الانتقادات، منها أن مقارنة المجتمع بالفرد قد تتطابق في نقاط وتتعارض في أخرى، فقد يتشارك المجتمع والفرد في أهمية الاعتراف بالهزيمة والفشل، وعدم لعب دور الضحية لتجاوز الصدمة، ولكن بعض العوامل التي تنطبق على الفرد لا يمكن تطبيقها على المجتمع؛ فحصول الفرد على دعم من الآخرين يختلف تمامًا عن العطاء الدولي من الحلفاء أو غيرهم أثناء مساعدة بلدٍ منكوبة ويتعرض مواطنوها لصدمة جماعية.

وكذلك تعرضت فكرة الإرادة و«وحدة المجتمع» لدى دايموند للانتقادات، على أساس أن الإرادة وحدها ليست كافية لتحقيق تجاوز الصدمة، خاصة لو كانت مستمرة مثل الصدمة النفسية التي يتعرض لها اللاجئون أثناء الحروب والصراعات السياسية، كما أن وحدة المجتمع أمر لا يمكن ضمانه من وجهة نظر النقاد حتى يتحول المجتمع إلى كيان واحد يمكن أن يتصرف بصفته فردًا يتبع خطوات علاجية سلوكية لتخطي الصدمة.

Embed from Getty Images

وسواء كانت تلك الانتقادات في محلها أم لا، فإن طرح دايموند يستحق التأمل نظرًا إلى خطورة الأمثلة التي يطرحها، فقد اتخذ الولايات المتحدة الأمريكية مثالًا على عدم قدرتها على التعافي من الصدمة الجماعية نتيجة انتشار وباء كورونا، وإذا كانت تلك الصدمة الجماعية قد هزت أقوى بلد في العالم، فما الذي يمكن أن تفعله في بلدان العالم الثالث التي تمر بصدمات جماعية من العينة نفسها؟

ففي تقرير نشر في فبراير (شباط) 2021 عن كيفية تجاوز المجتمعات للصدمة الجماعية الناتجة من انتشار وباء كورونا، أكد علماء اجتماع أن: «الصدمة الجماعية قد تخلق توقًا جماعيًّا لقادة أقوياء، مما يؤدي إلى سرعة انتشار الاستبداد».

المرونة والاتحاد.. أسلحة المجتمع لتخطي الصدمة الجماعية

شهد البشر في الفترة الأخيرة صدمة جماعية عالمية ربما لم يقع مثلها منذ الحرب العالمية الثانية؛ وهي تفشي وباء كورونا، هذا الوباء الذي فقد فيه العالم ما يقرب من 3 ملايين إنسان، ولم تقتصر آثار الوباء على حصد أرواح البشر فقط، بل إن الصحة العقلية الفردية لمن ظلوا على قيد الحياة تأثرت سلبيًّا من القلق والاكتئاب والوحدة والتوتر، وهو ما شَكَّل ما يمكن تسميته بـ«الصدمة الجماعية».

ولم تكن كورونا وحدها من أثر في صحتنا النفسية، فهناك العديد من المشكلات التي تسبب قلقًا وتوترًا على نطاق عالمي والتي تخص التغير المناخي والارتفاع الشديد في درجات الحرارة، فكيف يمكن تخطي آثارها النفسية والتعافي من الصدمة الجماعية التي تخلقها؟

في حديثه لشبكة «بي بي سي» عن الصدمة الجماعية، وكيفية فهمها حتى تتسنى معالجتها، يقول عالم النفس وممثل المجلس البريطاني للصدمات ديفيد تريكي، إن الصدمة الجماعية تشل قدرة الإنسان على «إيجاد معنى للحياة»، وهذا لأن الصدمات الجماعية الناتجة من الأوبئة أو الحروب الضارية، تغيِّر مفهومه عن نفسه وعن العالم، وتبدل الطريقة التي يدرك بها العالم من حوله، ما يسبب فجوة فيما أطلق عليه «أنظمة التوجيه» النفسية لدى الإنسان، وعندما يحدث ذلك؛ يتحول أي ضغط نفسي بسيط، بعد التعرض للصدمة، إلى شعور مستمر وشديد بالعجز عن فهم الحياة والغرض منها.

ووفقًا لتريكي فإن المرونة الذهنية للفرد (العنصر المكون للجماعة) تعد من أهم العوامل التي تساعد المجتمعات على تخطي صدمتها، ويحدث هذا من خلال إدراك الفرد ضرورة البحث أو ابتكار معنى جديد للحياة في عملية يُطلق عليها «صُنع المعنى»، وهي عملية ناتجة من السبب المؤدي للصدمة نفسها، فعندما نرى الوباء وهو ينهي حياة الآخرين من حولنا نشعر بأن الحياة ليس لها معنى؛ إذ يمكن للبشرية أن تنتهي في لحظة بسبب فيروس لا نراه بأعيننا ومن ثم نبدأ في فقدان المعنى.

Embed from Getty Images

عاملة رعاية صحية مع مريض بفيروس كورونا

لكن الخطورة تكمن في أنه يمكن للجماعة الكبيرة أن تنقسم إلى جماعات صغيرة لدى كل منها صدمتها الخاصة، فعلى سبيل المثال خلال انتشار وباء كورونا، أثبتت الإحصاءات أن نحو 20% من العاملين في الرعاية الصحية تعرضوا لصدمة جماعية بسبب ظروف عملهم القاسية.

فالعاملون في الرعاية الصحية محاطون يوميًّا بالموت، ويواجهون يوميًّا أزمة أخلاقية في إطار القرارات التي يتخذونها بصدد من يجب أن يعيش، ومن يجب أن تُسحب منه أجهزة التنفس لأن حالته ميئوس منها، ومنحها لشخص آخر هناك أمل في نجاته؛ فهي قرارات وظروف سببت صدمة جماعية مصغرة للأطباء والممرضين، داخل الصدمة الجماعية الكبرى للمجتمع ككل، وهو أمر يستحق اهتمامًا أكبر لمعالجته من الحكومات والمجتمع الكبير في آن.

المصادر

تحميل المزيد